يتناول الفن عمومًا وميدان التشخيص (المسرح والسينما) على وجه التحديد قضايا من مختلف مناحي الحياة، ولأهل الاختصاص هنا واسع الرؤية عند انتقاء التيمات والأفكار وسرد مضامينها وفق الأدوات الفنية التي بين أيديهم والملائمة للعرض الذي سيتم إنتاجه أيضًا، وتعد الظواهر السياسية التاريخية من ضمن أهم الموضوعات التي تصاغ وسط إطار التقمص والمحاكاة، وقد يكون الباعث وراء ذلك خلق وعي عام حول إيديولوجية معينة، أو لإحداث اعوجاج في مسار تاريخي عن طريق تشويه وقائعه وتغيير مجرياته.

خرج لحيز العرض الفني سنة 2010 ضمن الأعمال الرمضانية المسلسل المصري «الجماعة» في موسمه الأول. شخصيًا لا أستسيغ معظم «الفاست برودكشن» الرمضاني كونه لا يسير – في نظري – في اتجاه إحياء الذوق والحس الفنيين لدى المشاهد العربي، بقدر ترسيخ مسألة قتل الوقت في ذهنه وتمضية النهار في متابعة عروض متوالية على تلفازه أو أي جهاز إلكتروني آخر.

وبالرجوع لمتن حديثي فإن من سيتابع مسلسل «الجماعة»، سواء القليل أو الكثير منه، سيمر بفكره أن حركة الإخوان المسلمين – ولا سيما في طور نشأتها – تأسست كتنظيم غايته الأسمى النار والدم (تسليح، تحريض، تجسس على الأحزاب السياسية الأخرى…)، مع استحضار صاحب أبرز أنظمة الحكم الشمولي وقتها في أوروبا، أدولف هتلر، نموذجًا يحتذي به حسن البنا من خلال رسائله ومقالاته.

حاول المخرج وضع الأحداث في قالب درامي، إلا أن ذلك لم يجسد جزء مهم من الشق الدعوي الإصلاحي والمعتدل الذي ميز تنظيم الإخوان وسط الساحة السياسية المصرية؛ مما جعل تقديرات المتابعين يغلب عليها طابع النقد؛ إذ اعتبر المسلسل هجومًا على كيان سياسي إسلامي معارض لنظام الحكم بمصر، وتزييف لمساره التاريخي عمدًا.

وذكرنا آنفًا أن هذا النوع من العروض الدرامية التاريخية قد يكون الهدف منها نقل حقائق مغلوطة للمشاهد، مثلما قد يسعى الإنتاج إلى جذب التعاطف نحو حدث زمني كما حصل مع الإصدار الأمريكي، «قائمة شندلر Schindler’s List» لمخرجه ستيفن سبيلبرج، الذي أبدع في أكثر من عمل سينمائي يتمحور حوال وقائع تاريخية.

أوسكار شندلر هو رجل أعمال ألماني نازي، لكن إنسانيته غلبت تمجيده للعرق الآري، وفر الحماية لليهود في ألمانيا وبولندا بمصعنه الخاص، أمام القتل الممنهج الذي كانوا يتعرضون له على يد القوات النازية. حضر الفيلم في 12 ترشيحا لجوائز الأوسكار، نال منها سبعة تتويجات، وحاز على المرتبة التاسعة ضمن قائمة المعهد الأمريكي لسينما لأفضل 100 فيلم على مر العصورَ.

بعض الرسائل التاريخية السياسية لا تمرر فقط في أعمال فنية، وإنما قد تكون جزءًا من حياة مشخصين كبار أمثال مارلون براندو، «العراب» الذي ذاع صيته سينمائيا وبنفس المستوى كان أحد أكثر الممثلين الرافضين للعنصرية وإقصاء الأقليات، يبقى موقف رفضه حضور حفل توزيع جوائز الأوسكار سنة 1972 وحصوله على جائزة أحسن ممثل عن دوره: الدون فيتو كورليوني بفيلم «العراب»، من أكثر المواقف التي ستظل عالقة في ذهن كل مهتم بحقل التشخيص، فقد كسر القاعدة التي جبل عليها الفنان في بحثه وكده للوصول إلي مواعيد التتويجات، وبدلًا عنه أرسل الممثلة ليتل فيزر التي كانت تنوب عن اتحاد الفنانين المنتمين للسكان الأصليين بالولايات المتحدة الأمريكية.

صعدت المنصة وأعلنت أمام الحضور رفض مارلون للجائزة، وقرأت لهم جزءًا من رسالته التي يعلن فيها رفض تسلم الجائزة وعدم قبوله الصورة المهينة التي يتم تصوير الهنود الأمريكيين بها في الصناعة السينمائية.

بعد الحدث تعرض مارلون لنقد شرس من الصحافة ومعظم الفنانين في هوليوود، على اعتبار أن ما قام به يعد انتقاصًا لمكانة المجتمع الفني وصناع العروض السينمائية.

يستمد الفن قيمته من رسائله التي يوجهها للجمهور، وقد يجتهد صاحب الرسالة في نصوصه شكلًا وجوهرًا، والأهم من ذلك وصولها وكيفية فهمها وتفاعل المتلقي معها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد