الدعوة إلى البحث في العملية السياسية داخل الوطن العربي تعني في وضوح تام الدعوة إلى البحث في مسببات المعضلة العربية؛ إذ تشكل أزمة السياسة أحد الأوجه البارزة لها، فبالقدر الذي تزايدت فيه الدعوات إلى عقلنة العمل السياسي وإصلاحه على مر التاريخ القديم والمعاصر، فإن وضع هذه التجربة على محك التشخيص تحملنا إلى حسبانها في حالة أسوأ، بلغ فيها مستوى التقهقر أوجه وبدا متوافقًا مع مقولة إن «الغالبية العظمى من الأنظمة السياسية العربية تتوافق مع الاستبداد دلالة ومضمونًا».

إن السياسة لهي المدخل الأساسي لتدبير شؤون المجتمع، كما تركز على ربط ماهيتها بالسلطة من خلال القدرة على التأثير في الناس ودفعهم إلى القيام بالفعل أو الامتناع عنه، وتشدد من جانب آخر على فكرة استناد السلطة إلى الشرعية حتى تكون سوية كما يقول لويس دومون «ليست ماهية الحياة البشرية في صراع الجميع ضد الجميع، ولا يمكن أن تكون النظرية السياسية نظرية النفوذ، وإنما نظرية السلطة الشرعية»، لذلك فتدبير شؤون المجتمع يفترض فيه أن يستند إلى شرعية واسعة تمكن الماسك بتلابيب السلطة من ممارسة السياسة على النحو الذي يتحقق فيه الرضا العام، على أساس أن يكون التداول على تدبير أمور الناس محكومًا بقواعد الديمقراطية لما تتيحه من إمكانية لإشاعة وضمان حكم القانون والفصل بين السلطات، وتعدد الأحزاب، وتنظيم انتخابات عامة دورية ونزيهة.

قد تبدو المماثلة بين هذه المبادئ الديمقراطية وما يجري في الوطن العربي أشبه بثنائية طرفها الأول الأمل وطرفها الثاني الخوف؛ إذ تملك الأنظمة العربية ما يكفي من الشجاعة لتكتب في دساتيرها مقتضيات تمتح من مرجعيات الحقوق والحريات، وفصل السلطات، ومبدأ حكم المؤسسات ما يفسح المجال إلى توق الآمال وحسبان المأسسة، والتنصيص مداميك وروابط أتت لعقلنة العمل السياسي، غير أن هذه الروابط بقدر ما تشكله من عناصر إيجابية للتأثير والتأثر بين التنصيص والممارسة، فإن الأنظمة العربية سرعان ما تقذف بهذا التنصيص في دائرة اللايقين مخافة من اختبار شرعيتها التي ما تزال مهزوزة إلى يوم الناس هذا، ولعل ما عانيناه وما نعانيه من أمراض العمل السياسي داخل الوطن العربي مأتاه من هذه الإبانة.

تعيش السياسة في الوطن العربي أزمات عدة ويرتبط جزء كبير من هذه الأزمات بالاستبداد الذي عمر منذ زمن طويل، ولم يوشك على المغادرة، وهو عينه الفعل الذي استبد بالعمل الحزبي وأنتج لنا نخبًا حاكمة تتحكم في شؤون الناس لحظة وصولها للسلطة بإرادتها لا بإرادتهم، وتدبر أمرهم وفق هواها كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب، محققين على حد قول الكواكبي، فلا غرو إن وجدت علاقة سببية بين العمل الحزبي وأزمة السياسية والاستبداد، والحق أن السياسة والتداول على ممارسة السلطة لا يمكن أن يجري بمعزل عن الظاهرة الحزبية، ولئن كانت هذه الأخيرة نشأت في السياق العربي لحظة استعمار بلدانها، فإن مجيء الاستقلال أفضى بهذه الأحزاب إلى تصدر المشهد السياسي لما تملكه من مشروعية نتيجة مقاومتها للاستعمار؛ إذ استفحال سلطويتها واستبدادها في الزمان برر بمقاومتها للاستعمار كما هو الحال مع جبهة التحرير الوطني في الجزائر والحزب الوطني الديمقراطي في مصر قبل حله سنة 2011 وحزب البعث في سوريا.

يبتغى من العمل السياسي في جل الأحوال أن يتفاعل مع المجتمع ويتبوأ مكانة الصدارة داخل كنفه بشكل يسمح بمسايرة توجهه واستقبال طلبه وضبط حركيته، فهو المدخل الأساسي والأمر المطلوب لإعادة وعي الصلة بين المجتمع والسياسة على نحو يتيح فرصًا لتصحيح المسار الذي عرفته السياسة في الوطن العربي، ففي أذهان الشعوب العربية اقترنت السياسة بالمكر والخداع والوصولية والانتهازية… ولعل هذا الاعتقاد مرده في جزء كبير منه إلى حالة الانفصال بين الشعوب العربية والسياسة، ولئن كانت الحياة السياسية تعيش على النظام التمثيلي، أي على قاعدة اختيار الشعب من يمثله لتسيير دواليب السلطة وتدبير أموره بشكل تداولي وسلمي، فإن هذا الاعتراف للشعب بهذا الحق لم يتحقق على الوجه الكامل، لأن عقيدة السياسة في الوطن العربي ما زالت تتأسس على النظرية الثيوقراطية للحكم القائمة على اعتبار أن من يسوس الناس هو خليفة الله في أرضه؛ إذ سلطته لا تتدخل فيها إرادة الشعب ولا ينبغي أن تكون محل السؤال والحساب لأنه مسؤول أمام الله فقط.

قد تبدو هذه الفكرة ساذجة بحجة أن الأنظمة السياسية العربية طورت من نفسها طيلة العقود الثلاثة الأخيرة، بحيث باتت تشهد تعددية سياسية وانتخابات دورية وأحزاب سياسية قوية، وأنها أصبحت بفعل ما يجري في العالم من تحولات تنهل من الفكر الديمقراطي، وقد يحتج محتج بالقول إننا إزاء نماذج تحقق فيها إشراك الأحزاب السياسية في الحكم وتقرر فيها نظام فصل السلط، بيد أن محاولة تفكيك المشهد السياسي العربي توحي بأنه وإن تشابهت الوسائل المعتمدة لما يصح نعتها بالديمقراطية المتنافية مع الحكم الفردي، فإن هذه الوسائل لم توظف إلا لتأييد ومساندة الاستبداد ما دامت قادرة على النجاح في تأمين استمرارية الحاكمين وحصد المزيد من المشروعية لصالحهم.

إن البيئة العربية لا تنمو فيها السياسة ولا تسمح بذلك، لأنها بيئة نابذة لكل ما من شأنه أن يوقف الحكم الفردي، وسياسيو العرب تهجسوا بهاجس احتكار السلطة بشكل يقف سدًّا منيعًا أمام فكرة المشاركة والتداول؛ إذ تصبح معه السياسة شأنًا خاصًّا لا شأن للمجتمع به، وبيان ذلك ازدياد الفجوة بين المجتمع والسياسة أصبح المجتمع فيه بعيدًا عن السياسة وإن حضر فليس إلا من أجل خدمة الحاكم وطاعته، فأولى الأزمات التي تتخلل السياسة في الوطن العربي تكمن في عسر الانتقال من مجتمع الرعية إلى مجتمع المواطنة، يصبح فيه للإنسان حقوق تخول له المشاركة في الانتخابات والتداول على السلطة، والحق في الوصول إلى المناصب العامة، وثانيها هيمنة التقليد وصعوبة الانتقال من المجتمع الطائفي إلى المجتمع المدني… إذ ما زالت الطائفية بأنواعها (المذهبية، الدينية، القومية…) تحكم بنية المجتمعات العربية فتصير فعلًا عائقًا لقيام سياسة مبناها الديمقراطية، ولعل الحالة الفريدة التي تمثل ذلك تجد آثارها في كل من العراق ولبنان.

ولئن كانت بعض إرهاصات التحديث السياسي بدت تطفو على جغرافية الوطن العربي وتجد لها صدى في بعض المؤسسات والظاهرة الحزبية، فإن العمل السياسي العربي لم يستوعب سمات النموذج الديمقراطي، وظل متأثرًا بمنازع الحكم الفردي جاهزًا على كل محاولة للتداول على السلطة والرقابة النيابية والشعبية عليها، فإلى جانب الأزمات السالف ذكرها، يستعرض عبد الإله بلقزيز في كتابه الموسوم بـ«نقد السياسة» أسبابًا أخرى كانت وراء أمراض العمل السياسي بالوطن العربي يجملها في الجمود العقائدي – الدوغمائية – الذي استبد بالعمل السياسي، حسبه، وأسس لنزعة نصية تعد النص هو المؤسس للسياسة وليس الواقع، ثم النزعة الدعوية المهيمنة على العمل السياسي بوصفها سمة تلازم كل خطاب أيديولوجي ذي طابع تبشيري، إضافة إلى العدمية السياسية والقصووية السياسية المقرونة بالإرادوية تبتغي القفز على المراحل والذهاب إلى الأبعد، إلى الهدف النهائي لعملها السياسي، ويشدد على اعتبار الشعبوية والانتهازية والعنف السياسي والبيروقراطية مسببات تتصل اتصالًا شديدًا بما آلت إليه أوضاع العمل السياسي في الوطن العربي.

لم تكن السياسة كفكرة في يوم من الأيام مرتعًا للمستبدين والوصوليين والانتهازيين، وإنما عدت مجالًا يتيح إمكانية التداول على السلطة وتدبير أمور المجتمع وفق برنامج يضع حاجيات المجتمع ضمن أولوياته بشكل سلمي، فالإشكالية المركزية التي يعاني منها الوطن العربي توجد في عاملين؛ هيمنة الاستبداد وغياب الديمقراطية، إذ تتفرع عنهما مشكلات أخرى -أشرنا إليها أعلاه- تشكل عائقًا حقيقيًّا أمام عملية التقدم، فتنمية الوعي السياسي داخل الوطن العربي ضرورة ملحة لتجاوز الوضع المتهالك الميؤوس منه والمحفوف بالكثير من المخاطر، لعل أبرزها تزايد حدة الاحتقان الاجتماعي، والتخلف، وعدم الرضا العام، وإذا ما استطعنا مقارنة أنفسنا بمن سبقونا وتساءلنا ما الحل لإحداث القطيعة والمضي قدمًا نحو التغيير؟ لقلنا إن الحل الوحيد الذي بوسعه تحقيق ذلك، هو الديمقراطية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد