الدبلوماسية فن من فنون المراوغه مع التحكم في مشاعر القلب المتأرجحة، هذه المشاعر التي تتمثل في روح الإنسان، فهي  عنوان حياته والسبب في نتائج تصرفاته إما سلبًا، أو إيجابًا، يوصف الإنسان سائب المشاعر بالثعلب، فعينه على الهدف لا  نوعية الطريق، فأي طريق ما دام قصير المسافة قليل الشوك هو الأمثل.

لكن الثعلب وُصف في عين الإنسانية بالسارق المعتدي، وليس كباقي أقرانه من المعتدين بأوصاف متعددة كالمخيف، والشجاع، وغيرها من الأوصاف التي تطلق على الحيوانات المعتدية، غير المسالمة، على الرغم من أنَّ صيادي الفرائس يكمنون لفرائسهم كما يكمن الثعلب.

إذًا ليس كل من يراوغ ثعلبًا، وليس كل من يراوغ سارقًا، وليس واجبًا عليك ترك المراوغة لتكون نقيًّا صافيًا، يشهد لك بالصفاء والحنان وحسن الخلق.

الإنسان لا يعيش في جنة الله الأبدية، الخالية من المكر والخديعة، بل إن الله سمح للمراوغة في الجنة  أن يكون لها موطئًا، يقول الله، عز وجل، مخبرًا عن مراوغة الشيطان لآدم {قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى}.

في المقابل هناك مراوغة توصف بالدبلوماسية المبتغاة منها تحقيق سنة الله في الكون وهي قوله تعالى  {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، مع أن سابقة الآية قوله تعالى {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} ، فكيف لطغيان عاصف أن يقابله حوار لَيَّن هادئ؟ إنها الدبلوماسية المفطور عليها بنو الإنسان، فنجاح الإنسان على مكونات هذا الكون الفسيح سواء كانوا أقرانًا أو مُسخرين لخدمته، تتعلق  بمدى نجاحه في تطوير سياساته ودبلوماسيته تجاه الآخرين.

كَمِنت الولايات المتحدة، كما يكمن الضبع للصياد والفريسة في آن واحد، فبعد أن تنهك قوى المتصارعين يبدأ في التدخل لحسم الأمر لصالحه، وهذه مراوغة فعالة ما دام الطرفان على نقيض تام من المتصيد لهما، أوصى الرئيس الأمريكي ترومان إبان الحرب العالمية الثانية المستعرة بين أوروبا وستالين، روسيا من جهة وهتلر من جهة أخرى، وكان حينها عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي «إذا أدركنا أن الرابح ألمانيا، علينا أن نقدم العون لروسيا، وإن قاربت روسيا على الانتصار، علينا بمساعدة ألمانيا، وبذلك سيقتتلا ويخسرا معظم قوتهما الرئيسية، برغم أني لا أريد هتلر منتصرًا تحت أي ظرف».

سياسية الدهاء واقتناص الفرص والتحكم في العواطف وعدم الانجرار وراء شعارات يختلقها الإنسان ليحدث حالة من الوهم، فيعيشها ويجبر من حوله أن يعيش فيها حتى لا تكون له إفاقة إلا عند صدمة النتيجة، هي سياسة النفس الطويل الناجعة خاصة في قيادة الأمم.

الدبلوماسية متأصلة في بني الإنسان، فهي كالطعام والماء والهواء، لا غنى له عنها، ليستمر في مقاومة كبد الحياة ومعاناتها.

في عام 1951م أوقف الأمريكيون أعنف هجوم قاموا به على جيش  التحرير الصيني في كوريا، بعدما أبدى قادته وقادة الجيش الكوري الشمالي استعدادهم للمفاوضات، والحقيقة أن المفاوضات ما كانت إلا التقاطًا للنفس وتهيئة الوضع لما بعد فشل المفاوضات، وهو ما حدث على الأرض الواقع، فبعد أن استعادوا قواهم، أفشلوا المفاوضات، وبدا للأمريكيين أن لا مَفر من الصدام العسكري، لكن بعد أن أحرز الصينيون والكوريون الشيعيون تقدمًا على أرض الميدان ظلت إلى الآن شوكة تؤرق المجتمع الدولي برمته.

تتمع إيران الخميني بدهاء سياسي، أورثته إلى خلفها، فعلى رغم فحش أفعالها في بيئتها وما جاور بيئتها، فإنها تنتهج السياسة قبل المدفع، حدث هذا  في حربها مع العراق، وحربها مع أمريكا وإسرائيل التي تبدأ ولا تنتهي.

إذًا تبدأ السياسة بالفرد ولا تنتهي بالأمة، بل إن أعمار الأمم ونهضتها، تدور في فلك سياستها مع محيطها، على الإنسان أن يوقن أن السياسة كالطعام لا غنى له عنها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد