فن السياسة

لفهم العلاقات الدولية وطبيعة السياسات المتبعة من طرف القوى والدول الكبرى وجب البحث في منظريها الأوائل الذين قاموا بتأسيس فن السياسة وإدارة العلاقات الدولية، ومما لا شك فيه أن عالمنا يعيش تغيرات شتى في مناحي الحياة، يوازيها تغير في السياسة الدولية وكيفية توجيهها من طرف الكيانات السياسية الفاعلة والرئيسة.

الكثيرون لا يفهمون أن السياسة تتعلم من الأقوياء على اعتبار أنهم هم المتحكمون فيها، وفي واقعنا الراهن لا بد أن ننظر لطريقة تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع البلدان الضعيفة والقوية لنعتبر ونتعظ، ففي الواقع كل علاقات أمريكا قائمة على البراجماتية السياسية فلا مجال للصداقة سوى لتمويه الجماهير، السياسة الأمريكية منبعها فلسفة ويليام جيمس النفعية التي تؤكد أن النافع هو الصحيح، فصدق الفكرة حسب جيمس يكمن في قدرتها على أداء وظيفة معينة والفكرة الصحيحة هي القادرة على تحقيق الفائدة في حياتنا.

ولإدراك براجماتية الولايات المتحدة في علاقاتها نجد أنها تختلق الأزمات والحروب فقط للحصول على مصادر الطاقة والثروات وإجبار الدول على توقيع اتفاقيات إمبريالية مع البلدان الضعيفة تستنزف ثرواتها القومية، تسكت على الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما دامت تحافظ على مصالحها، تفتعل قضايا حقوق الإنسان وحرية التعبير في كل مناطق العالم فقط لاكتساب المشروعية أمام المجتمع الدولي والتدخل لتغيير الأنظمة الوطنية، كما حدث في عديد من البلدان في أمريكا اللاتينية في القرن العشرين، تحالفاتها لحظية أنية غير مستمرة، لا وجود للعلاقات التاريخية والاستراتيجية أو الشريك الاقتصادي الأول.

ويليام جيمس البراجماتي الأول اعتمد المنهج التجريبي في تحليل نظريته النفعية، حيث لا مجال للأخلاق في السياسة، ولا مجال للضمير الإنساني، كل القيم إن خالفت نفعيتها على حياتنا فهي قيم خاطئة، وبطبيعة الحال ويليام جيمس في تناقض صارخ مع فلسفة الأخلاق لإمانويل كانط، إن فلسفة جيمس تلتقي مع النظام الرأسمالي القائم على الجشع والنهب وسلب حقوق الضعفاء والبحث عن الربح بشتى الطرق ضاربًا عرض الحائط كل القيم الإنسانية النبيلة، والتي ناضلت عليها الإنسانية طيلة قرون من الزمن.

ومن القضايا الدولية التي وجب على العرب الاتعاظ منها والاستفادة من دروسها، مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في سفارة بلاده بتركيا، حيث تأكد بالملموس أن المسؤولين السعوديين الكبار هم المتورطون في الجريمة الوحشية ضد صحافي لا يملك سوى القلم كسلاح لمحاربة التخلف في وطنه وكافئه بإزهاق روحه وتقطيع جثته بطريقة سادية بواسطة منشار على أنغام الموسيقى.

الكثيرون انتظروا كلمة السيد أردوغان حول ملابسات جريمة الاغتيال وتحديد الجلادين (رغم أن العالم كله يعرفهم واحدًا واحدًا)، وتأكيد طريقة الاغتيال والتمثيل بالجثة، وتحديد مكانها، كلها أسئلة انتظر العالم ومعها العرب إعلانها في خطاب السلطان كما يسميه الملايين من مؤيديه في الوطن العربي والإسلامي قبل أن يخيب ظنهم، ويعيد علينا سيادة الرئيس نفس الكلام المجتر من مختلف المنابر الإعلامية دون وضع اليد في الجرح وتحديد الجناة الحقيقيين.

أكيد أن الرئيس التركي قبض الثمن، حقق انتصار لبلاده وهزيمة أخلاقية للإنسانية، كل ذلك بتعليمات أمريكا، والتي بدورها عقدت صفقة سرية مع السعوديين لطي الملف عبر توجيه اتهامات لأكباش فداء وإعفاءات من مناصب عليا، وفتح تحقيقات لن ندري متى ستغلق، أوروبا بدورها سارعت للحاق بقائمة المستفدين من اقتسام الكعكة وخرجت ببيانات تندد بمقتل خاشقجي، وتوعد المسؤولين السعوديين بعقوبات صارمة.. والعرب تتفرج على مشهد سوريالي مضحك مبكي، لا حديث في الاعلام المحلي على الجريمة سوى شذرات أعطي لها الضوء الأحمر من السعوديين.

لا أوروبا، ولا أمريكا تسعى وراء الحقيقة أو الجناة، أو حقوق الدم المهدور بدون وجه حق، أو الدفاع عن حقوق الإنسان.. الأهم عندهم النفط وعائداته من الخليج، توفير مزيد من فرص العمل للمواطنين الغربيين، عبر تشغيل المعامل والمصانع الكبرى خاصة الطاقية منها والحربية.

الخلاصة
هي: لا صديق دائم، ولا عدو دائم، هناك مصلحة دائمة، فهل نستفيد من الدروس والعبر؟

المصادر

ويليام جيمس: مقالة التصورات الفلسفية والنتائج العملية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة

المصادر

عرض التعليقات