«لا أهتم بالسياسة»، «بعيدًا عن السياسة»، «لا أفهم بالسياسة»، وغيرها من الأقوال التي تجري على ألسنة البعض عندما يسمعونك تناقش أمرًا ربما يكون مصيريًا لك ولهم، لأنهم يعتقدون ببساطة أنهم في معزل عنه، أو ربما لأنهم يخافون، أو لأنهم اعتادوا على عدم الاقتراب من الخطوط المحظورة والتي لا يكلفون أنفسهم بالتفكير ولو مرة في سبب كونها محظورة، وربما قد تناسوا بأن السياسة تقتحم حياتهم اليومية التي يختبئون خلفها، وأنها توقِّع عنهم، وتأخذُ منهم ثمن التوقيع، وتجبرهم أيضًا على معانقة عدوٍّ ومعاداة صديق، بل إن إعلامها يُخبرهم حتى كيف يفكرون!

إن للسياسة مفاهيم وفروع متعددة، وليس الجميع على دراية كافة بمفاهيمها، وليس بمقدور كل من أراد أن يندَّس في سراديبها بسهولة أن يفعل، وليس كل من أراد أن يكون رجل سياسة سيكون في غمضة عين؛ ولكن ليس المطلوب أصلًا أن يكون الجميع رجال سياسة، بل المهم هو محاسبة رجل السياسة بما يحفظ كرامات الشعوب ومصالحهم العامة، إذ يجب أن يفهم الواحد منا أن السياسة أحد أعمدة سقف المعيشة، والعكاز الذي تستند عليه كل علاقاتنا، وأن انصرافنا عنها يعني أن نكون مجرد تابعين تحركنا الاصداء والممثلين وأصحاب النفوذ، وتتحكم في حياتنا، ومن يدّعي بأنه لا يهتم بها فهو لا يهتم لنمط معيشته اليومية ولا بمصيره المستقبلي، وليس له أن يدعي حرّيته؛ فالسياسة هي غطاء الاقتصاد والثقافة والدين، والعامل الرئيسي في حياتنا اليومية من أكل وشرب وعمل وعلاقات، شئنا ذلك أم همسنا خوفًا، وكلنا أبناء السياسة ما دام صوتنا، أو تأييدنا أو معارضاتنا تصنع تأثيرًا في القرارات.

المشكلة الأساسية التي نواجهها تكمن في الفكرة الديكتاتورية للسياسة في إقليمنا؛ فعلى الرغم من أن السياسة تواجهنا كعرب كل يوم وفي كل لقمة نتناولها، إلا أننا لم نحظى يومًا بحرية الممارسة السياسية الطبيعية كأفراد يعيشون في المجتمع، وذلك لأن الثقافة الصحيحة لرجل السياسة والتي يجب أن تكون نابعة دومًا من نظرته للجماهير ومعاناتهم وحاجاتهم ومطالبهم وهتافاتهم المسموعة والمكبوتة، تكاد تكون معدومة للأسف، فأمست وأصبحت السياسة حكرًا على من يتبع بروكولاتٍ رسميةٍ ويرتدي بذلاتٍ متخشبةٍ بترف، وكل من يحاول أن يكفّ أيدي السياسة عنه من العامة بأن يقوِّم اعوجاجها سيُسمّى بـ«طفل السياسة» الهاوي، وعلى قدر عزيمته يكون عقابه، وهذا كله في الدول التي تدعي أنها تُشرك الشعب في صنع القرار.

وعلى الرغم أيضًا من أن الاهتمام السياسي للفرد العادي في المجتمع قد تعدّى في بعض المناطق مستوى الهمس والهتاف الخافت إلى ثورات ونزاعات وإطاحات، إلا أن رجل السياسة ما زال يعتبر أن اقتراب الفرد من دائرته خطٌ أحمر، وما زلنا نفتقد لبادرة التخلّي عن الصراع الوجودي الذي كان سببًا في اختلاق السياسة ومحاولة التعايش مع فكرة التنافس.

إن مصطلح أطفال السياسة بحد ذاته مصطلح قمعي ديكتاتوري، فمن حق الجميع أن يمارسوا حرياتهم ويبدون آراءهم في المجالات التي يحبون، وهي كشأنها من المجالات فيها مبتدئٌ وفيها ضليع، ولكن هذا لا يعطي الحق أبدًا في منع المبتدئ من مغالطة الخبير، أو على الأقل أن يقول ما يريده وينتمي للجهة التي يفضلها ويعارض ويؤيد من يشاء، ليس بالضرورة أن يَصدُق القائل بأن السياسة أصبحت مجالًا للشهرة أو كسب المنصب، وأن كل ما يجب فعله هو شتم رجل السياسة والتشكيك بكل ما يقال بناءً على مبدأ: « خالِفْ، تُعرَف»، رغم أن هذه الحالات موجودة في أماكن عدة!

لا بأس بأن نكون أطفالًا للسياسة إن أرادوا، أو أبناءها الهواة، أو أقزامًا أمام تضخّمها الهائل عبر تراكم السنوات، ولا بأس أن نجهل مسارات طرقها الملتوية والتي يسحبنا إليها المتنفذون؛ إذ يكفينا فقط أن نعرف نهاية الطريق لنقف في وجهها بأذرع مفتوحة.

إن اهتمام كل فرد بالسياسة حتى وإن كان غير عالمٍ بها، سيشكل حالة من الوعي العام الذي لن يسمح بالصراع السياسي أن يمدّ يديه ليبطش أكثر في حياة الواحد منا. وليس من المفترض انتظار حالة الطوارئ لنشعر بدورنا في صنع القرار، فالقرارات تصنع كل يوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد