هل تعرفون من أنا؟

مواطن يسكن في دولة «قمعستان»

وأول البنود في دستورها

تلغى غريزة الكلام في الإنسان

– قصائد مغضوب عليها نزار قباني

لا يخفى على أحد أن الشاعر الكبير نزار قباني قد سطع نجمه في الأغراض الشعرية التي تحوم حول فلك الحب والغزل وكل ما يتعلق بالنساء، حتى لقب بشاعر المرأة. لكن ما يجهله من لم يغص في أعماق شعر نزار قباني وأعماله النثرية، أن الدبلوماسي الأديب قد سخر القوافي وبديع كلماته لمحاكاة الواقع العربي الذي عاش انتكاسات وانحطاطات ألهمت الجميع ليناضل كل بطريقته. فقد كان لفشل الثورات التحررية صدى عميق في نفوس الشعراء، خاصة من كان شعره حرًّا يتجاوز البناء التقليدي العمودي وخصائصه، والشاعر الشاب آنذاك نزار قباني لم يكن ليحيد عنهم، فقد جاء على لسان شعره نكسة يونيو (حزيران) التي اغتصبت فيها سيناء والجولان والضفة الغربية، بحيث نشر قصائد تعلن العصيان وتحرض جمهورًا واسعًا من الشباب المفكر، وكانت قصيدته السيرة الذاتية لسياف عربي كالسياط الحارق الذي يلهب ظهور الطغاة من الحكام العرب الذي جلسوا في قمة الحكم وأمروا الشعب بالخضوع لدكتاتوريتهم.

1. بداية الشعر السياسي في أعمال نزار قباني

لقد انقسم الباحثون عن وضع بداية دقيقة للمضامين السياسية في شعر نزار قباني، حيث نجدهم ينتمون لرأيين: مرحلة ما قبل النكسة، ومرحلة ما بعدها، باعتبارها الحدث الذي زعزع شعر مطلع الشباب لدى نزار الذي طغى على محتواه الغزل والمرأة ودعوتها لتحرير نفسها والانقلاب على سلاسل العادات. غير أن نزار قباني قد عبر عدة مرات عن رفضه التام لهذا التقسيم، لرؤيته أن شعره واحد، ويقول «إنما يوجد الشعر نفسه، الشعر المنفعل بالعصر وبالأرض وبالإنسان، إنني أكتب عن المرأة والقضية بحبر واحد، وأقاتل لتحرير المرأة من رسوبات العصر الجاهلي، كما أقاتل من أجل تحرير الأرض من حوافر الخيول الإسرائيلية..».

ونسجل أيضًا أن أولى محاولات انتقاد الواقع العربي جاءت في أول دواوين قباني «قالت لي السمراء»، تحديدًا قصيدة ورقة إلى قارئ واسمها وكذلك قصيدة حبيبة وشتاء.

«قالت لي السمراء» حين صدوره أحدث وجعًا عميقًا في جسد المدينة التي ترفض أن تعترف بجسدها أو بأحلامها.. لقد هاجموني بشراسة وحش مطعون، وكان لحمي يومئذ طريًا.

لكن ما يجعل الدارسين للشعر العربي الحديث يميلون مع طرح أن شعر نزار ليس نفسه ما بين النكسة وفترة لحقتها أنه لم يعالج القضايا القومية قبل، وكانت العفوية تميز إنتاجاته حين يسيل مداده ويتحدى واقع العالم العربي، حيث في فترة كان يعرف وسطه الدمشقي الغليان ويعيش على وقع أحداث تاريخية مهمة، أصدر ديواني أنت لي وسامبا، اللذان انفردا بتصوير المرأة، أي بحسب النقاد لم يتأثر في تلك الفترة الحساسة شعره بالسياسة بشكل كلي ولم ينقلب إلى شاعر الثورة والدماء.

وبالتالي فقد كانت نكسة يونيو رصاصة أصابت قباني في أعماقه، ولم يجد غير الشعر الذي يطاوعه فأشهر كلماته تعبيرًا عن غضبه ونشر قصيدته القومية هوامش على دفتر النكسة.

وبقصيدته تلك، قد تمكن نزار قباني من الدخول إلى مجال الشعر السياسي من بابه الواسع، وأثار ضجة مدوية في سماء الوطن العربي.

نذكر أن نزار وبعد تخرجه من كلية الحقوق، قد اشتغل في الحقل الدبلوماسي طويلًا، ومثل بلده سوريا في عدة دول، أي أنه كان في قلب العمل السياسي ولم يمارسه على الورق فحسب، لكن في سنة 1966م كان الانسحاب النهائي من العمل السياسي، وانتقال قباني إلى بيروت ومن ثمة العراق التي كتب فيها على أرض الأعظمية أول لقاء مع حبيبته بلقيس. أمَّا في بيروت فقد ولدت قصائد نزار قباني السياسية الأولى، وفي بيروت أيضًا اعتبر أنَّه يمتلك حرية الكتابة حين قال «عدت إلى بلد لا يضربني على أصابعي عندما أكتب».

 

لكن بيروت التي لم تقمع شعره قد منته بمفاجأة سيئة، وهي انفجار السفارة العراقية التي كانت تشتغل بها زوجته في حادث إرهابي عنيف، وأصدر بعدها ديوانه الشهير بلقيس، الذي شكل أكثر من مجرد رثاء لمعشوقته بلقيس، بل رثى عبره المدن والشعوب كلها وهاجم الحكام والسياسيين.

شُكرًا لكمْ… شُكرًا لكمْ
فحبيبتي قُتلتْ وصارَ بوسْعكم أن تشربوا كأسًا على قبرِ الشهيدةْ
وقصيدتي اغتيلت … وهَلْ من أُمَّةٍ في الأرضِ -إلَّا نحنُ- تغتالُ القصيدةْ؟

وفي مقطع آخر من القصيدة يهاجم قباني العروبة وأهلها:
أيّة أُمَّةٍ عربيةٍ تلكَ التي تغتالُ أصواتَ البلابِلْ؟
أين السَّموألُ؟ والمُهَلْهِلُ؟ والغطاريفُ الأوائِلْ؟
فقبائلٌ أكلتْ قبائلْ، وثعالبٌ قتلتْ ثعالبْ، وعناكبٌ قتلتْ عناكبْ.
قَسَمًَا بعينيكِ اللتينِ إليهما تأوي ملايينُ الكواكبْ
سأقُولُ، يا قَمَرِي، عن العَرَبِ العجائبْ
فهل البطولةُ كِذْبَةٌ عربيةٌ؟ أم مثلنا التاريخُ كاذب

القضية الفلسطينية في شعر نزار قباني

كأي شاعر عربي يعتز بقوميته وعروبته كانت فلسطين محطة شكلت الفرق في مضامين شعر نزار قباني، حيث عبرت قصائده عن الدعوة إلى النضال، وصورت ماسي المكبة وواقع الحكام العربي ومواقفهم المخزية من القضية، وكذلك صورة المقاوم الفلسطيني. وكما سجلنا سابقًا في نصنا هذا، أن نكسة فلسطين اعتبرت مرحلة مفصلية في شعر قباني، وقسمت مضامينه إلى قسمين.

إن أول ما يلفت في شعر نزار هو رفضه القاطع للمصير الذي لاقته فلسطين على أيدي المحتل الصهيوني، فوجد نفسه يحارب بكلماته ليبين أن الأرض لأصحابها وتلك الديار المسلوبة لن تنسى جدرانها ملاكها المرحلين عنها رغم أنف السنين، يقول نزار:

لن تجعلوا من شعبنا هنود حمر
فنحن باقون
فهذه بلادنا
فيها وجدنا منذ فجر العمر
فيها لعبنا وعشقنا
وكتبنا الشعر

كما تظهر دعوته إلى الثورة والمقاومة المسلحة لاسترداد ما تم أخده عنوة وظلمًا، وصرح أنه يستحيل على الفلسطينيين استرجاع ما لهم عبر المفاوضات المزعومة ومعاهدات السلام، فقد عبر عن فشل تلك المفاوضات قائلًا:

ظل الفلسطيني أعوامًا على الأبواب
يشحذ خبز العدل من موائد الذئاب
ويشتكي عذابه للخالق التواب

كما تجلت الروح الثورية والدعوة إلى المقاومة عند قباني في قصيدته طرق واحدة التي دعى فيها الثوار إلى المزيد من الصبر والعزيمة لتحقيق ذلك النصر المرجو وتحرير فلسطين العزة. وقد وجه نزار قباني من خلال شعره مجموعة من الرسائل للمقاومين حتى أنه عبر عن رغبته في المشاركة المسلحة في قصيدته أصبح عندي بندقية.

بالإضافة إلى ذلك، نجد أن صور مأساة فلسطين شغلت حيزًا كبيرًا من شعره، فعبر عن ألمه واحتقانه لهذه المأساة التي ما تزال تجثم على أنفاسنا لليوم. فيوم احتل الصهاينه فلسطين الموصوفة بمهبط الديانات السماوية ومصدر الوحي والإلهام، وقف نزار قباني أمام القدس كأنه شاعر جاهلي يقف أمام أطلال الحبيبة، وقف ليبكي على ماض ولى وعودته تتطلب إراقة المزيد من دماء الشهداء. فيقول:

يا قدس يا مدينة الأحزان
يا دمعة كبيرة تجول في الأجفان
من يوقف العدوان؟
عليك يا لؤلؤة الأديان
من يغسل الدماء عن حجارة الجدران
من ينقذ الإنجيل؟
من ينقذ القرآن؟

وقد استمرت هذه المشاعر الحزينة في نفس نزار وظهرت في بكائه على فلسطين الذي يشبه البكائيات على أمجاد العرب، وهذا الملمح الحزين في شعره ترجم إلى شعر مصحوب تارة بالأنين الخافت والألم المر تارات أخرى، فوقع باسمه العديد من القصائد الشعرية التي تدور حول فلسطين ومعاناتها نذكر على سبيل المثال القدس، وحوار مع أعرابي أضاع فرسه، ومنشورات فدائية على جدران إسرائيل وغيرها الكثير.

نزار قباني والطرد

لم يستطع نزار أن يبقى في بيروت بعد الحادث المروع الذي شهد، فقرر الرجوع إلى مصر أول بلد استهل به مسيرته الدبلوماسية، إلا أنه لم يستطع أن يتخلى عن السياسة الشعرية بعد توقيع السادات لاتفاقية كامب ديفيد، فكتب قصيدة مشهورة بعنوان (اليوميات السرية لبهية المصرية) والتي كانت نقدًا لاذعًا للرئيس السادات وصل حد الهجاء رغم أنه لم يهجُ زعيمًا بالاسم من قبل إلّا الرئيس الراحل أنور السادات، ولم يمدح أو يرثي زعيمًا عربيًّا معاصرًا إلَّا جمال عبد الناصر، لكنه في قصائده كان يهجو كلَّ الزعماء العرب.

وكان يتناول القمع الذي تمارسه السلطة السياسية العربية على شعوبها من المحيط إلى الخليج، كما جاء في قصيدة تقرير سري جدًا من بلاد قمعستان وقد تسبب له موقفه في حملة إعلامية كبيرة ضد نزار قباني، كما تسببت هذه القصيدة بعدم قدرته على البقاء في مصر أكثر من عام واحد. فانتقل منها إلى سويسرا عام 1984 ومنها إلى لندن فكانت المدينة التي شهدت على موته.

قد يظن البعض أن الشعر والأدب لم يشكلا فارقًا لا في النضال ولا في المقاومة، إلا أن أدب المقاومة الذي ذاع صيته بفضل ثلة من الأدباء العرب كغسان كنفاني ومحمود درويش وغيرهم كان ولا يزال سببًا كبيرًا في التعريف بقضايا وإيصال الأصوات المكتومة إلى العالم وتهييج الرأي العام، وإن كانت اليوم الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي مؤثرة في دعمها وتسويقها للمآسي الإنسانية بدوافع نضالية، فالشعر السياسي كان يمارس نفس الضغط وقاوم عقودًا من الزمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد