كيف تصنع مذبحة جماعية؟ من كتاب حيونة الإنسان، لممدوح عدوان.

«نحن لا نتعود يا أبي إلا إذا مات شيء فينا، وتصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما حولنا». 
– ممدوح عدوان، حيونة الإنسان.

«تصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما يجري حولنا!».

يفترض براوننغ أن فينا نائمًا في داخلنا، إنه غريزة مستترة يمكن أن تستيقظ حين تتاح لها الأحوال الملائمة. وبراوننغ ومليغرام يتحدثان عن (المصادفة الأخلاقية)، ويتحدثان عن غريزة الطاعة عند الإنسان والحاجة إلى سلطة تقي بأوامرها ضميرنا الهش وتدافع عنه.

إن الضمير الفردي يتلاءم مع بنية السلطة، نحن نولد ونتربى في الطاعة، وإلا كيف سيمشي المجتمع؟ وتتحول الطاعة إلى جزء من غرائزنا. فالتأدب والارتباك من العوامل والدلائل الهامة على ترويض أنفسنا لقبول النظام العام. والغرق في الجوانب التقنية ينسينا ما الذي نقوم به. هكذا نفعل حين نقصف مدنًا آهلة بسكانها، وحين نرتكب أو ننفذ أو نساعد على تنفيذ مجازر جماعية، وهكذا نفعل حين نمارس التعذيب، نغافل أنفسنا بالادعاء أننا لا نتحمل المسؤولية، نحن نتجنب كوننا أصحاب القرار ونحيل المسؤولية إلى صحاب القرار. «كنت أقوم بعملي فقط، لم أفعل إلا ما طلب مني».

والسؤال الذي يطرح عادة بعد اقتراف مجزرة: «كيف يحتمل الناس أن يفعلوا ذلك أو أن يروه؟». والجواب هو أنهم يستطيعون احتمال ذلك بسهولة، فما أن يختاروا حل الإزاحة إلى السلطة التي تصدر الأوامر حتى يزيحوا إليها كل مسؤولية عن كل فعل، يستطيعون أن يقتلوا طفلًا أو عددًا من الأطفال أو يمارسوا التعذيب أو أن يأمروا به أو أن يسكتوا عنه أو يسوغوه ثم يذهبون بهدوء إلى بيوتهم لتناول الشاي.

وبهذا نحن نجرد الضحية من القيمة ومن الصفة الإنسانية أو أننا نتجاهلهما، إنه الشيء الموجود عند الطرف الآخر من الزر، أو هو الشيء الذي نؤمر بإيذائه كيفما كان الإيذاء «وحين يريد الله إغراق سفينة فإنه لا يهتم كثيرًا بمصير الفئران التي تسللت إليها».

——————–

كتب علاء الأسواني مقالة اسمها كيف تصنع مذبحة ناجحة؟ 

الفصل الرابع من كتاب سيكولوجية الإنسان المهدور: الاعتقال، التعذيب وهدر الكيان.

لا يستقيم الكلام في الطغيان والاستبداد، ولا يستوفي موضوعه لجهة هدر إنسانية الإنسان (قيمة وحقوقًا وكيانًا) إلا بالحديث عن التصفيات الفردية والجماعية، ودراسة آليات الاعتقال والتعذيب. نحن هنا بصدد أِد حالات الهدر كارثية. وإذا كانت التصفيات مسألة مباشرة وعلنية في ممارستها وآثارها، من حيث التعدي الجذري والكلي على إنسانية الإنسان، من خلال إلغاء وجوده المادي ذاته.

«إن الانسان بذاته، ومن خلال الممارسات الشنيعة عبر تاريخ الحروب، لم يكن ميالًا إلى الحفاظ على حياة هؤلاء، فالحروب تقوم لأهداف يراها القادة والزعماء وتجعلهم يعلنونها ويشنونها، ولكن هذه الأهداف تصل إلى الأفراد بطريقة خاصة تجعلهم مؤهلين للقتل من أجلها في الميدان، غير أن تأهيلهم لهذا القتل لا ينتهي عند استعدائهم على الخصم المحارب لقتله أو إيقاع الهزيمة فيه، بل يمتد إلى قتل الجريح والأعزل والمستسلم ثم المدني المسالم، ما يمكن تلخيصه بالرغبة في إبادة الطرف الآخر إبادة نهائية». 
– ممدوح عدوان، حيونة الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

حيونة الإنسان
سيكولوجية الإنسان المهدور
كيف تصنع مذبحة بنجاح ؟ علاء الأسواني
عرض التعليقات
تحميل المزيد