السعودية تريد زعيمًا سنيًا في لبنان يوحّد بين الشارع السني، ويبني جسورًا مع المسيحيين وتعيد ربط شعرة معاوية مع أبناء الشيعة معارضين لنهج حزب الله اللبناني، ليكونوا نماذج لتصوّر يطابق النماذج التي تقترحها الممكلة العربية السعودية، وبعد تثبيت العلاقة مع «دولة» إيران كما تتخيلها السعودية أي وفق شروط الخليج تبني علاقة إسلامية–إسلامية تشبه رؤيا السعودية للعالم العربي.

هكذا ستخاض الانتخابات النيابية اللبنانية، لتفرز واقعًا عربيًا يتزعمه رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، بعد أن ذهب وحيدًا دون أي مرافقة من فريقه لتكون خلوة مع ولي عهد السعودية والملك. وتتالى على هذه الخُطى أوراق الانسحابات السنية من الانتخابات التي بدأت على يد الصفدي الذي أعلن عزوفه عن الترشح للانتخابات النيابية مؤكدًا أنه سيخوضها داعمًا لتيار المستقبل وقال: «الصوت التفضيلي هو لـ«تيار المستقبل» وأنا داعم للتيار وليس لأفراد في التيار» مضيفًا: «نحن نهج الانفتاح على الآخر فعلًا وليس قولًا».

في مقابل هذا المشهد آخر وهو صعود نجم فؤاد المخزومي في بيروت، بحملته الدعائية «لبنان حرزان» ومشاهد جولاته وصولاته على مراكز ثقله الانتخابي، حتى ولو استخدم حوارًا أجراه ورئيس الجامعة الأمريكية في سياق حملة «لبنان حرزان» التي دفعت رئيس الجامعة البروفسور فضلو خوري إلى إرسال رسالة إلى أسرة الجامعة في ما يتعلق بأحد الإعلانات الدعائية ينفي فيها «(…) دعم أي مرشّح لأي انتخابات محلية أو وطنية أو دولية» بشخص البروفسور أو باسم الجامعة وذلك بتاريخ 6 فبراير (شباط) المنصرم.

الواقع السني هذا كان قد حضر منذ عامين ونيّف في البيال في إطار «المبادرة الوطنية السنية» إذ كان هدفها آنذاك فتح آفاق الحوار بين الواقع السني وكل الأطياف اللبنانية حيث قال النائب السابق مصباح الأحدب يومها لنا أن لا مانع من الانفتاح على كل الأطراف منهم التيار الوطني الحر الذي هو اليوم حزب الرئيس. غير أن الواقع السني هذا يثير تساؤلات متعددة كيف يمكن للقوات اللبنانية مثلًا التي أعربت منذ يومين بعد زيارة الموفد الخاص السعودي نزار معلولا إنه تمنت السعودية من القوات اللبنانية التحالف مع تيار المستقبل أن ينفتح تيار المستقبل على آل كرامي، وهناك أصلًا قضية نفطية بين آل كرامي وآل حريري يمسك ملفها في طرابلس النائب غازي يوسف، ويتوسط لآل كرامي أحد نواب القوات اللبنانية؟ ولم لا يبني له تيار المستقبل قاعدة مسيحية، باعتباره حزبًا «مدنيًا» لو أنه يستهدف ناخبين سنة في مناطق نفوذ الأخير ويستغني عن التحالفات مع الكتائب والقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر؟ ولم لا تدعم السعودية بناء هذه القاعدة لتيار المستقبل تخوله خوض الانتخابات بكل ثقله في كافة المناطق اللبنانية؟

لا شك أن السعودية تدرس الأرضية اللبنانية هذه بعد زيارة سمتها قناة «الإم تي في» بالاستطلاعية حيث زار المعلولا رئيس الجمهورية والحكومة ومجلس النواب ورؤساء الأحزاب من رئيس حزب القوات اللبنانية، كما الرئيس أمين الجميل موجهًا دعوة لرئيس الحكومة اللبنانية في هذا السياق لزيارة السعودية. مما لا شك فيه أن السعودية تتوقع الكثير من الحريري الذي تصفه بعض شخصيات الشارع السني بأنه غير قادر على القيام بما قام به رئيس الجمهورية أي جمع الشارع المسيحي تحت عباءته وجعل الأضواء تخفت عن سلطة بكركي التي زارت وتلقت هدية من دولة السعودية وهي إعادة ترميم كنيسة، لكن مما لا شك فيه أن الانتخابات ستحدد حجم قدرات الحريري.

سيعود هذه المرة سعد الحريري إلى لبنان، راضيًا السعودية بالـ«دبلوماسية اللبنانية» التي أشعرت الدبلوماسية السعودية بزخمها فغرد الوزير المفوض وليد البخاري عبر حسابه في هذا التوقيت قائلًا: «#الدبلوماسية_السعودية: رِسَالةٌ #وطنيةٌ ومسؤوليةٌ #دولية؛ لتحقيق #السِّلم و#الأمن الدوليين». فهل استطاعت السعودية لجم إيران في المنطقة عبر الحريري؟

أوساط رفيعة المستوى من صفوف القوات اللبنانية أطلقت نظرية تشير إلى أنه كما فعل حزب الله في يوم من الأيام بخرق الصف المسيحي لاستهداف الصف السني حتى «التصفية» إنما يفعل نفس الأفعال تيار المستقبل للجم الطرف المسيحي سياسيًا والسيطرة على الواقع الشيعي.

تبقى هذه الأفكار برسم التحالفات الانتخابية وحساباتها فهل تجمع القوات اللبنانية الشارع السني حيث يفشل الحريري بالاجتماع مع الوزير السابق أشرف ريفي الذي قال وزير الإعلام ملحم رياشي منذ بضعة أيام عبر قناة الميادين إن الاثنين غاليان على قلب القوات اللبنانية؟ أم اعتبرت الإعلامية كارول معلوف وصديقتها ليا بارودي نتائج المسرح التفاعلي بين جبل محسن وباب التبانة أحجم الجبل عن الصراع السوري؟ لا شك أن التنفيس في الشارع العلوي حصل ليس بسبب «ماتش فوتبول» بل ذهاب علي عيد ورفعت عيد باعتبار أن حكومة ميقاتي وفق الصفدي التي كانت تحوي خمسة وزراء منهم وزير مالية ورئيس حكومة من طرابلس، لم تفعل لطرابلس شيئًا، وكانوا «ماسكين البلد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد