في معظم الأحيان تجد من يتقلد المناصب السياسية كثير الكلام قليل الكتابة، متعللًا بأن الشأن العام يتطلب الكثير من الوقت للتفرغ للكتابة، فالسياسي يخاف الكتابة لأنه في معظم الأحوال يهتم بالمتحول والمتغير الذي لم تتضح معالمه أو تداعياته أكثر من غيرها من الأمور، فالسياسة كرمل الصحراء لا تستقر على حال، فلا يأمنها إلا أهلها من ولد وتربى بين كثبانها.

فحتى التعابير اليومية المستعملة في مجتمعنا العربي لا تطرح مسألة الكتابة السياسية، فعادةً ما نقول كلام في السياسة حتى وإن كان القصد هو مقالات وكتابات، وهذا يعود إلى النظرة المجتمعية العربية لرجل السياسة؛ مما رجع علينا وبالًا بفقر كبير في الكتابات السياسية، خاصةً في السنوات الأخيرة.

فحينما سئل مصطفى لطفي المنفلوطي عن عزوفه عن الكتابات السياسية أجاب: أنا لا أحب أن أكون سياسيًّا، لأني لا أحب أن أكون جلادًا، لا فرق عندي بين السياسيين والجلادين، إلا أن هؤلاء يقتلون الأفراد، وأولئك يقتلون الأمم والشعوب.

أما الإمام محمد عبده فقد قال: لعن الله ساس ويسوس وسياسة، وما دخلت السياسة في شيء إلا أفسدته،

فبين عالم الدين والفقيه والمجدد محمد عبده الذي يعد أحد رموز التجديد في الفقه الإسلامي ومن دعاة النهضة والإصلاح في العالم العربي والإسلامي، وبين الأديب والشاعر النابغة في الإنشاء والنثر اللذين عاصرا الخلافة العثمانية في آخر سنواتها، قصة رفض وعزوف عن الكتابات السياسية، وهذا عائد ربما إلى الحقبة التاريخية التي عاشها معاصروهما من المفكرين والأدباء مما جعلهم يشتغلون على المواضيع الدينية أو الاجتماعية أسهل بكثير من المواضيع السياسية.

لكن بحلول الربع الأخير من القرن العشرين عرف العالم العربي ازدهارًا فكريًّا، وموجةً من الأدباء والمفكرين الذين درسوا بأمريكا وأوروبا، وحين عودتهم إلى بلدانهم صدموا بحكام مستبدين وأنظمة تقمع الحريات، وأي رأي، أو فكر مخالف لهم؛ مما اضطر جيل كامل من المثقفين إلى ممارسة السياسة في الكتابة السياسية. فنجدهم في أغلب الكتابات ينقدون أحوال «الوطن العربي» أو هجاء «الأنظمة العربية»، في حين أن غرضهم نقد أوضاع بلادهم. فقد كانوا يصفون نظام حكمهم وملامحه تحت العنوان العربي العريض، في حين كان النقد الصريح للنظام خطيرًا ومكلفًا؛ مما دفعهم في آخر المطاف إلى مغادرة البلاد، والتوجه نحو نضال سياسي مباشر، والسعي إلى تغيير الأنظمة أو مغادرة الكتابة السياسية نهائيًّا، والفرار منها كأنها طاعون، متحولين بذلك نحو مجال الثقافة: الفلسفة أو دراسة الذهنيات أو نقد التراث (التراث هو الموضوع المناسب تمامًا للمثقف المعزول).

ومع حلول زمن الربيع العربي ظننا أن عقدة القلم قد فكت، وسوف تترجم كل النضالات إلى مؤلفات وكتب وبحوث متجددة تطرح الواقع كما هو، وتفسح المجال للمهتمين بالميدان السياسي للعمل عليه؛ حتى يتسنى لهم إنشاء مراكز دراسات تعمل على المستقبل حتى لا يتكرر الماضي، إلا أن واقع الحال وعلى ما يبدو لم يغير الكثير، فحتى الكتابات المتوفرة هي كتابات تاريخية أو نقدية لا تطرح بديلًا صالحًا يعتمد عليه للدراسة، فالكتابة بالنسبة للسياسي أصبحت ترفًا فكريًّا فئويًّا لا غير.

فالسياسي اليوم أصبح يعتمد لإيصال أفكاره على الوسائط المتعددة، كالوسائل التقنية، والإعلام الرقمي، والرسائل القصيرة عن طريق الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، في حين أن مثل هذه الإمكانيات تعتبر من المكملات أو ملخصات لنتاج فكري أو أيديولوجي معين. فأما استعمالها كأساس للخطاب اليومي فهو يعتبر خطيرًا جدًّا لسهولة تدليسها وتحويرها، أو حتى حجبها أمام التقدم التكنولوجي الكبير، فهو سلاح ذو حدين.

فأكبر قادات الأحزاب السياسية العربية اليوم كتاباتهم شحيحة ولا تتعدى إلا بعض المقالات من حين لآخر، وتلك مشكلة، فالمرحلة السياسية التي تمر بها الدول العربية حرجة، وتتطلب جهودًا فكرية وكتابة سياسية من مفكرين وسياسيين قادوا هذه المرحلة، وكانوا طرفًا أساسيًّا في صياغتها، فمن حرق البوعزيزي لنفسه إلى بروز داعش على الخريطة، هناك مسار كامل لا يستطيع الصحافي أو الكاتب صياغته كما يفعل السياسي.

ففي الولايات المتحدة الأمريكية وفي الدول الغربية، وخاصةً إنجلترا، نجد كتبًا ومؤلفات ضخمة لقادة أحزاب سابقين، أو وزراء يقومون بكشف خفايا، أو طرح قضايا تعدل فيما بعد المزاج العام المجتمعي في اتخاذ قرارات مستقبلية أو حينية، وتستعمل تلك الأسرار المفضوحة في بعض الأحيان لتوجيه الناخبين. على سبيل المثال، يقوم الباحث المشهور أنتوني كوردسمان بدراسات أسبوعية وشهرية وسنوية من خلال عمله كخبير في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies) بواشنطن التي تتناول أحدث المستجدات الأمنية الأمريكية. ونتيجة لدقّة ورصانة وسرعة إصدار دراساته، أصبح لها أثر ملحوظ على تفكير كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين. مثلًا نشر في يوم قمة كامب ديفيد (Camp David) التي جمعت رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما برؤساء الدول الخليجية، ورقة تحلّل ما حدث، وتقدّم توصيات لصنّاع القرار.

فحسب مشروع مؤشرات مراكز الأبحاث والفكر يصل عدد مراكز البحوث إلى حوالي 6826 مركزًا متخصصًا في مجالات متعددة، وبهذا الرقم يتّضح أن الدول الغربية قد أدركت في وقت مبكر أن السياسة لا تدار بالكلام، إنما بالكتابة وبالبحوث الإستراتيجية لذلك تجد أن المراكز يدير أغلبها كبار المسؤولين السابقين والخبراء، ممن لديهم خبرات متراكمة في مجالات معرفية تتعلق بالمشكلات والقضايا المطروحة، أغلبها سياسية أو إستراتيجية، وكلها تصدر مجلات وتوصيات في شكل بحوث أو مقالات تجدها دائمًا فوق مكاتب صناع القرار.

إن زهد الساسة في البلدان العربية عن الكتابة أو إدارة مراكز بحثية تقوم بخدمة الأمن القومي، وتضع على ذمة صناع القرار رؤية إستراتيجية سوف تعود علينا سلبًا، وسوف تظل الدول العربية في أسفل الترتيب في جميع المجالات.

فحينما يتكلم السياسي أكثر مما يكتب فتلك مشكلة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السياسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد