شيرين أبو عاقلة: بين كثافة رمزية المقاومة وتفكيك سردية الاحتلال

استيقظ العالم العربي صبيحة يوم الأربعاء 11 مايو (آيار) 2022 على خبر استشهاد مراسلة الجزيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة شيرين أبو عاقلة برصاص الاحتلال الصهيوني الغادر أثناء تغطيتها اقتحام مدينة جنين ومخيمها، شمالي الضفة الغربية المحتلة، وقد تابعنا جميعًا ردة الفعل الكبيرة على هذا الخبر في الوطن العربي وفي كل العالم. لم يكن الحدث هيّنًا، بل مثّل صدمة حقيقية لكل الشعوب العربية التي عاشت طيلة ربع قرن تتابع الأحداث في القدس والداخل الفلسطيني بعدسة الجزيرة وواكبت التغطيات من قلب المعارك بصوت شيرين أبو عاقلة، فاقترن صوتها في الخيال الجمعي بالقضية الفلسطينية وبكشف جرائم الاحتلال الغاصب؛ لتتحول بذلك إلى عنوان للتعبير عن وجع الفلسطيني ومقاومته ومأساته وصموده في آن واحد.

في الوقت ذاته تابعنا الموقف الرسمي لرموز الاحتلال مع جريمة الاغتيال التي أنكر الاحتلال وكالعادة صلته بها، بل وجه أصابع الاتهام لرصاص المقاومين في جنين، وفي حركة صهيونية بشعة أقدم جيش الاحتلال على مهاجمة موكب دفن الشهيدة، وقمع المشاركين في تشييعها، وأمر بإيقاف كل من يحمل العلم الفلسطيني. في الحقيقة لن أهتم كثيرًا بهمجية هذا الكيان الغريب عن الزمن والتاريخ، ولكن سأتناول دلالة هذا السلوك ضمن سياق يبحث فيه هذا الاحتلال على تثبيت سردية لم ينجح طيلة سبعة عقود في تثبيتها.

إن الاهتمام المبالغ فيه من الكيان الصهيوني وأجهزته بما نعتبره «تفاصيل» لا معنىً لها، وعنفًا بشكل سادي لا مبرر له، إنما هو كاشف لبنية نفسية وذهنية تتفاعل وتكشف عن نفسها في آن واحد. فالكيان يدرك جيدًا أن فلسطين هي جزء من فضاء ثقافي عربي إسلامي-مسيحي، وقوة السلاح لا تكفي لإرساء الأمر الواقع، إنما يحتاج منه أن يصنع لنفسه تاريخًا وثقافة تكون ضمانة لاستمراره، وتعريفًا له ضمن هذا الفضاء. ومن هنا تكمن حاجته للتأسيس لسردية بدأ الاشتغال عليها منذ بداية القرن العشرين مع ثيودور هرتزل حاييم وايزمان – قادة الحركة الصهيونية – وهي تتكثف في مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، أي أن هذا الكيان لا يقر بوجود سكان محليين فلسطينيين منذ البداية لتسهيل عملية السطو على الأرض، ثم على كل ما هو رمزي من ثقافة، وتاريخ، وفن، وأدب، وعادات، وتقاليد، وهو لعمري من أخطر الأشكال الاستعمارية التي شهدتها الأمة حديثًا، إذ إن خطورته لا تكمن في اقتداره العسكري فقط، وإنما في إحلاله محل أصحاب الأرض بما هم مجتمع حي له عمقه الحضاري وتجذره التاريخي.

إن هذه السردية على خطورتها ودرجة مكرها لم ينجح الكيان الإحلالي في ترسيخها طيلة عقود فكان وجوده مقترنًا بالقتل، والإبادة، والتهجير، واستمراره إلى الآن مشروط بالقوة العسكرية. وهذا سقف متدنٍ جدًا مقارنة بالسقف الذي انطلقت تهندس ضمنه الحركة الصهيونية أفق اليهود في فلسطين بهدف تحويلها إلى أرض تنتمي إليهم، وينتمون إليها بالمعنيين الثقافي والحضاري. جميعنا يتذكر القولة الشهيرة لجولدا مائير «غدًا يموت الكبار وينسى الصغار»، وهي تندرج ضمن مواصلة نحت السردية التي تحدثنا عنها في البداية إذ تراهن على «موت الكبار» بما هم ذاكرة، وتاريخ، وثقافة، ورمزيات، و«نسيان الصغار» بما هم واقع بدون جذور وبأفق يصنعه لهم هذا الكيان كجزء من حاضرهم وناحت لذاكرتهم، وهذا رهان وشرط أساسي للاستمرار فننتقل من الاحتلال بما هو سطو على الأرض وتهديد للوجود المادي للأشخاص إلى إحلال بما هو نفي لوجودهم أساسًا – فهي «أرض بلا شعب» – فتنتفي الجرائم والإبادات ويصبح الطريق مفتوحًا أمام كل عمليات السطو على الذاكرة وإهدار الرمزيات وهتكها. وبناء عليه يتحول هذا الكيان إلى صاحب حق بتغييب صاحب الحق الأصلي ونفي كل مقومات وجوده. ولكن هذا كان يجب أن يحدث مع الجيل الموالي للنكبة والنكسة ـ الجيل الذي راهنت جولدا مائير على نسيانه – لكن هذا الجيل فجر انتفاضة في الثمانينات شكلت حدثًا نوعيًا في تاريخ القضية الفلسطينية وأعتقد أن تفكك سردية هذا الكيان بدأ منذ تلك اللحظة ـ لحظة اندلاع انتفاضة الحجارة.

إن تلك اللحظة على بساطتها ـ طفل يواجه دبابة بحجارة في يده – هي بداية تفكيك لسردية وانتفاء لإمكانية «النسيان» وكسب لمعركة الرمزية بما هي محافظة على «مرحلة الاحتلال» وهدم لشروط إرساء «مرحلة الإحلال». فالنضال الوطني الفلسطيني على امتداد العقود الثلاثة بعد النكبة كان ضمن سياقه التاريخي الطبيعي إذ إن الجيل الذي شهد النكبة حافظ على المقاومة المسلحة كأساس للتحرير. لكن في المقابل مثلت هزيمة 1967 مزيدًا من توسع الاحتلال في القدس الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة، وهضبة الجولان، وسيناء في ترسيخ الأمر الواقع من جهة، وفي تهيئة الشروط لاختراق الوعي الفلسطيني أولًا، ثم العربي ثانيًا، بمقولة «الجيش الذي لا يُقهر»، وفي ذلك انتقال تدريجي نحو «مرحلة الإحلال»، فلا يحتاج الكيان الصهيوني للقوة المادية بقدر ما يكون تحديد سقف خوض المعركة بالسلطة الرمزية – كما يفسرها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو – على أنها سلطة لا مرئية ولا يُمكن أن تُمارس إلا بتواطؤ أولئك الذين يأبون الاعتراف بأنهم يخضعون لها، ويمارسونها فيكون استهداف المستوى الذهني والنفسي طريقًا نحو تحديد الشروط وضبط السقوف. وهذا في الحقيقة لا يخضع لعامل واحد، إنما هو تضافر والتقاء مجموعة من العوامل والظروف الموضوعية في ذلك السياق. نذكر منها الهزيمة سنة 1967، وما أحدثته من جراح في الضمير الفلسطيني والعربي والاختلال الواضح في ميزان القوى زد على ذلك تخاذل النظام العربي الرسمي، إضافة إلى الخلافات التي شقت فصائل المقاومة الفلسطينية في السبعينات (منظمة التحرير الفلسطينية من جهة وجبهة الرفض المتكونة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين من جهة أخرى). كل هذه المتراجحات التاريحية بمعناها الرياضي البحت أعاقت وعطلت فرص الحسم، على حساب إمكانية التفاوض ومنه المحافظة على «الوضع القائم» وهذا كاد يكون بداية تجريد الفلسطينيين من القدرة على المقاومة من خلال اختراق الوعي بالمقولات التي تفتّقت عن وعي صنعته الهزيمة واشتغلت عليه البروباغندا الصهيونية، وكانت « اتفاقية كامب ديفيد» بمثابة سقف جديد يمكن التحرك تحته والحسم من داخل شروط « الحد الأدنى».

أعتقد أن أخطر وأعقد لحظتين في تاريخ القضية الفلسطينية هما «لحظة كامب ديفيد»، ثم «لحظة أوسلو» حيث شكلتا اختراقًا للوعي وممارسة لعنف رمزي كاد أن يرسّخ ما سميناه سابقًا «مرحلة الإحلال» فيكون محو الخطيئة الأولى، أي النكبة سنة 1948 مقدمة للانتقال بالوضع من قائم إلى دائم يحتاج الاحتلال فيه إلى طمس الذاكرة و»النسيان». لذلك اعتبرت بأن الانتفاضة الأولى سنة 1987 ألغت «لحظة كامب ديفيد» وأثبتت أن رهان الذاكرة قد ربحه الفلسطينيون، وأنهم لا زالوا يخوضون معركتهم مع عدوهم بشروطهم وكما يرونه لا كما يُراد لهم أن يرونه وهذا استئناف للحظة الأولى بما هي مقاومة شعبية قادرة على الإنتصار ووعي جمعي يحافظ على «فكرة التحرير» كأساس للوحدة والنضال، ثم إن «لحظة أوسلو» كانت محاولة استئناف لسردية تقديم الاحتلال على أنه أمر واقع لجيل بات رهين فجوة في وعيه الوطني، فلا هو قادر على المقاومة بحكم صورة الاحتلال في ذهنه – التي صنعها له الاحتلال – ولا هو واع براهنية قضيته فيكون معرضا لتحديد مربع خوضه لمعركته ولسقف مطالبه، وهذا بالطبع لم يكن واقع الحال بحكم أن الحجارة واجهت الدبابة وهذه صورة رمزية مكثفة تحيلنا إلى كون «لحظة أوسلو» ليست سوى محاولة استئناف متأخر للحظة مُفوَّتة. ومنذ تلك اللحظة يدور الاحتلال في حلقة مُفرغة محاولا استئناف «مرحلة الإحلال» بتوفير الشروط لذلك.

بناء على ما سبق، يحق لنا الجزم بكون المقاومة برمزيّتها الاقليمية باتت عنوانًا متقدمًا لهزيمة آتية لا محالة لهذا الكِيان الغاصب. إذ إن المُقاومة المسلحة في المنطقة بما أحرزته من تطور عسكري وتكنولوجي واقتدار على إدارة المعارك المتتالية في العقدين الأخيرين، من لحظة تحرير الجنوب اللبناني حتى معركة سيف القدس في غزة، أعادت تشكيل مشهدية التموقع ليجري بذلك قلب الموازين إقليميًا ودوليًا بعدما فرضت صواريخ المقاومة شروط التفاوض وساعة الحسم، مجهضة بذلك المشروع الصهيوني القائم على خطة السطو الحضاري بعد حسم السطو العسكري المسلح، ولكن المقاومة في الإقليم ما فتئت تعيده إلى المربع الأول.

لأجل هذا نفهم جدوى المقاومة بالفكرة والصورة والمعنى، فهي تندرج ضمن معادلة فرض شكل للصراع يمنع هذا الكيان الإحلالي من تجاوز جرائمه وينسف سرديته في الانتقال من الاحتلال للإحلال محل أصحاب الأرض بنفي شروطها وذلك من خلال إظهار صورته الحقيقية للعالم والتذكير بجرائمه وكشفها ونشرها على أوسع نطاق. فيتشكل بذلك وعي جمعي مقاوم يحفظ الذاكرة ويخلّد التاريخ ويهتم بالرمزيات كمحرك للوعي وطاقة دفع نحو مقاومة ناجزة من أجل الحفاظ على الوجود في بعده الرمزي والحضاري.

لم تكن الصحافية الفلسطينية الشهيدة شيرين أبو عاقلة ناقلة للخبر أو معلّقة عليه إنما كانت تحفظ ذاكرة وتشكل وعيًا انطلاقًا من شهادة على جرائم الاحتلال ومقاومة الفلسطينيين، فكان عملها الصحافي صورة مكتملة عن الاحتلال مقابل الصورة التي يريد أن يصنعها لنفسه ويمارس بها سلطته إذ كانت شيرين تهشّم هذه الصورة على صخرة الحقيقة، وتكثّف في الآن ذاته رمزية مقاومة الفلسطينيين وتحديهم المستمر لإيصال أصواتهم لكل العالم وللتعريف بمأساتهم. نجحت الشهيدة أن تلخّص المتناقضات في صوتها وصورتها حيث الألم والأمل والوجع والمقاومة فتحولت في كل العالم العربي إلى عنوان للقضية الفلسطينية وصورتها مقترنة بتاريخ أحداث محفوظة في الذاكرة يكفي أن تسمع صوت شيرين لتتذكّر. وهذا في حد ذاته سبب يجعل الاحتلال يغتالها بذلك الشكل السادي ويقمع موكب دفنها في افتقاد للحد الأدنى من الإنسانية، هي ردة فعل تُفهَم ضمن رغبة الاحتلال في استئناف سرديته لكن في لحظة يستحيل فيها ذلك. لم يكسب الاحتلال معركة الذاكرة، ولم ينجح في السطو الحضاري فاختار «قتل» الرمزيات وقمعها وهي عملية شبيهة بمطاردة السراب فتحول القتل إلى تكثيف للرمزية والقمع إمعان في الجريمة وتثبيت لصورة البطش والإجرام. فانتصرت عليهم شيرين أبو عاقلة حية وميتة وكسبت الرهان ضد محتل مجرد من كل شروط البقاء والاستمرار، ويتجرد منها يومًا بعد يوم وهو يحاول الاستئناف بأدوات غير الأدوات التي تسمح بذلك.

ختامًا إن سردية هذا الكيان تتآكل منذ زمن واستمراره هو نتيجة لتواطئ النظام العربي الرسمي وبحثه عن الاعتراف، وهو في العقد الثامن من عمره أمر مثير للشفقة. إذا لم نستمر في خلافاتنا واستغراقنا في الفتن (شيعة وسنة، مسلمين ومسيحيين، إسلاميين وعلمانيين…) سنشهد زوال هذا الكيان كآخر امتداد للحركة الاستعمارية الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين. إن رسالة شيرين أبو عاقلة هي عنوان لمشترك يوحّدنا ويراهن على ذاكرتنا ووعينا بصورة هذا الكيان كمحتل سقفُ مواجهته هو التحرير، لتكن الشهيدة الشاهدة عنوانًا لتأسيس وعي مقاوم موحِّد يكشف للعالم الحقيقة ويقاوم الإستبداد والتخلف كشروط لاستمرار الاحتلال وتأبيد الاستعباد.

رحم الله الوارفة شيرين أبو عاقلة عنوانًا مكثّفًا للمقاومة والوحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد