خُلق الإنسان، وبُعث محمد صلى الله عليه وسلم للناس، لكي لا ينعزلوا في المساجد والزوايا يُمرغون جباهم سجدًا، ويتمتمون بالآيات، ويلهجون بالدعاء، في عزلة وانعزالٍ عن العالم بأسره، وما يدور فيه، وما يحدث حولهم، وما يحاك – من وراء ستار أو أمام أعين قلوبهم ووجوههم- ضدهم، لا هكذا كان يفعل النبى صلى الله عليه وسلم وصحبه وخلفاؤه، ولا هكذا مراد خلقهم، وإنما خلقهم الله وبعث أنبياءه ليعبدوا الله ويُعبدوا الناس له – سبحانه وتعالى- ليتمموا رسالة الاستخلاف ويحققوا خلافة الأرض للسماء، وتبعية الطين للروح.

كما أنه لم يخلقهم ليلعبوا، أو أن يكونوا تائهين كعرائس شمعية جوفاء، أجسادًا بلا روح، وعقولاً بلا قلب، فقبل أن تسقى عقلك لا بد أن تروي ظمأ قلبك، وكيف يُروى القلب وأنت مشغول؟!

قليل منا من كان يهتم بالعمل السياسي قبل ثورة يناير، وكثير منا من اشتغل بالعمل السياسي بعد الثورة، وقليل من الكثير من اهتم بترقية وتطوير أفكاره سواء بالممارسة أو الدراسة، فمنا من التحق بالجامعات ليحصل على شهادات أخرى غير التي حصل عليها، ومنا من اجتهد في الدورات التعليمية والتثقيفية، ومنا من ديدنه القراءة في فنون العلم الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، والكثير منا من يمارس العمل السياسي والثوري، وخاصة في المسيرات والمظاهرات والوقفات، مع الاهتمام بمعركة الوعي والإصقال العقلي والفكري والبنائي للشخصية السياسية.

فهل القليل والكثير ممن يبنون عقولهم وأفكارهم – سواء كانوا منظمين داخل جماعات وأحزاب أو منشقين خارجين عن التنظيم والتبعات- يهتمون بقلوبهم وجوانب حياتهم الروحية وعلاقتهم بالسماء وربها؟

كيف ونحن مشغولون؟
وكيف تُشغل بعقلك دون قلبك؟
وهل لحياة العقل حياة دون القلب؟
وكيف تشارك في علمنة الدين وأنت لا تدرى؟!
كيف تقول لي انشغلت بالعمل السياسي عن أورادي؟!
أليست أفعالك وأعمالك السياسية والثورية ورد من أورادك يا مسلم؟
أليس صدعك بالحق عمل الشهداء وشيم الأنبياء وأخلاق النبلاء وصفات المجاهدين الأتقياء؟

(إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر). (أي الجهاد أفضل، قال: كلمة حق عند سلطان جائر). (أفضل الجهاد: كلمة حق عند سلطان جائر)، (أفضل العمل كلمة حق عن إمام جائر) أعظم الجهاد وأفضله وأجمل الأعمال وأجلها قيمة وقدرًا “كلمة”.

“كلمة” فقط.

وما أروع الكلمات!

وما أجملها!
عندما تخرج صادقة من قلوب الأحرار قبل أفواههم وحناجرهم وعقولهم، تطالب بالحق المغتصب والكرامة المهانة والحرية الحبيسة والإنسانية المغدورة المقتولة.

وكلمة الثائر الحر (الحق) في وجه أجرم وأظلم وأحقر (سلطان) وأعتى قوة غاصبة مجرمة قاتلة منتهكة للحرمات مذلة للشعب ومغتصبة لحقوقه ومقدراته.

أوليس رعاية الأيتام، وكفالة الفقراء، وقضاء حوائج الضعفاء، وستر عورات الناس، وبناء العقل، والانشغال بقضايا الناس، وتعبيد الأرض ليمكن عباد الله من عبادة الله عبادةً لله، والاهتمام بشؤون الخلق ومصالح العباد، والنهوض بهم من مراقد العبودية والإذلال إلى مراتب الخير ومدارج الفلاح، وتبصيرهم بحقوقهم وواجباتهم، وتنبيههم بالأخطار والمكائد الداخلية والخارجية على الدين والأوطان، وكل لله طاعة وللدين إقامة؟

أليس خالد مع أبي هريرة والقعقاع مع ابن أم مكتوم وكلهم من أبناء ابن عبد الله القوي الأمين؟

لا تنسى..

“اربط عقلك بقلبك والجمهما بحبل ربك”

“تعلق وعملك وأسبابك بالله”

عملك السياسي والثوري – بنيتك- طاعة لله وعبادة للرحمن وتعبيد الأرض ومن عليها للكريم المنان.
منهم من أراد فصل الدين عن السياسة، ومنهم من قال من السياسة ترك السياسة، ومنهم من قال إن الدين كل متكامل فهو علم وعمل وحاكم ومحكوم وسياسة واقتصاد وفكر واجتماع.

فمع من في السفينة تركب؟

اركب معنا فلا عاصم لك من الظلم والصمت عليه، ولا مانع لك من القهر العام الذي أصاب الجميع.

أعلم وربي مع من تركب، هلم إلينا لنبحر معًا فوق أمواج الدنيا لنصل لشواطئ الآخرة وقد انشغلنا بها ولها.

يا من تخط قلمًا وتُسخر جهدًا وتُشحذ عقلاً وقلبًا، وترفع صوتك بـ”كلمة” ليقبل الناس بصلاحهم على دينهم ودنياهم:

– “اشحن قلبك بالتعلق به والعمل له”

لا تخطو خطوة إلا بمعيته، ولا تسأل إلا رعايته، واشغل قلبك به، واربط على نفسك سحائب التعلق برحماته، واستمتع بهواء جنانه وجمال نسماته، فلا ترفع صوتًا إلا له، ولا تتكلم ببنت فاه إلا ليرضى “هو” سبحانه وتعالى.
– “اظفر بقرآنك واغنم لسانك”
اجعل من مصحفك دستور الحياة قولاً وعملاً، تحرك بالآيات واعمل بالسور والرسالات الإيمانية، لا تحفظ القرآن بلسانك بل بعملك وأفعالك وأفكارك، هو منهجك ورسالة الله إليك، فليس القرآن للمساجد والمآتم والمناسبات، ولا هو لورد المحاسبة وقضاء التكليفات، إنما القرآن حياة، اقرأ منه ولا تنساه واقرأ باسم ربك ولربك وبه ابدأ، واجعل من لسانك مقرًّا لماء الابتهال وعصائر الأذكار، وحليم الكلام وجميل الأقوال.

– “إذا عصيت فاستغفر” ولا تنسى “إذا عصيت فاستغفر”

وامسك بتلابيب حياتك واهرب من معاصيك إليه، ولا تركن إلى خيوطها وأذرعها، إن خيوطها لأوهن من خيط العنكبوت، فمن منا ليس ببشر؟

فنحن لسنا ملائكة معصومون، إنما نحن بشر، وكلنا ذوو خطأ، وخير الخطائين التوابون المستغفرون.

– “حزبك وجماعتك حزب الله وجماعته”

وليس كل من صلى وصام، وامتلأ وجهه بسواد إمارات السجود، أو سواد الشعر، أو بياض الثياب، من حزب الله ومن جماعته، فحزب الله الذي هو حزبك هم أنصار الله وأولياؤه، وليس منهم أنصار الطاغوت وأولياء الظلم وجند القهر، والصامتون على الظلم والقتل والحرق والاغتصاب ليسوا من حزب الله ولا من أنصاره وإن صلوا أو صاموا أو حجوا أو قاموا.

– “احرث قبل أن تزرع”

اهتم بتربتك، واحرث أرضك من أمراض القلب والنفس والعقل، وجمل حديقتك بالصفات الإنسانية الأساسية من مروءة وكرم وشجاعة، وتخلص من آفات الجبن والحقد والكراهية، ثم ازرع بنفسك نفسك، واملأ حياتك بأخلاق الإسلام وصفاته ومد يد العون للجميع، وافتح قلبك للجميع، فالجميع منك وأنت منهم وكلكم لآدم وآدم من تراب.

– “لا تجعل بضاعتك مزجاة”

بضاعتك مع الله وبضاعتك مع نفسك وبضاعتك مع الناس، تجارة رابحة إذا أعددت لها واجتهدت فيها، وخططت وأحسنت التخطيط ستنجح، ومفردات بضاعتك إيمانية وفكرية وأخلاقية، فلا يطغى جانب على الآخر أو تأخذ بجانب وتترك الآخر، اجتهد في أسبابك وأحسن فيها ولها ولا تركن إليها، واحذر أن تتعلق بها.

لا ترفع صوتًا إلا وأنت تراه، لا تزرع زرعًا إلا وأنت تراقبه، لا تقرأ لا تكتب لا تفعل شيئًا إلا له.

وفي الأول والأخير “كلم ربك” و”ابك على خطيئتك”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد