في مقالي السابق – الإسلاميون مواقف ومآلات على مدونات الجزيرة – تحدثت عن الواقع المصري، وعن ممارسات النظام، وعن البطش الذي نال منه جميع شركاء يناير عامة، والإسلاميون خاصة، دون أي مقابل أو تحقيق أي انتصار واقعي على الأرض، غير زياده المظلومية، وكيف انقسمت ردود فعل التيار الإسلامي إلى ثلاث مواقف رئيسة:

  • الموقف الأول الاستسلام والاعتزال.
  • الموقف الثاني هو الاتجاه للعنف السياسي.
  • الموقف الثالث هو المسار السياسي السلمي.

وقد وضعنا ثلاث قواعد عامة لمناقشه هذه المواقف ومآلاتها:

  • القاعدة الأولى أن يكون هذا الخيار يؤدي إلى حقن أكبر قدر من الدماء.
  • القاعدة الثانية يمكننا من إقامة نظام ديمقراطي تشاوري، وليس إعادة إنتاج نظام ديكتاتوري مرة أخرى.
  • القاعدة الثالثة أن يتمتع بتأييد أغلبية الشعب المصري كحاضنة شعبية.

وقد ناقشت الموقف الأول في المقال السابق ومآلاته، وسوف أتحدث في هذا المقام عن الموقف الثاني الاتجاه للعنف السياسي. العنف السياسي هو استخدام القوة أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين لتحقيق أهداف سياسية بول ويلكنسون، ويتخذ العنف السياسي أشكال متعددة، مثل التمرد المسلح الانقلابات العسكرية والثورات المسلحة.

بعد الانقلاب العسكري ظهرت بعض حركات العنف السياسي في الفضاء المصري على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وأهدافهم الاستراتيجية، ويبرر الداعين لهذا الموقف إلى إجرام النظام ووحشيته في التعامل معهم، والدماء التي سالت دون وجه حق، وأنهم قد سلكوا طريق السلمية والمسار السياسي لتحقيق أهدافهم وتطبيق رؤيتهم من قبل، ولم تجد نفعًا، بل استضعفهم النظام وسرق حلمهم.

وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ظنًا منهم بأنه قد استنفدت كل الوسائل، وسلكت كل الطرق، ولم يبق إلا هذا المسلك والطريق. وأرى أن غياب البدائل كان الدافع للكثير منهم لاتخاذ هذا الموقف؛ لأن من أهم العناصر التي توجه الأفراد للعنف بعد عنصر التبرير هو عنصر غياب البدائل جافيت دي بيكر أسباب العنف؛ مما يلقي بالمسؤولية على المفكرين والعلماء لتوفير هذا البديل والتنظير والدعوة له، واتخاذ موقف واضح من ممارسات العنف السياسي.

وفي الحقيقه أن هذا المسلك أيضًا كما سنرى من خلال التجارب التاريخية للتيار الإسلامي وغيره من حركات العنف السياسي نسبة نجاحه ضئيلة جدًا وتبعاته كارثية، وقد مرت مصر في حقبة الثمانينات بدائرة كبيرة من هذا العنف، أخذت شكل التمرد المسلح أضرت بالجميع، وأوقعت ضحايا في الكثير من المدنيين، ولم يذكر لها منفعة واحدة، ثم حدثت مراجعات حقيقية من قبل معظم هذه التيارات التي جنحت للعنف وقتها اعترافًا منها بخطئهم.

وأيضًا في الجزائر انخرط بعض من التيار الإسلامي السياسي في دائره العنف بعد انقلاب العسكر على نتائج الانتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الحزب الحاكم، ودخلت البلاد في صراع مسلح لعشرة أعوام عجاف راح ضحيتها المئات من المدنيين الأبرياء غير القتلي من الطرفين، وفي النهاية تم عقد صلح مع النظام، وفشل العنف في تغيير نظام الحكم الموجود أو تحقيق أي مكاسب على الأرض.

يقول جين شارب: إن خيار استخدام العنف مهما كانت حسناته يعكس بوضوح أمرًا واحدًا، وهو أن اللجوء إلى وضع الثقة في أساليب العنف، إنما يعني استخدام أسلوب للنضال يتميز الطغاة دائمًا بالتفوق فيه، وأن استخدام العنف مع هذه الأنظمه يأتي في إطار مقاومة هذه الدولة في نقاط قوتها؛ لأن هذه الأنظمة تتمتع بقوة عسكرية منظمة وخبرة قتالية تمكنها من القضاء على العنف بشكل سريع، مع المبرر القوي للقضاء على المعارضه المسلحة انتهى كلامه، لذلك لم تنجح هذه الحركات في تحقيق مرادها، وأيضًا ستجد هذه الأنظمة دعمًا خارجيًا كبيرًا باسم محاربة الإرهاب.

ووفقًا للقواعد الثلاث، فإن الاتجاه للعنف لن يمكنا من حقن الدماء، بل بالطبع سيزيد من المعاناة والقتل خارج إطار القانون، وستدخل البلاد في نفق مظلم لن يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، وسيكون الكثير من الناس على استعداد بالقبول بأي نظام مقابل الأمن والأمان، وبالتدريج سوف تفقد هذه الحركة حاضنتها الشعبية، وسيجد النظام أن الفرصة سانحة لاستخدام العنف إلى أقصى درجة لضرب حتى المعارضة السلمية وتشويهها للقضاء عليها، وتكريس دعائم حكمه، وأن الوقت هو وقت محاربة الإرهاب، وليس هناك مجال للديمقراطية.

ووفقًا للإحصائية التي أعدها معهد NAVCO المتخصص في دراسة حركات التغيير على 323 حركة تغيير على مدار أكثر من 100 عام السابقة وجد أن أحتمال نجاح الحركات العنف السياسي يمثل 25% من إجمالي الحركات التي تبنت العنف، بينما الحركات السلمية 50% أي الضعف، الإحصائية منشورة في مقال للباحث مصطفى نمر بعنوان السلمية أم العنف على نون بوست.

السيناريوهات المترتبة على اتخاذ هذا المسار

السيناريو الأول القضاء على هذه الحركات التي تبنت العنف وحركات التغيير الأخرى السلمية، والبدء في إقامه نظام أكثر ديكتاتورية مع تأييد ودعم دولي.

السيناريو الثاني حرب أهلية واحتمالات تدخل أجنبي، مثل ما يحدث في اليمن وسوريا وليبيا.

السيناريو الثالث هذا في أفضل الظروف إن نجحت هذه الحركات المسلحة، وهذا الاحتمال نسبته 25% وفقًا للإحصائية فإن هذه الحركات المسلحة في الغالب ستقوم بإعادة إنتاج نظام ديكتاتوري مره أخرى مثل ما حدث في بعض دول أمريكا الجنوبية كوبا والاتحاد السوفيتي بتحولها إلى أنظمه ديكتاتورية.

والله أعلم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد