قبل بدء الحديث عن أنماط التحول فإني أحب أن أقول ملاحظة أولية مهمة: «إن سرد تجارب الآخرين الناجحة في تجاوز أنظمة الاستبداد ليس من باب الإنهزامية أو الترف الفكري؛ فالذي لا يقرأ التاريخ يكرر أخطاءه، ومن لا يستفيد منه لا يجب أن يتخيل نفسه قائدًا سياسيًّا، ومنه فالحديث عن تجارب الغير من باب الاستفادة ولإدراك طبيعة المرحلة لكي لا يحمل أحد خطابًا إصلاحيًّا أين يجب أن يكون ثوريًّا أو إيديولوجيًّا أين يجب أن يكون توافقيًّا أو العكس….»

جرب المجربون وابتلي المصلحون لكي لا نكرر تجارب الماضي المجربة، ومن أجل أن نبني على النجاحات ونستفيد ونتعلم من الإخفاقات، وتشكل عملية التحول السياسي والانتقال الديمقراطي قضية مركزية بوصفها مرحلة بين نظام الاستبداد غير الشرعي ونظام الحرية الذي يستمد شرعيته من الأمة. ولقد شغلت قضية الانتقال الديمقراطي عقول المصلحين من النخب السياسية، والجماهير الطامحة للانتقال نحو مرحلة تحقيق الذات والشعور بالانتماء، والحصول على العيش الكريم، خصوصًا في مرحلة ما بعد موجة الربيع العربي الأولى والثانية.

وتختلف أسباب التحول بين داخلية وخارجية، فأما الداخلية فتتعلق بالدرجة الأولى بالجو السياسي العام الذي تفقد فيه السلطة شرعيتها، فتستبد بالقرار وتؤسس لشرعية الفساد، فيؤثر هذا على الفواعل السياسية والمجتمع المدني والجماهير، وأما الخارجية فتتعلق بموقف الدول الكبرى من التحول بصفتها قد تشعر بتهديد مصالحها أو مركزها في قيادة العالم بسبب القوى الصاعدة.

ويلعب كل عامل من هذه العوامل دورًا مهمًّا تبعًا لطبيعة المرحلة، وتبعًا للتحولات الاجتماعية داخل الدول أو الإقليمية خارجها، ولكن عادة يمثل العامل الداخلي المتعلق بالعلاقة بين الفواعل السياسية  داخل المجتمع، وميزان القوة النسبي بينها، الحجر الأساس في عملية التحول السياسي؛ لأنه وبناء على هذه العلاقة يأخذ التحول السياسي شكلًا ونمطًا معينًا، ويمكن أن نبلور  أربع طرق رئيسية للتحول الديمقراطي والانتقال السياسي، من خلال استقراء بعض تجارب الدول التي استطاعت أن تخطو خطوات جيدة نحو تحقيق السيادة والاستقرار السياسي والاجتماعي، وتحقيق التنمية، والدفع بعجلة الاقتصاد.

أولًا: التحول من أعلى ويكون هذا النوع من التحول نابعًا من الإرادة السياسية داخل النظام، فتصنعه القيادة السياسية من النخب الحاكمة استجابة لشروط موضوعية تتعلق بالدرجة الأولى بتأثر شرعية السلطة لسبب ما؛ مما يخلق قناعة داخل النظام السياسي بأن الانفتاح والتحول أقل تكلفة من الممارسات الاستبدادية التسلطية، التي تهدد كيان الدولة جميعًا، وعادة تتم هذه المرحلة عن طريق تحول تدريجي عبر مراحل متعددة، ومن بين الدول التي شهدت هذا النوع من التحول: إسبانيا والبرازيل.

ثانيًا: التحول من أسفل وهو على عكس الأول؛ لأنه لا يحدث بإرادة داخلية للنخبة الحاكمة، ولكنه يدفعها ويجبرها إلى تقديم التنازلات والإصلاحات عبر التظاهرات والاحتجاجات التي تكون نتيجة للأداء السياسي المترهل للنظام الحاكم والتسيير السيئ للثروة والمال العام مثلًا، أو يحدث عن طريق توحد الطبقة السياسية المعارضة وتقديمها لإجراءات تأسيس نظام ديمقراطي على أنقاض النظام التسلطي، وتلعب الانتفاضات الكبيرة والثورات الشعبية دور المسرع للأحداث، من خلال إسقاط نظام الحكم القائم، والدفع بالطبقة المعارضة نحو السلطة، وقد حدث هذا النمط في بلدان مثل: البرتغال،اليونان، الأرجنتين، ورومانيا.

ثالثًا: الانتقال من خلال التفاوض بين النخبة الحاكمة وقوى المعارضة ويكون الحوار  العنوان الرئيسي لهذا التحول من خلال المساومات والمفاوضات التي تكون نتيجة لتوازن القوى نسبيًّا لسبب ما بين النخبة الحاكمة وقوى المعارضة، ونتيجة لهذا تصل الفواعل السياسية من النظام الحاكم والمعارضة إلى توافق وتعاقد على أرضية مشتركة ورؤية جامعة لحل الأزمة التي تمر بها البلاد، وحدث هذا النمط في: بولندا،جنوب أفريقيا، والسلفادور.

رابعًا: الانتقال من خلال التدخل العسكري وغالبًا ما يرتبط هذا النوع من الانتقال بحروب وصراعات ثؤثر فيها وتحكمها مصالح وتوازنات داخلية وإقليمية دولية، ويحدث هذ النوع من التغيير عندما تتمادى السلطة في القهر والقمع؛ مما يغيب قوى المعارضة فيجعل الدولة عرضة للتدخل الخارجي، وقد قال ابن خلدون قديمًا إن «الطغاة يجلبون الغزاة» ولم يعرف هذا المسار تقريبًا أي نجاحات.

كانت هذه الصيغ الأربعة التي شهدتها تجارب العالم خصوصًا في الموجة الثالثة من الانتقال، وكان أكثرها سلاسة وأمنًا هو الذي يحدث بمبادرة النخب الحاكمة، يليه التفاوض بين السلطة والمعارضة، ثم الصيغة الثورية بدرجة أقل؛ بسبب ما قد تنتجه من أسباب داخلية، أما الانتقال الناجم عن طريق التدخل العسكري فكما قلنا فإنه يفشل في عمومه وتكون تكلفته باهظة جدًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تحول, سياسي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد