إذا كان ظهور السياسة قد ارتبط بتجاوز الفرد مساحته الخاصة والمحدودة نحو فضاء أعم وأشمل يرتبط بالتعايش مع عدد آخر من الأفراد، فالمفترض أن يكون البحث منصبًا داخل السياسة عن كيف سيكون هذا الاجتماع، آفاقه وطرق تعزيزه، داخل صيغٍ أخلاقية وقيمية معينة تستمد قوتها من خلفيات المجتمع نفسه، فهل تنحو السياسة هذا النحو فعلًا؟

لقد بات من الواضح هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى أن هدف السياسة هو عزل الأفراد داخل مجتمعاتهم، وجعل كل فرد جزيرة محايدة داخل حدود معينة، بحيث يبقى هؤلاء بمعزل عن إبداء الرأي والمشاركة ومنفيين تمامًا عن التداول والممارسة، ومن ثم العودة إليهم في عملية الانتخاب مثلًا كعملية شكلية ومنزوعة السياق وغيرها من المسميات، كالاستقطاب، والحشد، والحزبية كمثيرات تقصد خلق أنواع من الاستجابات المضللة التي لا تنضبط للبدايات الصحيحة للعمل السياسي وتوهم الفرد بفاعليته.

هذه الاختلاسات السياسية، على حد تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي أدخلت باسم السياسة عددًا لا ينتهي من جراثيم التعفن التي تعيش على إفرازات الفهم الخاطئ للسياسة، أو التحريف المقصود لأهدافها الحقيقية.

فإذا كان معنى السياسة المتداول هو العمل الذي تقوم به كل جماعة منظمة في صورة دولة تكون وظيفتها محددة بدستور أو بتقاليد عريقة، فإن هذا الأمر يوحي أن السياسة تخضع لفهم ومنطق معينين، ولا يمكن أن تكون كما نعرفها اليوم قادرة على أن يسع مفهومها كل شيء تقريبًا، حتى تلك الأشياء التي تناقض كل قيمة وتتجاوز أي أخلاق بدعوى تحصيل مكاسب، وتحصين مصالح.

إن عزلة الأفراد داخل مجتمعاتنا، وعزوفهم عن السياسة بات قاعدة، وليس استثناءً، وداخل تلك الاستثناءات فمن الصعب التوفيق بين وجهتي نظر تتقاذفهما رياح الاعتناق الأعمى، ولغة المصالح الضيقة التي تجعل من إيجاد رؤية سياسية واضحة، أو أهداف ذات معنى داخلها أمرًا عسيرًا إن لم يكن مستحيلًا.

تتحرر السياسة من كل الحدود والضوابط التي تربطها بالواقع وتحطم كل القيود، وتصبح كل الأشياء المخجلة والمنفرة في الواقع مقبولة ومتبناة في عالم السياسة، فما يتعلمه الأفراد صباحًا كقيمة مضافة للمجتمع والحياة، تنسفه السياسة مساءً بلا مبالاة وبدون أدنى اعتبار أو شعور بالخطأ أو الذنب. 

وتبدو كشيء متعال ومفارق عن حياة المجتمع ولا ترتبط به سوى في علاقة الهيمنة والقوة والعنف، وليس كتمثيل لشبكة العلاقات المكونة له، إنها ذلك الوحش الطليق الذي أصبح من غير الممكن ترويضه؛ لأنه أقوى وأعتى وأقدم من أي شيء في المجتمع، بحيث فرض نفسه كفاعل وحيد فوق أي تقاليد أو قوانين أو دساتير.

ثم إن السياسة بمفهومها المهلهل والفضفاض هذا قادرة على تبني كل أساليب الدجل والزيف والدناءة داخليًا، وأنواع البروباجندا والقذارة والعنف خارجيًا وكل ذلك سيستمر تسويغه بحتميات وشروط دافعة وباسم الأفراد والجماعات وتحت عنوان الغاية تبرر الوسيلة (مكيافيلي)، وتقديم الرذيلة لخدمة قضية الفضيلة! (هنري الرابع)!

والسياسة بهذا المعنى تتماهى مع القوة العنف والتسلط ويتحول أفراد المجتمع الى متفرجين مشاهدين منسحبين أو فاعلين مشاركين في ما هو مفروض ومعد ومبرمج مسبقًا، مسحوبين في كلتا الحالتين إلى عوالم مجهولة لا يملكون في ذلك حرية اختيار، كمن انتزع منه قنديله بالقوة وطلب منه الاهتداء بالنجوم في ليلة ظلماء. 

فالسياسة تفقد قيمتها وتصبح غريبة وخطيرة إذا ما انفصلت عن الضمير والقيمة الإنسانيين، فتطلق العنان لشتى أنواع التحكم والهيمنة ويُختزل معناها في علاقة بين مهيمِن ومهيمَن عليه في ظل انتفاء كامل لكل الجسور والأسس التي شيدت عليها السياسة عملها الأصيل منذ أول ظهور لها.

في مقاربتها الطويلة والعميقة أعادت المنظرة والباحثة والناقذة السياسية الألمانية حنا ارندت السياسة الى منبعها الأصيل والعتيد بمعنى الحرية داخل مهدها الأول «البوليس» المدينة الدولة أو الجمهورية، حرية بمعنى المشاركة الفاعلة والدائمة في السلطة الجماعية ولا تتجسد، إلا من خلال الحوار والكلام في فضاء عمومي، فالحرية هنا كانت مفهومًا سياسيًا صرفًا، وليست مجرد شعور ذاتي داخلي، ولا يصبح الفرد حرًا سوى بقدرته على التأثير في الحياة العامة فاعلًا لا مريدًا، قولًا وعملًا، وما أنشئت المدينة الدولة إلا لتكون فضاءً (الأغورا مثلًا) لممارسة الفعل السياسي الذي هو في جوهره فعل حر.

لم يعد الفرد هنا مجرد حلقة ثابتة، تبدأ بالإنتاج وتنتهي بالاستهلاك، بل مشاركًا في شؤونه العامة وقضاياه السياسية عن طريق الحوار والتداول والنقاش، والاستعمال العلني للفكر، الذي يجعل من أفكار الفرد مشتركًا جماعيًا، وليس ملكًا خاصًا، فالحرية ليست غاية السياسة، وإنما وسيلة ضامنة لحرية الأفراد.

فالسياسة إذًا هي الواقع الحقيقي للحرية ومهدها الأول، من حيث هي حوار ونقاش وتداول (أو شورى بالمعنى الإسلامي للكلمة)، وأي استعمال آخر لها هو سرقة وسلب لفضائها الحر وحشرٍ لها داخل حتميات وسجون الضيق والعنف والوسائلية الأداتية، والحرية السياسية بهذا المعنى التداولي التشاركي هي الضامن للمساواة والوجود المشترك، واحترام الآخر، والحائل دون قيام أنظمة كليّة تسلطية تحتكر كل تفاصيل حياة المجتمع.

والسياسة أيضًا بهذا المعنى لا يمكن فصلها عن الفعل، وستتوقف هنا عن أن تعني مجرد مؤسسات تدعي العناية بالسلم والأمن الاجتماعيين؛ لأن المعنى الأخير هو الذي يعزلها ويعطي الانطباع بأنها شيء فوق مجتمعي حين يربطها بالمؤسسة، أو يختزل دور المجتمع فيها داخل منافي بعيدة كمنفى «المجتمع المدني» مثلًا.

وهو تصور أداتي أبعد السياسة عن كينونتها الحقيقية المتجسدة في الفعل الجماعي الحر داخل فضاء عام يهدف لإيجاد نقاش عمومي حر متعلق بالشؤون العامة بعيدًا عن التحكم والإكراه وإرادة القوة.

فهي إذًا المشاركة الدائمة والفاعلة في السلطة الجماعية، والتأثير المستمر في الحياة العامة، وليس انقطاعً وعزلة ومجرد قدرة ذاتية على الاختيار، وبهذا المعنى فقط يكون الفرد مواطنًا حرًا يستمد حريته من المشاركة والفعل، وهي علامة دالة على النظام الأفضل والأصلح كما يقول جون جاك روسو.

ويفهم من كل هذا أن السياسة خارج هذا الإطار، تتحول لمجرد اسم أو تزييف لما يفترض أن تكون عليه، خاصة إذا ما ارتبطت بالضرورة أو أن يرتبط معناها كوسيلة لتحقيق المطالب الاجتماعية كهدف أول ووحيد، وهو ما يجعلها عرضة للانتزاع من بيئتها الأصيلة لتغذو أداة للتحكم والسيطرة وفقًا لنهج تبريري تسويغي مضلل.

وبهذا المعنى أيضًا تنحرف كل ثورة أو إصلاح كتقعيد وتأسيس للحرية السياسية عن مسارها إذا ما جعلت مثلًا من تحرير الطبقات الفقيرة من الظلم الاجتماعي مطلبها (ادعاءها) الرئيس وأهملت القاعدة الأهم أي فضاء النقاش والتدوال كمعنى حقيقي ومحايث ونقطة البدء الجوهرية لأي عمل سياسي.

وذاك ما يبدو واضحًا في الشعارات التي رفعت مثلًا في الميادين العربية إبان ثورات الربيع العربي، حيث كان مطلب «العيش» أو الخبز سابقًا لمطلب الحرية والعدالة الاجتماعية، ولما كان الأمر على ذلك النحو كان من السهل أن تسرق الثورة دون أن تحقق كامل أهدافها.

 وكان الفعل الثوري ذا أثر رجعي في غالب الأحيان، وكانت الفرصة مواتية لقوى التسلط والهيمنة للإجهاز على الحراك المجتمعي الذي اختزل في مطالب خبزية ابتلعت الهدف الأسمى: الحرية السياسية والفضاء الحر كأساس جذري ومطلب أسمى، وهي نتيجة متوقعة ومعقولة ناتجة عن الفهم الخاطئ للسياسة والثورة كتفكير في السياسة بالسياسة.

فياله من هروب إذًا تهربه السياسة من عالم المعنى والحرية في مجتمعاتنا، وياله من انحراف وزيغ طويل وقديم جعل السياسة منطقة جدباء بمعزل عن تطلعات ونبض المجتمع مانعة ومعيقة في أغلب الأحيان لنشاطه وقامعة لحركيته، وسالبة إلى حد بعيد لحرياته.

وياله من معنى جعلها أداة إكراه وغصب بدلًا عن أن تكون تعبيرًا عن الحرية المشتركة، ووسيلة هدم وتفتيت بدلًا عن أن تكون بناء مستمرًا لمحيط للفرد والمجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السياسة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد