خرج علينا العندليب الجديد في ثوبه العسكري يعلن «انتو مش عارفين انتو نور عينينا ولا إيه» وابتسمت العذارى وخرجت الراقصات تتلوى أمام اللجان ووقفت النساء في الشرفات تحيي هذا المغني بعبارات «اغمز بعينك» وغيرها وفجأة يتوقف الزمن ويتحرك العندليب مغنيًا لكن هذه المرة ليس بالصوت وإنما يبدأ حفله بإراقة دماء الآلاف من أبناء وطنه بل وإحراقهم وتشويههم وتراه بعد انتهاء الحفل يتراقص ومحبوه على جثث الضعفاء الذين سفكت دماؤهم بغير وجه حق إلا طلب الحرية والكرامة لأبناء وطنهم. لكن صوت الزغاريد من جواري العندليب غطى على الحدث الذي لم يعرف التاريخ له مثالًا ولم يتخيل أعتى السفاحين أن يوجد في العالم كله من يسفك كل هذه الدماء البريئة ولم يرف له جفن والحق أن العندليب طبعه منذ زمن كان التغذي بدماء الأبرياء وأول ضحاياه كان الشهداء والمصابين يوم الجمل بالتحرير وثاني ضحاياه كان مذبحة بورسعيد وغيرها من مذابح قد سبقت رابعة ولم تكن رابعة الأخيرة.

العندليب صاحب الصوت الناعم وتلوي الثعبان بدأ الحفل بالدم والسلاسل التي شبك بها ما يزيد حتى الآن على مائة ألف  من أبناء شعبه قد ضجت بهم السجون حتى بات المعتقلون ينام بعضهم ويقف بعضهم لعدم اتساع المكان. ولم يكتف العندليب بذلك بل دمر الاقتصاد ورفع سعر الدولار ثلاثة أضعاف وارتفعت السلع الغذائية وكل ما يخص المواطن من ملبس ومأكل، وقريبًا يجدب المشرب وما زالت موسيقاه المقززة تعزف ويرقص على أنغامها المعتوهون والحمقى والعاهرات.

يغني العندليب كما نسمع أغاني الوطنية وينسف كل ما يذكر بها فينسف سيناء ويدمر مصانعها ويهجر أهلها ويجردها من مفخرتنا الكبرى في حرب العاشر من رمضان .بل ويتهم كل من عارضه بالخيانة وهو الذي باع تراب الوطن في صنافير وتيران وقد علمونا أن الدولة هي تراب وشعب وحكومة ومن يفرط في واحد منها خائن فكيف بشعب سجن ومنع أبسط الحقوق وتراب تم بيعه بكل بساطة وحكومة تهدم القيم وتقسم نسيج الوطن المتماسك وتسبح بحمد العندليب.

هو العندليب يشحت من شعبه لصندوق تحيا مصر ويغني مقطوعات القهر والدماء بين حين وآخر لأن العندليب هو رسول الدماء كما تنبأ بها في حلمه الدموي السابق، لا يهدأ له بال حتى يسفك دمًا جديدًا، وإذا لم يوقفه الشعب فلن يهدأ حتى يقتل الجميع ثم يغني مقطوعته المفضلة «الوطن يعني حضن» ويسدل الستار وينتهي المشهد بخراب وطن طالما تغنى به شعراء الشرق والغرب.

فيا أيها النائمون استقيظوا قبل فوات الأوان وقاطعوا حفلات العندليب قبل أن يسقط المسرح على رأس الجمهور ويخسر شعبنا كل شيء ويكون الحي الوحيد هو العندليب الملعون الذي ما أدخل يده في خضراء إلا يبست ولا دخل بمشروع إلا فشل ولا غنى لغير المهووسين به إلا خسر.

عندليب الحكم لا يوقف غناء قهره أحد يقتل حينًا ثم يهدأ فيعتقل حينًا آخر ينظر حوله فيرى المفكرين فيحطم جماجمهم ليبني منها جسرًا يغني وحده عليه.

غناء أسود واتشاح بالسواد وسماء غطتها سحب سوداء وأرض أقفرت من قلة الماء فبدت من تشققاتها سوداء وبدت وجوه الناس من شدة الجوع سوداء.

هذه هي الحال في بلاد العندليب ولن يزيل هذا الكابوس إلا فرسان الكرامة وحملة لواء يناير 2011 ومن ما زال يداعب خياله وطن فيه عيش وحرية وكرامة اجتماعية.

وستظل مصر كما قال عنها الشاعر السوداني العباسي:

مصر وما مصر سوى الشمس التي *** بهرت بثاقب نورها كل الورى

ولقد سعيت لها فكنت كأنما *** أسعى إلى طيبة أو أم القرى

أحبك يا وطن، والحرية لنا قريبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد