في مثل هذا اليوم من عام 2016، قررت السفر إلى دولة جورجيا باحثًا عن فرص استثمارية في هذه الدولة الصغيرة ذات الماضي السوفيتي العتيد. جئت إلى جورجيا محملًا بالكثير من الخبرات السياسية المؤلمة؛ فأنا أحد الملايين الذين آمنوا بثورة 25 يناير في مصر، واستنفذت المشاركة في أحداثها طاقاتهم واستحوذت على كل اهتمامهم.

التحديات كانت كثيرة، كشاب لا يتحدث غير العربية والإنجليزية، ولكن سرعان ما تعلمت الروسية والجورجية وتحدثتهما كمبتدئ، ومن هنا بدأت رحلتي في استكشاف جورجيا، ليس فقط استكشاف طبيعتها الخلابة ولكن القراءة في تاريخها وثقافتها الفريدة، وبالطبع النظام السياسي بها.

على الصعيد السياسي عاصرت طوال فترة إقامتي الكثير من الأحداث، وكنت أشاهد وأتابع عن كثب وأمامي دائمًا تجربتنا في مصر، وسوريا، والعراق، وليبيا، واليمن، وتونس، ومؤخرًا السودان، والجزائر.

بالطبع جورجيا مختلفة، المكون الاجتماعي والثقافي بل العرقي مختلف؛ فجورجيا الدولة الصغيرة بها العديد من الأعراق والديانات بل حتى اللغات.

ازداد انبهاري عندما علمت من عامل جورجي بسيط أن هناك تاريخًا مشتركًا يجمعنا بجورجيا – دولة المماليك التي حكمت مصر والشام لما يزيد عن 200 عام كان أغلب قادتها من هذه الأرض. يمكنك قراءة المزيد بالرجوع إلى المصادر.

اللغة في جورجيا

الجورجية اللغة الرسمية، ولكن هناك أيضًا لغات أخرى يتحدثها الجورجيون، مثل السفان، والمنجريليان، واللاز، وجميعها لغات من عائلة اللغة الجورجية نفسها، اللغات الكرتفلية، هذا بالاضافة إلى الروسية، والإنجليزية، والتركية مما ساهم في امتلاك الجورجيين قدرة مذهلة على تحدث وتعلم العديد من اللغات.

الأديان في جورجيا وصلتها بالسياسة

فيما يخص الأديان فالأغلبية مسيحية أرثوذكسية، ولكن توجد طوائف مسيحية أخرى، كما يوجد المسلمون بمختلف طوائف السنة والشيعة، أيضًا يهود جورجيا يعدون إحدى الطوائف اليهودية الأقدم في العالم، بل تنتشر الديانات الأخرى بشكل أقل كاليزيدية وغيرها، هذا التنوع الثقافي والتعايش السلمي بين مختلف الطوائف كان مبهرًا لي وللعديد ممن قرأوا في تاريخ هذه الدولة.

بحكم انتماء الأغلبية إلى المسيحية الأرثوذكسية، فالكنيسة الجورجية لها دور فاعل في الحياة السياسية الجورجية، فهي تمثل التيار اليميني المحافظ والمعارض لأغلب محاولات التغريب، وتغيير البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع الجورجي المحافظ.

العلاقات الروسية الجورجية

لفترات طويلة ظلت جورجيا في الحاضنة الروسية، حيث كان الجزء الأكبر من جورجيا تابعًا للإمبراطورية الروسية وبعد سقوط الإمبراطورية الروسية على يد البلاشفة بقيادة لينين قاد جوزيف ستالين الجيش البلشفي، لضم موطنه جورجيا تحت راية السوفيتات.

بسقوط الاتحاد السوفيتي نالت جورجيا استقلالها بعد حرب أهلية مريرة انتصرت فيها إرادة التعايش المشترك على رغبات الانعزال والانفصال.

قضية أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية

مع عودة روسيا إلى الريادة على الساحة الدولية مرة أخرى بتولي فلاديمير بوتين السلطة، استمرت محاولات روسيا في الوصاية على جورجيا مرة أخرى من خلال تمويل ودعم الانفصاليين في إقليم أبخازيا المحتل، حتى وصل الأمر إلى
بدء روسيا الحرب على جورجيا عام 2008.

ثورة الزهور في عام 2003

على المستوى المحلي قام الجورجيين بحراك سلمي موالٍ للغرب في عام 2003 واستمرت التظاهرات لمدة 20 يومًا فيما يعرف بثورة الزهور.

رغب الجورجيون في تغيير النظام الحاكم حينها الموالي لروسيا وتبني قيم غربية حداثية، أنتج الحراك انتخابات نزيهة بإشراف ومتابعة دولية، نجح خلالها أحد أبرز الأسماء الجورجية في العصر الحديث ميخائيل ساكشفيلي في الوصول إلى كرسي الرئاسة.

ميخائيل ساكشفيلي المحامي الجورجي الذي يتبنى قيم وسياسات موالية تمامًا للغرب ورافضة ومعادية لروسيا أصبح الرئيس الثالث لدولة جورجيا الحديثة بعد ثورة شارك فيها وكان أبرز قادتها.

سنكمل حديثنا في مقال قادم عن جورجيا بعد ثورة الزهور وكيف انتهى ميخائيل ساكاشفيلي مطرودًا من جورجيا منزوع الجنسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد