خطرت ببالي جملة قالها الراحل كمال الشاذلي الرجل صاحب النفوذ والمكانة بالحزب الوطني للدكتور محمد مرسي عضو مجلس الشعب حينها وذكرها الأخير في آخر مؤتمر رئاسي له إبان رئاسته للجمهورية حيث قال إن الدكتور كمال الشاذلي قال له (يا دكتور مرسي السياسة نجاسة وأنتم ناس أطهار سيبولنا إحنا النجاسة وخليكم أنتم في الطهارة) فهل صدق الشاذلي في أن الإخوان أناس أطهار لا يجيدون السير في دروب السياسة وحيلها وألاعيبها لذلك وصلوا إلى هذه الحالة التي هم فيها الآن وأصبحوا خارج المشهد السياسي المصري أم أن للأمر جوانب أخرى.

في الحقيقة السياسة هي السياسة لا مكان فيها للطهارة ولا النجاسة ولكن هناك إجادة وهناك إخفاقًا وهناك فاعلًا وآخر مفعولًا به فإن استطعت فهم قوانين اللعبة جيدًا يمكنك حينها القيام بمناورات سياسية تستطيع من خلالها تحقيق ما تهدف إليه من خطط ومشاريع ولكن إن أخفقت ولم تستطع إدارة المشهد وكنت مفعولًا به غير قادر على القيام بدور حقيقي فحينها لا يمكنك حتى تخيل إلى أين ستصل الأمور ولا يمكنك أن تلوم أحدًا إلا نفسك على إخفاقك.

إن الإخوان المسلمين ليسوا بالمبتدئين في مجال السياسة فلهم تاريخ طويل بداية من عصر الملك فاروق إلى يومنا هذا فكم دخلوا من معارك سياسية مع النظام الحاكم وكانت سجالًا فتارة يصيبون وتارة يخفقون ولكن في حديثنا هذا سنتطرق إلى ما بعد ثورة يناير 2011 فبعد نجاح الإخوان في القيام بدور فاعل في نجاح هذه الثورة جنبًا إلى جنب مع القوى الثورية الأخرى وتم خلع رأس النظام ظن الجميع حينها أن الأمر انتهى وأن مصر مقبلة على الخير والنماء والازدهار ولكن كيف ذلك فالنظام ليس ثعبانًا يموت بقطع رأسه ولكنه كيان راسخ له أجهزة وله منتفعون وله قوى إقليمية ودولية تسانده.

كانت المؤامرات تحاك الواحدة تلو الأخرى لتفريق هذا الصف الوطني القوي وكان الأحرى بجماعة الإخوان المسلمين والقوى الثورية أن يحافظوا دائمًا على وحدة الصف الثوري ليتمكنوا من إفشال مخططات الثورة المضادة ولكن هذا لم يحدث وبمجرد انتهاء الثورة بدأ الجميع يبحث عن مكتسباته السياسية كالجنود الذين رموا سلاحهم بعد فرار عدوهم وهرعوا إلى جمع الغنائم فراوغهم عدوهم وقضى عليهم وتحول نصرهم لهزيمة.

بدأ الأمر بالخلاف على الدستور أولًا أم الانتخابات أولًا ثم بعد ذلك الاستفتاء على تعديل مواد الدستور فتفرقوا بين (نعم) و(لا) وراح كل فريق ينتقد الفريق الآخر وبدأت الفجوة تتسع شيئًا فشيئًا بين شركاء الثورة وهذا الأمر لا يتم طبعًا بدون تدخل من السلطة حينها التي بذلت كل ما تستطيع من جهد لإيجاد هذه الفرقة فبم تفسر تعيين الأستاذ صبحي صالح المنتمي للإخوان في لجنة تعديل الدستور بل إن رئيس اللجنة نفسه الدكتور طارق البشري الذي له ميول إسلامية يعني هذا الرغبة في إثارة القوى المدنية وهو بالفعل ما حدث حيث قامت القوى المدنية بمعارضة هذه التعديلات ثم توالت الأحداث مثل أحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وكان كل حدث منها يزيد الفجوة أكثر وأكثر بين فرقاء الثورة.

المستغرب في الأمر هو أن جماعة الإخوان طوال هذه الفترة لم تدرك المخطط الذي يهدف إلى تفريق قوى الثورة وأوجه اللوم هنا للإخوان لأنهم الأكثر تنظيمًا وخبرة وانتشارًا وكان حريًا بهم أن يفشلوا هذا المخطط وأن يعيدوا توحيد الصف الثوري ولكن هذا لم يحدث وخاصة مع دخول انتخابات مجلس الشعب التي حصل الإسلاميون فيها على ثلثي مقاعد المجلس، وقتها وصلت الفرقة بين شركاء الثورة إلى مرحلة حرجة ولم يدركوا أنهم أصبحوا مفعولًا به في المعادلة السياسية وأن الفاعل الوحيد هو الذئب الذي أوقع الخراف في فخه اللعين.

كان النظام الحاكم وقتها هو الفاعل الوحيد والمسيطر في المعادلة السياسية وأصبحت جميع القوى الثورية المدنية منها والإسلامية تخطب وده لتتخلص من الأخرى ولكن لم يدرك الخراف أن دخول الذئب إلى الحظيرة لن يبقي أحدًا منهم على قيد الحياة. ومع توالي الأزمات مثل مظاهرات المطالب الفئوية وأزمة الضباط الملتحين ومذبحة ستاد بورسعيد والمحاكمات الهزلية لرموز النظام السابق وأيضًا الأداء الحكومي الضعيف لحكومة الجنزوري أدى ذلك إلى تزايد الضغط الشعبي والإعلامي على الإخوان المسلمين حينها فقط استشعر الإخوان أخيرًا أنهم داخل مخطط كبير وأنهم ليس لهم أي دور فاعل في المعادلة السياسية القائمة وأنه يتم حرقهم إعلاميًا بإظهار فشلهم في كل الملفات حيث كانت توجه أصابع الاتهام على كل فشل حكومي للبرلمان.

حينها قرر الإخوان قرارًا سياسيًا يتجاوز أحد الخطوط الحمراء التي كانوا ممنوعين منها وهو استخدام سلطة البرلمان لسحب الثقة من الحكومة وتشكيل حكومة جديدة برئاستهم وأذكر هنا كلام الدكتور ناجح إبراهيم القيادي بالجماعة الإسلامية الذي ذكر أن أحد قيادات المجلس العسكري اجتمع مع القيادات الإسلامية وأخبرهم أنه بإمكانهم الوصول إلى أي منصب بالبلاد ما عدا منصبين يجب أن يبتعدوا عنهم لمدة ثماني سنوات هما منصب رئيس الجمهورية ومنصب رئيس الوزراء وعندما سألوه وماذا لو وصلنا إليهم قال لهم ستعودون إلى السجون.

جاءت التهديدات صريحة لهم وعلى لسان الدكتور سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب آنذاك الذي قال إن الدكتور الجنزوري رئيس الوزراء أخبره أن قرار حل البرلمان في درج المكتب بالمحكمة الدستورية وهو ما نفاه الجنزوري بعد ذلك وكانت الانتخابات الرئاسية قد اقتربت فهدد الإخوان حينها بأنهم إن لم يتمكنوا من تشكيل حكومة يستطيعون من خلالها أن يلبوا رغبات الشعب الذي انتخبهم فسيضطرون إلى تقديم مرشح لهم في انتخابات رئاسة الجمهورية.

كان هذا هو التحدي الأكبر والأخطر بين النظام الحاكم والإخوان لأنهم بذلك من وجهة نظر النظام يتجاوزون كل الخطوط الحمراء بل ويتجاوز الأمر حدود مصر فهناك قوى إقليمية ودولية لن تسمح بوجود رئيس إسلامي على رأس السلطة في مصر.

ولكن اللافت هنا هو لماذا اتخذت جماعة الإخوان هذا القرار الخطير لا سيما والقوى المدنية على خلاف معهم بل إن الأحزاب الإسلامية الأخرى تؤيد مرشحين آخرين مثل الدكتور أبو الفتوح والشيخ حازم صلاح لماذا دخلت جماعة الإخوان بمغامرة كهذه، أتذكر حينها عندما أعلنت الجماعة قرار الترشح للرئاسة كنت في المدينة الجامعية بالفيوم ورأيت هجومًا لفظيًا شرسًا على طلاب الإخوان من قبل زملائهم بسبب قرار الجماعة بالترشح للرئاسة واتهموهم بالخداع وعدم الوفاء بالوعود ولم يجد طلاب الإخوان حينها أي مبرر يجيبون به على زملائهم فالقرار كان صادمًا للجميع، فالإخوان حينها تملك الأغلبية في مجلسي الشعب والشورى وأغلب النقابات المهنية والاتحادات الطلابية وكان هناك شعور لدى البعض بأن هذه رغبة من الجماعة في السيطرة على كل شيء فالمواطن البسيط لا يدرك ما يحدث في المشهد السياسي من ألاعيب ولا يلام على ذلك فهو ذهب إلى صناديق الاقتراع واختار ممثليه ومن ثم على هؤلاء الذين انتخبهم الشعب أن يقوموا بدورهم وأن يحققوا وعودهم الانتخابية.

لماذا لم تقدم الإخوان حلولًا سياسية تمكنها وتمكن مصر من الخروج من هذه الأزمة الكبيرة وأيضًا أين الحنكة السياسية التي من المفترض أن تتحلى بها القوى المدنية وتحاول إيجاد حلول أفضل لماذا لم يحاولوا جميعًا رأب الصدع الذي أصاب البيت الثوري حتى لو وصل الأمر إلى تقديم تنازلات من الجميع في سبيل الحفاظ على الثورة والحفاظ على هذا الحلم الجميل المتمثل في الحرية والكرامة، ألم يكن أمام الإخوان سبيل آخر غير دخول الانتخابات الرئاسية، ألم يكن هناك خيارات أخرى يستطيعون من خلالها القيام بمناورات سياسية تحافظ على المكتسبات السياسية وتبتعد عن الصدام الذي لا فائدة منه في هذا التوقيت.

لكن حدث ما حدث وتقدم الإخوان بمرشح للرئاسة وبدأت معركة الانتخابات الرئاسية التي شكلت هي الأخرى معالم مرحلة هامة من مراحل ثورة يناير والتي سنتطرق إليها في مقال آخر إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد