تقديم:

في مقالنا السابق «عن الفصل بين الدعوي والسياسي» بينا بالدليل من كلام الإمام البنا رحمه الله في كتاب «الرسائل» أن «الفصل» بين الدعوي والسياسي مقبولٌ إذا كان المقصود هو التخصص، بمعنى أن أستاذ التجويد لا يفتي في الاقتصاد، وإمام المسجد لا يفتي في القضايا السياسية!

وأن «الفصل» مرفوض إذا كان المقصود أن نختار بين أن نتحول إلى جمعية خيرية لا تتدخل في السياسة، أو إلى حزب سياسي لا علاقة له بالدين، لأن ذلك هو العلمانية بعينها!

نحاول في هذا المقال أن نبين خطأ الفصل بين الدعوي والسياسي، من الناحية السياسية، بعد أن بينا الخطأ الفكري لذلك!

 

1- مشروع الإخوان قبل الانقلاب وبعده

كان للإخوان مشروع سياسي قبل الانقلاب وآخر بعد الانقلاب، مشروع الإخوان قبل الانقلاب كان محاولة إصلاح المؤسسسات القائمة من الداخل، واتباع سياسة النفس الطويل. أجهض هذا المشروع بالانقلاب العسكري في 2013.

أما مشروع الإخوان بعد الانقلاب فكان كسر الانقلاب وإعادة الشرعية بموجة ثورية تطيح بالسيسي، وهذا الهدف يبدو أنه لم يتحقق حتى الآن!

 

2- مشروع العسكر قبل الانقلاب وبعده

أيضًا كان للعسكر مشروع سياسي قبل الانقلاب وآخر بعد الانقلاب، مشروع العسكر قبل الانقلاب كان منع الإخوان من الوصول للحكم بالطرق السياسية، وتنصيب حاكم موال للجيش والغرب عبر الصناديق «سيناريو تونس»، هذا السيناريو فشل بفوز الرئيس محمد مرسي في انتخابات الرئاسة.

مشروع العسكر بعد الانقلاب كان التأسيس لدولة عسكرية جديدة، على غرار ما قام به عبد الناصر في 1954، وهو ما فشل فيه السيسي فشلاً ذريعًا حتى الآن، بارتفاع الأسعار والانحدار السياسي والاقتصادي والأمني!

 

3- الإخوان والعسكر: ثلاث سنوات من القصور الذاتي

لحظة الصدام بين المشروعين كانت الانقلاب العسكري في 2013، ولثلاث سنوات كاملة؛ ظل الانقلاب وكذلك الإخوان يسيرون بقوة القصور الذاتي!

رأس مال الانقلاب كان الدعم الخارجي والقوة الخشنة داخليا، وهذا الدعم وهذه القوة مكنته من الاستمرار لمدة ثلاث سنوات، حتى بدأت الأمور تخرج عن السيطرة، وصار الجميع يدرك أن سيارة الانقلاب في طريقها إلى التوقف، ويخافون من انفجار لا يمكن السيطرة عليه.

ورأس مال الإخوان كان الحشد الكبير من الجماهير المؤمنة بمشروعهم! وهؤلاء رفضوا الانقلاب رفضًا قاطعًا، واضعين نصب أعينهم ما حدث في أزمة مارس 1954، «مظاهرة عابدين»، حين تركوا الميدان، فبقي الحكم العسكري 60 عامًا!

 

4- هل تنتهي مباراة الشطرنج هذه بالتعادل؟

بدأت أصوات تتعالى همسًا، أن المعتقلين وعائلاتهم صاروا يئنون من الأوضاع غير الإنسانية التي تحدث لهم، وأنهم يريدون أي تحريك للمياه الجارية، ومع «أي خيار» يخرج المعتقلين من السجون!

ووصل الحال بين الإخوان والعسكر كمباراة شطرنج حامية، خرج فيها العديد من القطع المهمة، ولم يبق إلا الملكين، وعدة قطع لا يستطيع أي من الطرفين بها إنهاء المباراة لصالحه!

فلا يبدو أن السيسي استطاع الاستقرار بعد انقلابه، ولا الإخوان استطاعوا القيام بموجة ثورية تطيح بالسيسي الذي لا يتورع عن استخدام القوة العسكرية المفرطة إذا لزم الأمر!

في مثل هذه المباريات قد يعرض أحد الطرفين على الآخر أن تنتهي مباراة الشطرنج بالتعادل، توفيرًا للوقت والجهد، وعارضًا البدء من جديد!

 

5- المقبول والمرفوض في هذا العرض

وعلى عكس ما قد تتوقعون، أنا لست ضد هذا الخيار، بشرط أن تتم البداية الجديدة على أساس عودة الشرعية وعلى رأسها الدكتور مرسي، ومحاسبة المتورطين في الدماء.

لكن أن يختفي السيسي ومرسي من المشهد ويخرج المعتقلون، ويبتعد الإخوان عن العمل السياسي لمدة 10 سنوات، فهذا مرفوض مرفوض!

فهذا لا يعني البدء من جديد، وإنما يعني بلغة السياسة أن الانقلاب استطاع «احتواء الإخوان»، وأعطاهم ما يمكن أن يتراجع عنه مستقبلا «إخراج المعتقلين»، بينما رفض أن يتنازل عما لا يمكن أن يتراجع عنه «الشرعية».

ولما كان هذا العرض السابق قد رفض جملة وتفصيلاً، فإن المطالبة بفصل السياسي عن الدعوي الآن هي محاولة ملتفة لتحقيق الهدف ذاته، حتى إن لم يدرك أصحابها ذلك!

فتحول الإخوان إلى جمعية دعوية لا تتحدث في السياسة هو عين ما طالب به الانقلاب، ومن قبله نظام مبارك، ويضع أمور الإخوان بكل تفاصيلها المالية والإدارية تحت عين وزارة التضامن الاجتماعي ومخابرات الانقلاب! ناهيك عن عدم السماح لهم بالحديث في أي شأن سياسي! إنه إخوان منزوع الدسم، أو فيليه!

وأما تحول الإخوان لحزب سياسي لا يتحدث في الدين، ففضلاً عن أنه نوع من العلمانية التي لا تتفق مع فكر الإخوان الذي يؤمن بشمولية الإسلام،  فإنه يجعل مهمة الانقلاب في تفجير الإخوان غاية في السهولة!

فكم من حزب كان له كلمة، ثم صار في جيب أمن الدولة الصغير «الغد – الوفد – التجمع… إلخ».

وأنا أعتقد أن طرح فكرة الفصل بين السياسي والدعوي الآن، هو محاولة لإيجاد أرضية يتم فيها دمج الإخوان في مسار سياسي جديد، قبل انفجار الأوضاع، يتنازلون فيه عن مطلب عودة الشرعية متذرعين بحجة الرأفة بالمعتقلين، الذين يرفضون هذه العروض جملة وتفصيلاً بالمناسبة!

ولا عجب أن بدأ إعلام الانقلاب يذيع مشاهد بعض رموز المعتقلين وهم يترافعون عن أنفسهم بشكل يدمي القلوب، ويجعل الجميع يتمنون لو أن يخرجوا بأي ثمن!

ولا عجب أيضًا أن من يطالبون بالفصل بين الدعوي والسياسي هم أنفسهم من صرحوا سابقـًا أن الجماعة بصدد التراجع خطوة أو خطوتين، قبل أن يتراجعوا هم عن تصريحاتهم تلك، لثورة الناس عليهم، ولم تتراجع الجمع عن مبادئها! وأن هذا الفريق هو من وقع عقد الفنان هشام عبد الله في قناة وطن، والتي تصرح زوجته مرارًا وتكرارًا أنهم لم يقبلوا العمل في القناة إلا بعد أن أخذوا طمأنة أنه لا تمسك بعودة الشرعية!

 

الخلاصة:

الفصل بين الدعوي والسياسي يحل مشكلة لا يواجهها الإخوان! الإخوان يواجهون انقلابًا عسكريًا وليس مجرد مشكلة سياسية في ديمقراطية حقيقة، والفصل بين الدعوي والسياسي لن يحل مشكلة الانقلاب، بل على العكس سيسهل مهمة الانقلاب في احتواء الإخوان أو تفجيرهم من الداخل!

وإذا كان الفصل بين الدعوي والسياسي ضرورة في الغرب لأن الكنيسة صنعت لنفسها قداسة، ولأن الأناجيل جميعها ليس فيها تشريع، فإن الإسلام ليس فيه قداسة لأحد، وفيه تشريعات في جميع المجالات.

والإسلام الذي يدافع عنه الإخوان ليس التفاصيل المختلف فيها، وإنما المعلوم من الدين بالضرورة، من النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وأما ما دون ذلك فلا خلاف فيه! وهذا ما تتميز به جماعة الإخوان، عن غيرها من التيارات الإسلامية التي تتطرف في فرض التفاصيل والآراء المختلف عليها على الناس، أو تمتنع عن رفض الظلم والتفريط في الثوابت لتتماهى مع النظام!

وفي المقابل فإن قداسة الدين الإسلامي وقدسية نصوصه لا تتعدى إلى الداعين إلى الاحتكام إلى الإسلام عبر شعار الإسلام هو الحل، ولا إلى التجربة السياسية ككل، هذا واضح عند جميع الإخوان.

لذا فإني أعتقد أن من يدعو لفصل الدعوي عن السياسي في الإخوان لم يفهم جوهر الإسلام ولا أفكار الإخوان! وأنه إما متأثر بتجربة الغرب، أو محبط من الانقلاب، أو مدفوع نحو هذا المربع بقصد أو دون قصد، والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد