هكذا يتم التلاعب بالدين عبر التاريخ، نموذج من العصر الحديث:

تدفقت الدبابات والمجنزرات السوفيتية شتاء العام 1979 لخلع حليفهم السابق حفظ الله أمين، وتنصيب بابراك كرمل بدلًا عنه في انقلاب خطط له ونفذه السوفييت مترافقـًا مع اجتياح دباباتهم ومجنزراتهم القادمة من الشمال في طريقها إلى العمق الأفغاني، قاصدين دعم النظام الاشتراكي، المتهالك والمترنح الذي ساعدوا في ظهوره ونشأته في كابول.

لم يكن للنظام غير سنده القادم من الأصقاع الجليدية، والذي لم يعد يرى في رأس هذا النظام الصلاح لإدارة الدولة، وفي بحر من المكونات العشائرية والعرقية والطوائف المتعددة، الخاضعة لأنظمة ما قبل الدولة، ومحيط إسلامي يسهل استفزازه وتحفيزه ودفعه إلى الجهاد، بإشارة من هنا أو من هناك، ولا يحتاج غير فتح الطرق إلى بيشاور.

لم تكن هذه الأوضاع بعيدة عن أعين وآذان الاستخبارات الأمريكية والغربية الحساسة والمرهفة، والذي ينتظر الساسة والنخب الأمريكية والغربية بشكل عام للاطلاع على تقاريرها بفارغ الصبر للإيقاع بالخصم العنيد.

وجدت هذه النخب ضالتها في حماس قادة الدبابات والمدرعات السوفيتية، والذين غاصوا في أوحال أفغانستان ورماله المتحركة ولم يدركوا أنهم سيغرقون كل الاتحاد السوفيتي معهم، إنها بحق فرصة سانحة لإغراق عجائز موسكو في أرض أرهقتها جبالها ونظامها الاجتماعي عبر التاريخ المكتوب، المقنن في كيانات عرقية وعشائرية وطائفية متناثرة على امتداد ساحاتها الجغرافية، هذه الهدية التي هبطت من سماوات السياسة الحمقاء وسوء التقدير في طبق من الفضة، تلقفها حكام واشنطن ونخبها السياسية بشهية مفتوحة لإغراق السوفييت في بئر بلا قرار كان نتاجها موت مشروعهم الكبير إلى الأبد، دولة السوفييت وكيانها الكبير.

لم يفت نخب واشنطن السياسية فهم الخطأ الفادح الذي وقع فيه السوفييت في بلد إسلامي وفي ظروف وأوضاع جيوسياسية واجتماعية بالغة الصعوبة والتعقيد، الإسلام السياسي يتوسع شرقـًا وغربًا، مدعومًا بدولارات النفط، والغرب في مأزق بين حليف وأصدقاء، إسرائيل الحليف الذي يشكل امتدادًا حضاريًّا غربيًّا وإثنيًّا إلى حدٍّ ما، في المنطقة العربية، لا يبعد كثيرًا في تفهم وجوده من قبل النخب الغربية كما كان الحال مع أجيال الغرب في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي في تفهمها للوجود الصليبي في منطقتنا، وأصدقاؤه المستاؤون من سياساته في المنطقة والذي يؤمنون له تدفق الزيت في مفاصل آلته الصناعية الجبارة وشرايينه الحياتية، وإعادة توظيف الفوائض النقدية في آلته المالية النهمة لكل أموال البشر، وأصدقاؤه الملاصقون لحدود الدولة المدللة في وضع ملاطفة واسترضاء بالدعم السياسي والمنح المالية، لتخفيف عداواتهم مع إسرائيل، والتأثير على البعيدين لتخفيف عداواتهم أيضًا مما راكم وفاقم الاحتقان الاجتماعي في كل بلدان المنطقة والذي رافقه مزيد من إطلاق يد الأجهزة الأمنية لكبت الحريات وتقييدها.

وهناك شباب المنطقة الذي تزايدت اعدادهم، وتحسنت ثقافاتهم، وتعليمهم، وضاقت فرص العمل المتاحة أمامهم، وفي حالة تحفز واندفاع، تغذي حماسهم أوضاعهم المزرية والمهانات السياسية والعسكرية الذي تعرضت لها المنطقة، يشد تأثيرها حلقات الدروس والبرامج الدينية الممنهجة والإذاعات ومحطات التلفزة، منذ بزوغ الشمس وحتى غروبها، وما بعد الغروب، بمناهج لا تختلف كثيرًا عن حلقات الدروس الذي كانت متبعة في مئات مساجد وجوامع القرون الماضية وكأن التاريخ جَمَدَ واستراح، هذه هي الظروف الاجتماعية والسياسية عشية الغزو السوفيتي لأفغانستان، والذي كانت عندها المنطقة على سطح برميل من البارود.

كعادتهم وانتهازيتهم اللحظات الفارقة في مسار التاريخ وتهيئتها بسياسة الأزمات والتضخيم الإعلامي ونشر الإشاعات وفبركة الحكايات والأخبار ودفع وإشراك الحلفاء والأصدقاء في مهام محددة، شرع الأمريكيون في العمل لتوجيه طاقات وحماس كل شباب المنطقة نحو أفغانستان، تغذيهم دعوات الجهاد الذي طَلَتْ أصواتها في كل المساجد وعند كل صلاة، وفي كل منتدى وتجمع لصرف انتباههم واهتماماتهم عن مشاكل المنطقة وتوجيهها نحو أفغانستان للجهاد ظاهرًا والحرب نيابةً عن الأمريكيين في واقع الأمر.

مهدت الطرق وفتحت كل الأبواب بين بيشاور وكل مدن وقرى وأرياف المنطقة مرورًا بجارتنا الشمالية عضو حلف الناتو، تدفقت جحافل الشباب، وكثير منهم تم انتزاعهم من بين أيادي أمهاتهم لحماس غذاهم به سماسرة الحروب ومنتفعوها.

مجدت بطولاتهم وطافت أصداؤها عبر فضاء المنطقة لتغذي حماس المتخلفين منهم، وكانوا محل ترحيب واشنطن بوصفهم مجاهدين أبطالًا، أنها أرخص حرب وأقلها تكلفة تشنها بلد على عدو دون أن تخسر قطرة دم واحدة أو دولارًا واحدًا.

نجح المجاهدون في إخراج السوفييت من أفغانستان، وتاليًا سقط الاتحاد السوفيتي كله، تاركين فلسطين والفلسطينيين وثالث الحرمين المقدسين لشارون يعبث بهم كما يشاء، انتهى المشهد الأول ليبرز بدلًا منه واقعًا وجوديًا لآلاف المقاتلين المحترفين، إنها معضلة حقيقية ومشكلة مؤجلة للأمريكيين ومواطنهم الذي قدموا منها.

استدارت عقارب الساعة صوب المستقبل لنشهد تراجع دور السوفييت على المسرح العالمي، بدت عليهم علامات التعب والإرهاق الطويل الذي تسبب فيهما حرب باردة طويلة شنها الغرب بقيادة أمريكا ضدهم لا تقل عنفـًا عن الساخنة منها، ضاعفت حرب أفغانستان مشكلتهم وسرعت في السقوط.

في الفترة نفسها شبكت المصالح الكبرى عراق صدام مع عمائم طهران في حرب ضروس بعد أن كان البلدان قد أشعلاها، لإنهاك أهم بلدين في الشرق الأوسط وتطويعهما للمصالح عابرة الحدود، توقفت الحرب دون نتائج غير بلدين داميين، وخزائن خاوية، ومقابر انتشرت على طول حدودهما المشتركة.

خرج العراق من الحرب محتفظـًا بقوة عسكرية كبيرة وطموح سياسي مواز وصناعات حربية ممتازة نشأت خلال سنوات الحرب، مستغلًا غض الطرف الغربي وكرم الممولين الخليجيين، هذه القوة وإنتاج العتاد العسكري والطموح السياسي الذي كان مسكوتًا عنه خلال الحرب لم يعد مقبولًا غربيًا بعد صمت المدافع، وعلى نار هادئة بدء التحريض ضده، وفيما يشبه الاستفزاز لرجل بغداد القوي الذي يسهل استفزازه ليقع بجملة وما حمله على صحراء الكويت الذي يندس تحت ترابها الملتهبة أكثر من 100 مليار برميل نفط يسيل له لعاب الشركات الكبرى، والذي لها الأيادي القوية في توجيه السياسات الكبرى في المنطقة.

لم يستفد حكام المنطقة من تجربة أفغانستان المرة زاد في عمى أبصارهم وبصائرهم حماقة صدام الذي تجاوزت كل المقاييس في عالم ما بعد السوفييت لم يعد يتحكم فيه غير الأمريكيين، ليقعوا مجبرين من جديد في حرب أمريكية أخرى مسرحها المنطقة ذاتها، بحجتها التي أقنعت بها الجميع إخراج صدام من الكويت، وهدفها الأساسي الذي تكشف لهم لاحقـًا تدمير العراق جيوسياسيًّا وحضاريًّا، وإخراجه تمامًا عن مساره الحضاري وتأثيره في معادلة الصراع الأساسي في المنطقة، إضافة إلى وضع اليد على كامل المنطقة.

ومما يحزن تكرار الخطأ في سوريا، الذي تعاون الجميع في تقطيع أوصالها وتمكين إيران منها، أدت هذه الحماقات إلى أضعاف المنطقة وتراجع دورها إقليميًا وعالميًا، وتشويه صورتها وتراثها ومكونها، وكل ما له صلة بها.

وضع العراق تحت حصار محكم قاتل، وشرع الغرب في التهام تركة السوفييت بتوسيعهم حلف الناتو شرقـًا، ثم جر دول شرق أوروبا إلى اتحادهم، وأسكتت الأصوات المنادية لحل الناتو لأن العدو الذي أنشأ الحلف لمواجهته قد اختفى، بذريعة وجود العدو «الدائم» المتمثل في الإسلام ليس بألسنة السياسيين الرسميين، ولكن بأقلام والسنة السلطة الرابعة حتى لا يبدو ذلك موقفـًا رسميًا.

ترك الاتحاد السوفيتي فراغًا سياسيًّا وجيوسياسيًّا هائلًا باتساع جغرافية وجوده وتأثيره الدولي الكبير، ليعصر كبار المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين جوزتهم في البحث عن أنجع الطرق وأقلها تكلفة لشغل هذا الفراغ وإعادة تقسيم مسئولياته بين حلفاء الأمس، وعلى عجل قبل بروز معيقات استغلال اللحظة مستغلين التهاء العالم بخليطٍ من الفزع والاستغراب والذهول، الذي أصابه من هول الصدمة المفاجأة.

لأشهر ما بعد السقوط ونشوء وضع جيوسياسي وأمني خطير، أوروبا الشرقية في حالة غليان حبلى تبشر بميلاد جديد، دول آسيا الوسطى السوفيتية، وكل من دول المنطقتين ذاهبة، الأولى نحو مدار جديد لم تتضح معالمه بعد، والثانية تتجه نحو الاستقلال عن البدن الضخم المترهل، من جهة أخرى آلاف المقاتلين والمحترفين لكل الأعمال القتالية الذي أنتجتها حرب أفغانستان بدأت طلائعها تظهر في بعض الجمهوريات السوفيتية التي ما زالت ملتصقة بالبدن الأساسي، وعلى حين غرة أصبحوا مشكلة أساسية لواشنطن في المنطقة الإسلامية وفي غيرها، فاختارت المواجهة معهم، لتحولهم من حلفاء الأمس إلى أعداء اليوم، مما تسبب في ظهور الجماعات المتطرفة كالقاعدة وأخواتها، فأصبح يطلق عليهم إرهابيين بدلًا من مجاهدين تسميتهم القديمة، هذا الصدام ولد ارتدادات كبيرة على المنطقة وخلط أوراقها، وأحرق كل آمالها في التنمية والسلام والاستقرار، خصوصًا بعد أن جرى الخلط المتعمد بين الإسلام كدين وأعمال هذه الجماعات الذي أظهرتها محطات البث التلفزيونية، ليقحم الدين وبقوة وعن سابق إصرار وترصد في السياسة.

اندفعت الدبابات والمجنزرات الأمريكية في 2003 هذه المرة فقط مع حليفتهم الدائمة بريطانيا وبعضًا من دول الكمنولث «البيضاء» دون تحالف دولي نتيجة رفض الأمم المتحدة منحهم تخويلًا دوليًا في غزو العراق، ولم يتمكن العالم من وقف الإدارة الذي جاء بها اليمين الجدد برأسه بوش الابن إلى البيت الأبيض، بعد أن تكشف زيف الادعاءات الأمريكية، وفي حملة جوية ضارية لم يشهد لها التاريخ مثيلًا مزق العراق وشتت كثيرًا من سكانه، لتشتعل بعدها حرب طائفية قذرة مزقت نسيجه الاجتماعي شر ممزق، وضربته الفوضى إلى أجل غير مسمى.

ساهمت هذه السياسات في تصاعد العداوات ووقف كثيرون من أبناء المنطقة عند جرد السياسات الأمريكية في المنطقة، في المقابل صعدت بعض الدوائر والأقلام في المجتمعات الغربية العداوات للإسلام ومنتسبيه استغلها اليمين الذي دأب على اجترار العداوات القديمة لتغذية صناديق الاقتراع لفتح منافذ في جدار الانتخابات الذي كان قد حصنها الليبراليون وسياسيو عصر الإنسان الجديد لعقود خلت.

ترك فراغ دولة عراق ما قبل الحرب القوية عراقـًا ضعيفـًا وموئلًا للجماعات المتطرفة من كل صنف ولون، ليصبح لاحقـًا الشرق الأوسط مسرحًا لفوضى لم يشهد لها تاريخه مثيلًا ومسرحًا لصراع مخابرات الدول الكبرى والدول الإقليمية الكبيرة، فأصبح الموقف الحقيقي غير معروف، والإعلام يضفى مزيدًا من الغموض في نشره لما يتسرب إليه من المفبركات الذكية والمحكمة للقوى المتصارعة هناك، وأغلبها يصب في النهاية عند محطة تشويه المنطقة وتراثها لخلق عداوات جديدة بدلًا من العداوات التي قامت عليها السياسات الغربية تجاه النظام الاشتراكي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية ليتكئ عليها الساسة الغربيون في إحكام السيطرة على شعوبهم وجلب المنافع الأنانية.

تتلاحق الأحداث وتتكشف الحقائق ويأتينا ترامب حاشرًا البعد الديني في صميم السياسة الأمريكية التي كانت قد نأت عنه منذ زمن طويل، استخدم مصطلحات مباشرة لم يستخدمها من سبقه من المرشحين واصفـًا الإرهاب «بالإرهاب الإسلامي»، والذي كرره في كل محطاته الانتخابية، كما أن تصريحات ومقابلات أهم رموز طاقم حملته الانتخابية ذهبوا وبوضوح في المسار نفسه، والذي أصبح بعضهم جزءًا من إدارته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

wikipidia
عرض التعليقات
تحميل المزيد