«إن الحقيقة التي يصطدم بها معظم الحاملين لشهادة العلوم السياسية في الجزائر  بعد التخرج هي تملص أرباب العمل عن توظيفهم بمجرد علمهم طبيعة التخصص، مما يضطر البعض للجوء إلى الواسطة».

هي علم ليست  ككل  العلوم  أو بنت الفلسفة  على  حد  قول كار بوبر، تغور  في بحورها  الفلسفية والتاريخية  والواقعية، تدرس  كــــل  علم  أو كل  طابع  معرفي،  تضم  كل  العلوم  في جعبتهـــا  لأن  الكل  في الكل مسيَّس عن  قصد أو عن غير قصد، تستخلص  منها حكمًا  ومواعظ  من خلال  تصفحك  في العلاقات الإنسانية والسياسية والدولية  الماضية والحاضرة، وتستنتج  عبر  وأسباب كل الصراعات القائمة!

إنها العلوم السياسية  برونقها  وإمتاعها وشقاها ومرارتها  ومستقبلها، قد  شغفت  زمرا أو قلة  من طلبة العلوم  السياسية في الجزائر  لــــــكن الواقع  قال كلمته «شئنا وشاء الهوى فامتثلنا».

كل ما يمكنك قراءته أو سماعه عن علم السياسة، بإمكانه ربما أن يفتح الشهية لأي شخص كي يدرس هذا التخصص الذي يبدو من ظاهره تخصصا ثريًا – وهو كذلك -، كونه يمّكنُ طالب العلمِ من الاطلاع على عديد من الأمور كما من شأنه أن تجعل منه إنسانًا ذا فكر متفتح على الآخر، لا يأخذ كل ما يتلقاه هكذا، بل ينظر إليه بعين الناقد والمحلل، لكن الواقع أبعد من أن يكون بهذه البساطة. فبالكاد يمكننا أن نطلق على حقل العلوم السياسية في الجزائر صفة التخصص العلمي، ولا تنطبق عليه أدنى الشروط الواجب توافرها في أي تخصص علمي بالمعنى الحقيقي للكلمة، والسبب بدون شك يرجع إلى الوضع المزري الذي يتخبط فيه هذا التخصص النخبوي كما يطلق عليه في الدول التي تقدس العلم، صحيح أن التعليم في الجزائر عمومًا حاله لا يسر عدوًا ولا حبيبًا، فالأمر هنا لم يعد مقتصرًا على العلوم السياسية فقط، بل أصبح مرتبطًا بكل التخصصات العلمية والأكاديمية الأخرى.

 اٍن الوضعية الصعبة التي آل إليها هذا التخصص بالذات غير مسبوقة وتستحق فعلا التوقف عندها، لمعرفة أسبابها ومحاولة الوصول إلى إجابة من شأنها ربما – وهو أمر مستبعد – أن تحرك سكون القائمين على هذا الميدان ومعرفة الهدف وراء إفراغ هذا التخصص من محتواه وتحويله إلى تخصص ميت غير مؤثر، خاصة إذا ما تعلق الأمر بتخصص لطالما كان ولا يزال، يبشر بمستقبل استثنائي في الدول التي سبقتنا.

تخصص العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجزائر لم يستطع أن يتجاوز مسألة التنظير والتحول نحو التطبيق، مئات المذكرات والرسائل الجامعية المنجزة سنويا قائمة على تكريس الرداءة في البحث العلمي، ومناقشة نفس الأحداث والظواهر السياسية، بنفس الطريقة ونفس الأسلوب المعتمِد أساسا على التكرار والنمطية، أعمال ينجزها طلبة وباحثون ويشرف عليهم أساتذة كل سنة دون جدوى، أعمال لم تأخذ طريقها نحو إيجاد حلول حقيقية للمشاكل السياسية والاقتصادية المستعصية التي تعيشها الجزائر، وهو صلب ما يتم تداوله في دراسة النظم السياسية وكل ما يدور في عالم السياسة من نشاطات وأحداث ذات صلة بشؤون السلطة والحكم.

 نقطة أخرى تضع تخصص العلوم السياسية في الجزائر على المحك، وهي مسألة التوظيف، فمما لا شك فيه، أن الطالب في أي بلد حول العالم يسعى من خلال التخصص الذي اختار دراسته في الجامعة، أن يصل إلى المكان الذي يطمح إليه، أمر أصبح غير موجود حاليا في الجزائر بحكم التغيرات الكبيرة التي طرأت على سوق العمل الذي لا يخضع هو الآخر لأية شروط تنظيمية محددة تحكمه، بالإضافة إلى التحولات الاقتصادية وعوامل أخرى. فإن حاملي شهادة العلوم السياسية بعد التخرج يجدون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما، فأما الأول وهو العمل في أي مجال آخر مهما كانت صعوبته، واختلافه مع ما درست، أو اللجوء إلى القطاع الأمني، أو العسكري وشبه العسكري، أما الثاني فهو الوقوف إلى جانب زملائك في التخصص مع الآلاف من حاملي الشهادات الجامعية الأخرى في طوابير طويلة من العاطلين عن العمل، لأن البطالة في هذه الحالة شاملة لكل التخصصات.

في الحقيقة، ربما يكون الأمر أعمق من كونه مجرد سوء في التسيير، فقد أصبحت هذه الظاهرة – بحكم التعود – السمة الأبرز في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية في الوطن العربي وليس فقط الجزائر، ولكن كيف يمكن أن ننظر إلى المستقبل ونحن على أعتاب أزمة اقتصادية خانقة كانت بوادرها قد بدأت تلوح في الأفق منذ سنوات، دون أن تولي الحكومات الجزائرية بصورة جدية اهتماما بنخبها السياسية والفكرية التي يتم تأطيرها في معاهد العلوم السياسية، فقوة الدول تكمن في قوة نخبها الثقافية والجامعية، التي يجب أن تمتلك بدورها قوة اقتراح أساسية لا يمكن بأية حال من الأحوال التخلي عنها، فهي تعد مصدرًا للتزود بالاستراتيجيات والبرامج التي من شأنها أن تجنب الدولة الوقوع في الكثير من الأخطاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد