بعد الحرب العالمية الثانية واستقلال العديد من الأقطار (التي رزحت عقود تحت الاحتلال والاستعمار) برز مفهوم دول العالم الثالث ( أفريقيا، أمريكا اللاتينية، وآسيا) كما عبّر عنه ولأول مرّة العالم الفرنسي ألفريد سوفي عام 1952، والذي بات مطلبًا مُلحًّا لدراسة ما يجري في داخل تلك الدول من تحولات، وهذا من شأنه فتح المجال أمام توسع السياسة المقارنة ودراسة الأنظمة السياسية خارج حالاتها الكلاسيكية، وتغير في طريقة دراسة الأنظمة السياسية وفق عدة متغيرات مثل طبيعة المؤسسات الحكومية، مستوى التنمية الاقتصادية، الخصائص المجتمعية للسّكان، عالم الأفكار المتغير والطوارئ الحاصلة على المجتمع (الثورات والانتفاضات).

وهذا ما جعل المنهج السياسي المقارن يحظى بأهمية كبيرة لدى المهتمين والباحثين والمحلّلين وكذلك صنّاع القرار، وسبب الأهمية؛ لأنّه لا يكتفي بالرصد والمتابعة وملاحظة الاختلاف والتّشابه، بل يبحث في المدلول السببي باستخدامه عدة مستويات لفهم الظواهر السياسية، وهي:

مستوى وصف الظواهر السياسية، مستوى تصنيفها ومستوى التفسير.

ولكن الإشكالية الحقيقية التي تكمن في المنهج السياسي المقارن على ضرورته، هي عدم توفر الشرط أو قصوره في فهم الظواهر والحالات القابلة والصّالحة للمقارنة ضمن السياق الزماني والمكاني والظرفيّ، حتى تكون النتائج دقيقة وليست متباعدة أو باطلة.

تميّز د. محمد عفان، المحاضر بالعلوم السياسية ومدير البحوث بمنتدى الشرق في سلسلته الأكاديمية التي عُرِضت عبر منصة رؤية للثقافة والإعلام، وكانت بعنوان «النظم السياسية المقارنة»، حيث شرح فيها الأصل المنطقيّ والتصنيفات والمقاربات المتعلقة بهذا العلم الفريد بشقّيه التقليديّ والحديث، ولا بدّ لكلّ باحث في إطار المنهج السياسي المقارن من وقفة استطلاعيّة وتأمّليّة لتلك السلسلة المفيدة.

انطلق د. عفان من التساؤل: لماذا نقارن؟ وما أهمية المقارنة؟

والإجابة في دواعي المقارنة، كانت لوضع قواعد ثابتة ومستقرة وفعّالة لعلم النظم السياسية المقارنة ضمن سياقات مختلفة متأثرة ومؤثرة في النظام السياسي الذي يدير المجتمع داخليًا وخارجيًّا. أمّا عن أهمية المقارنة فهي من أجل: إيجاد الضابط بين سياقين مختلفين (مقارنة مفهوم الدولة المستبدة مع الدولة الديمقراطية)، فهم الظاهرة في سياقات مختلفة (مقارنة مجتمع قبليّ مع مدنيّ)، وأخيرًا الخروج باستنتاجات أكثر شمولًا وعمومية مع اختلاف السياقات (مقارنة انقسام النخبة المدنية مع ظهور نخب راديكالية متطرفة).

وقبل البدء في تحديد ما يهم الموضوع المتناول، علينا معرفة أفرع السياسة المقارنة أولًا وهي: النظم السياسية المقارنة، الفكر السياسي ودراسات الشرق الأوسط. في الواقع ما أريد التحدث عنه هو فرع من أفرع السياسة المقارنة المعرّف بالفكر السياسي الذي يعدُّ مشروع باحث إذا تمّ ضبطه داخل القواعد العلميّة والعمليّة.

الأصل الأول في علم السياسة المقارنة أو المنهج السياسي المقارن، هو الارتكاز على قاعدة الاقترابات (المقاربات) وهنا تظهر وجهات النظر المتباينة أو الموافقة، فيقصد بالمقاربة أيّ زاوية النظر الزاوية التي أنظر منها للنظام السياسي، ولفهم النظام السياسي ذكر أهل الاختصاص اقترابات عديدة، ومنها:

أ_ المقاربة الفلسفيّة: تكون منطلقةً من زاوية الفلسفة، والتي تغلب عليها الآراء الشخصيّة، والتساؤل يكون هل النظام السياسي صالح أم فاسد؟ وكيف يمكن أن يكون جيدًا؟

ب_ المقاربة القانونيّة: تكون برؤية النظام السياسي على أنّه مجموعة من الوثائق القانونيّة (دستور، دساتير مكمّلة وغالبها عرفيّة وبروتوكوليّة)، والدستور في الدول المتغلّبة المستبدة لا يلتزم به أحد، كما وتحكم شعوبها بقوانين الطوارئ.

ج _ المقاربة المؤسسيّة: الذي تُعنى بالمؤسسات الحكوميّة، لأنّ النظام السياسي عبارة عن مجموعة مؤسسات (الحكومة، البرلمان، الوزارات)، هذه المؤسسات موجودة ولها دور كبير فيزيائيًا.

د_ المقاربة التاريخيّة: تدرس تطور النظام السياسي في حقب تاريخيّة معينة (النظام السياسي زمن العثمانيين، زمن الإنكليز).

على ضوء ما سبق، نجد أنّ الفكر السياسي جزء من علم السياسة المقارنة، فحوامل الفكر السياسي ليسوا على سوية واحدة، ولا على مستوى واحد، ولا حتى من مشرب واحد، بل عنوانهم التّعددية المتباينة، وكذلك الازدواجية والتناقض. وحوامل الفكر السياسي هم المحلّلون السياسيّون أنفسهم، الذين نراهم على الشاشات التلفزيونيّة وفي وسائل التواصل الاجتماعي.

نماذج لاقترابات المحلّلين السياسيين في الملف السوري:

لا يشترط المدة الزمنية في ضرب الأمثلة وعرض النماذج، لأنّ الهدف هو تحديد الاقترابات.

المحلل السياسي عبد الوهاب بدر خان يتحدث في برنامج سجالات بتاريخ 2011، يقول: النظام السوري هو المسؤول عمّا يحصل للشعب السوري، وبالتالي على العالم أن يفعل شيئًا تجاه الشارع الأعزل والسلطة المسلحة ذات القوة التي تزيد بالأسلحة الثقيلة حيث فاقت الحد، وهذا يضع النظام السوري أمام حتمية التغيير إذا لم يغير سلوكه بشكلٍ كامل، وإلّا المجتمع الدولي سيزيد من تحركاته لمحاصرة النظام والضغط عليه (بفرض العقوبات) ويترك سوريا لمصيرها.

التعليق

يتركز كلام عبد الوهاب بدر خان في التحليل السياسي على نظرة عمومية وبالنمط التراتبي السردي للنظام السياسي، فهو أقرب إلى المقاربة المؤسسيّة ويتقاطع مع المقاربة القانونيّة، وقد يحدد الباحث جملة من المقاربات في تحليل بدر خان.

المحلل السياسي أحمد حمادة يتحدث عن المنطقة الآمنة في سوريا، يقول: إنّ اتفاق سوتشي الذي وقّعه الأتراك والروس نفذ المرحلة الأولى بكل سلاسة، حيث تمّ سحب الأسلحة الثقيلة من الخطوط الأمامية إلى النقطة المتفق عليها (ما بين الروس والأتراك إلى خلف 15 كم)، وهناك من أعلن موافقته علنًا، وهناك من آثر السكوت والتنفيذ بصمت كالمنظمات الجهادية التي تسمّيها روسيا المتطرفة.

التعليق

يعتمد أحمد حمادة في تحليله السياسي على النظرة المركزيّة والوحدة العسكرية للنظام السياسي، فهو يميل إلى المقاربة التاريخية ويتقاطع مع المقاربة المؤسسيّة، والباحث يسعى لإيجاد عدة ضوابط مشتركة في أكثر من مقاربة عبر سياقات مختلفة.

المحلل السياسي زياد ماجد يتحدث عن سوريا وثورتها اليتيمة، يقول: العنف بدأ مع انطلاق الثورة كردة فعل من النظام عليها، لذلك من الضروري إظهار تاريخ وسياق هذا النظام وردوده الهمجية التي نراها اليوم. فالعنف قائم في كيانه ومؤسساته وفي فلسفة نشوؤه ووجوده، وكلما كان هناك تحدي المجتمع له.. كلما صار هذا العنف المضمر سافرًا.

التعليق:

يذهب زياد الماجد في تحليله السياسي إلى محاولة إحاطة النظام السياسي من كلّ جوانبه، فهو يقترب إلى المقاربة الفلسفيّة ويتقاطع مع المقاربة التاريخية، وتقع على الباحث المهمة الأكبر في تحديد المعايير وتصنيفها وتفسيرها.

المحلل السياسي أحمد كامل يشرح في برنامجه أكاذيب صدقناها، عن مزاعم أنصار نظام الأسد، حيث يقول: إنّ أنصار نظام الإبادة الأسدي يزعمون بأنّه لا يوجد بديل عنه، وإذا وجد بديل فهو شديد التطرف والتزمت، وهذا غير صحيح لأنّ أهداف وشعارات الثورة السورية كلها معتدلة، وهي تدور حول مطلب واحد وهو الحرية فهي نقيض التطرف، فكل وثائق القوى السورية الحرة بالإجماع تطالب بدولة حرة مدنية ديمقراطية. حتى المظاهرات التي خرجت لم تطالب بحكم أحزاب أو جماعات متطرفة، ففي كل مرة تسنح فرصة للسوريين يختاروا قيم العدالة والاعتدال والحرية.

التعليق

يذهب أحمد كامل في تحليله إلى الإحصاء المعلوماتيّ، وهذا دور الإعلام وهدفه في تصدير ما بجعبته من معلومات اُدخرت لهذا الموقف، فهو يقترب إلى المقاربة القانونية ويتقاطع مع التاريخية.

وفي الختام، لقد تمّ تناول بعض الاقترابات العلميّة، على الرغم من كثرتها، فإذا أراد المحلل السياسي أن يكون مفكرًا سياسيًا بارعًا، عليه دراسة وفهم النظم السياسية المقارنة فهو علم تجديديّ، ويستحق تخصيص الكتب والمؤلفات له، ولأنّه يبحث في كلّ ما هو قائم وحادث على رقعة المجتمعات منذ العصور القديمة إلى يومنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد