لو سألت الشباب الجزائري عن السياسة لأجابك بعفوية ” خاطيني البوليتيك !”، بمعنى ليس لدي أي اهتمام بالسياسة، بل إن بعضهم يمقتها !

 

نسبة الشباب في الجزائر لا يستهان بها فهي تقدر بـ 75 بالمائة أي ثلاث أرباع الشعب، لسنا هنا بحاجة للاعتماد على إحصاءات ودراسات علمية للخروج بنتيجة مفادها انتشار الإعراض عن السياسة بشكل عام، وفي أوساط الشباب بشكل خاص.

 

وهذا ملفت لأنه يحدث في بلد كغيره من بلدان العالم الثالث التي تعج بالمعضلات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تستلزم انخراطاً مضاعفاً في السياسة وتوسيعاً لنطاق الاهتمام بالشأن العام لمواجهة تلك المعضلات، إذا تكلما عن العالم العربي فإن الجانب السياسي السائد هو القمع والذي يترتب عليه تقديم تضحيات أحياناً تكون كبيرة فعلاً كثمن للانخراط في العمل السياسي.

 

والاشتغال في السياسة معناه توقع حدوث خسائر معتبرة على المستوى الفردي، وتوقع مستوى من التضحية قد لا يتناسب مع ما يمكن إنجازه على أرض الواقع. و قد تكون الطريق إلى فقدان الوظيفة، والمطاردة في الحياة، والتضييق في وسائل العيش، والنبذ من قبل النظام الحاكم، وقد تنتهي بالسجن، هذه الأسباب أو أحدها قد يكون مبررا كافيا لعزوف الشاب عن السياسة.

 

في المقابل فإن عدم انخراط الشباب في العمل السياسي والمجتمعي يعني عدم وجود فاعلية شبابية، سواء في البلدان المستقرة والناجزة ناهيك عن البلدان القلقة والحبلى بالمشكلات، وأكيد أن مستقبل تلك البلدان لن يتصف بالإشراق.

 

شيخوخة حاكمة فاشلة !

   إن المتتبع لتاريخ الجزائر يقف احتراما لأولئك الشباب المؤمن بالحرية والتحرر، والذين قاوموا الاستدمار الفرنسي بأغلى ما يملكون، كما كان أغلبهم شباب لا يتجاوز العقد الثالث من أعمارهم، لكن المتتبع نفسه لا يكاد يصدق أداء بعض هؤلاء بعد استرجاع السيادة حيث تحولوا إلى شيوخ يحكمون الجزائر باسم الشرعية الثورية.

 

ليس لغيرهم رأي ولا لأبنائهم من بعدهم وقد صاروا كهولا، فما بالك بالجيل الثالث بعد الاستقلال، شيوخ حكموا ومازالوا يحكمون، لقد تدرج هؤلاء البعض ممن كتبت لهم الحياة بعد الاستقلال في مختلف المناصب حتى استأثروا بالحكم لأنفسهم، فمثلا رئيس الجمهورية ورئيس أركان الجيش ورئيس المخابرات  كلهم قاربوا الثمانين من أعمارهم، فما الذي حدث حتى صار شباب الأمس لا يؤمنون بحق شباب اليوم في المشاركة الديمقراطية في الحكم و بناء الدولة الوطنية ؟
ما من شك أن تضحيات الشباب في ثورة التحرير كانت كبيرة جدا، ونحن نحترمها ونقدرها ونعتز بها، حيث رحل عن الجزائر آن ذاك خيرة الشباب ممن  سطروا التاريخ الأبهى للجزائر في القرن العشرين، وصنعوا بها ثورة تدرس في كتب التاريخ.

 

كيف لنا أن ننسى تضحيات الشباب من أمثال العربي بن مهيدي والعقيد محمد شعباني وديدوش مراد وعميروش وبن بولعيد وخيضر وغيرهم من أبناء الوطن المخلصين، لكننا نرى اليوم كثيرا من الطفيليين أو بالأحرى الأبناء المتأخري الولادة الثورية الذين استفادوا من الثورة وهم يمسكون بزمام الحكم، مقاومين ورافضين لأي تغيير يأتي من الآخر باسم الشرعية الثورية المزعومة، يتقاسمون الريع و يصادرون الرأي وحرية التعبير باسم المحافظة على الوطن، وهم عن الوطنية أبعد ما يكون، لقد اختاروا لنا طريقا غير التي نريد، لقد جعلوا للجزائر لغة وطنية رسمية ليست العربية بكل تأكيد، وليست الأمازيغية رغم الوعود!

 

لقد اختاروا أن يخاطبونا بلغة فولتير ليقولوا لنا : أيها الناس، إن الجزائر قدر لها أن تكون فرنسية للأبد، ونريدها أن تكون فرنسية ولو لم ترد فرنسا، قالوا لنا إن شباب ما بعد الاستقلال تنقصه الوطنية ،ولا يجب أن توضع الثقة فيه وكأن هذا الشباب هو الذي يحمل أكثر من جنسية ؟!..

 

لقد علمنا حكامنا هؤلاء كل شيء إلا التربية و التعليم، كل شيء إلا حب البقاء في الجزائر، اختاروا أن يعلمونا كيف نقدس الجهل بعدما أسسوا للجهل في مدارسنا، اختاروا لأنفسهم العلاج في مستشفيات الغرب أما صحتنا فهي بخير ما دام العلاج مجانيا، لكن في مستشفيات تساعدك على الموت، ولنمت بإنفلونزا الصراصير والخفافيش و ليأكلنا الطاعون و الجرب والقمل؛ فنحن لسنا أفضل من جيراننا في النيجر ومالي.

 

أما عن الاقتصاد فحدث ولا حرج، انهارت أسعار البترول فانهار الاقتصاد حتى أعلنت الحكومة حالة التقشفن وانهار الدينار إلى أدنى مستوياته وأغلقت الكثير من المشاريع، حسبنا الله ونعم الوكيل، إن شيوخ الحكم في الجزائر قدموا من أجلنا ومن أجل مستقبل الأجيال أروع الأمثلة في التضحية بالغالي والنفيس، ومن شدة حبهم لنا وفروا لنا أموالا في بنوك سويسرا وأمريكا وفرنسا حتى إذا تعرضت البلاد لا قدر الله لأزمة ما، نستطيع استرجاع تلك الأموال، وهذا الإجراء فيه فائدة عظيمة حتى تصان أموال الشعب و لا تتعرض للنهب والاختلاس من الفاسدين المفسدين. حسبنا الله ونعم الوكيل !

 

“لا تخلطوا الدين بالسياسة”.. خدعتكم بالية !

في سنوات دراستي الجامعية كثيرا ما كنت أسمع عبارات، انخدعت بها كما ينخدع الكثير من الشباب ، عبارات يرددها الوهابيون كما يرددها العلمانيون فكلهم اعتبر الإسلام بعيدا عن السياسة ، ولهم نقول، إن السياسة والعمل السياسي مسئولية جماعية ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) :  كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ، وقال: (من أصبح لا يتهم بأمور المسلمين فليس منهم ). 

 

كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم مارس العمل السياسي منذ شبابه وبداية الوحي ونشره الرسالة، وهناك الكثير من الأحداث والنماذج في سيرته العطرة، لعل أبرزها دستور المدينة كمثال، فقد قامت الدولة في المدينة ولها رئيس واحد وشعب ودستور ومنهج ورقعة جغرافية وهيكل إداري متكامل متجانس يفي بمتطلبات المرحلة، واقتصاد حر منضبط يحقق الاكتفاء، وقد عمل كحاكم لهذه الدولة على تنظيم الحياة العامة وترتيب الأوضاع الخاصة بالجماعة المسلمة أو التنظيم الإسلامي المعلن في المدينة بالإخاء وحـل المشاكل الاقتصادية.

 

وكان المرجع للأمة وفق الدستور الذي وضعه من أول يوم، وكان المسجد مركز التقاء الحاكم بالمحكومين يوميا في مركز الدولة ومقر القيادة العليا، حرك منه الجيوش وأصدر منه الأحكام وبعث الرسل المنتدبين وعين الولاة والقضاة وشاور الناس فيما ليس فيه نص، ولا تسع هذه المقالة لذكر كل النماذج.
ومعناه أن الإسلام أقحم الفرد في أمر يهمه ويهم مجتمعه، ألا وهو العملية السياسية، لما لها من أثر فاعل ومؤثر في حياتنا جميعاً، لأن السياسة في المفهوم الإسلامي تعني رعاية شؤون الأمة وتأمين مصالحها، ولذلك نجد الصراع قائماً بين الشعوب وحكامها عندما يـتخلفون في أداء مسؤولياتهم، أو عندما يظلمون ويستبدون .

 

 

إن السياسة والعمل  السياسي ضرورة عند المسلم الحق مقترنا بالدين الحق، وهي عند العلمانيين سياسة لعمران الدنيا بلا دين، فلا تصلح لهم دنيا ولا تسلم لهم آخرة، باعتبار السياسة لديهم “الممكن من الواقع”.

 

 لماذا يجب أن يهتم الشباب بالعمل السياسي : 
1 ــ لأن الشاب يحمل طاقة جسدية وعنفواناً يؤهله للصراع والتحدي أكثر من غيره .
2 ــ لأن العمل السياسي يستلزم العمل ضمن الجماعات السياسية، والشباب في هذه المرحلة يبحثون عن التعبير عن النزعة الجماعية فيهم، وهي الانتظام مع الجماعة ، فيدفعهم نحو العمل السياسي دافع غريزي. فقط يحتاجون من يرشدهم ومن يهتم به ويقدمهم إذا كانوا أكفاء في مجالهم.
3 ــ في مرحلة الشباب والمراهقة يتجه الإنسان الى التجديد والتغيير، لاسيما وأن العالم يتطور بسرعة هائلة من حوله وبخاصة في مجال التقنية والعلوم والتكنولوجيا، فينخرط الشباب في العمل السياسي رغبة في التغيير والإصلاح، والالتحاق بمظاهر التقدم الحضاري.
4 ــ في مرحلة الشباب يكون الطموح في احتلال دور اجتماعي بارزاً جداً، وكذلك التعبير عن الإرادة، مما يدفع الشباب الى الدخول ضمن حركات وتيارات سياسية بهدف تحقيق ذلك.
إن الأمة بحاجة الى الشباب كل الشباب ، فهم أعظم وأغنى ثروة يملكها أي وطن إذا وجدت الإرادة والسياسة الحكيمة في استثمارها للبناء و التقدم وإلا فالدمار للوطن يكون بحجم تلك الثروة.

 

فالشباب هم الطاقة التي تحرك كل مفاصل الحياة، ونحن اليوم نعيش نهضة سريعة على مختلف الأصعدة، والجزائر كغيرها من الدول العربية لن تكون بعيدة عن هذه النهضة بحول الله، فما أحوجنا الى دم الشباب الساخن، والى روحهم الفياضة بالعنفوان، ليدفعوا بالعملية السياسية الى الأمام، ويتحملوا مسئولية الارتقاء به إلى مصاف الشعوب المتقدمة .

 

فيا شباب الجزائر كونوا أو لا تكونوا !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد