بالعودة لبدايات الربيع العربي، فإن الأزمة السورية كانت الأكثر ازدحامًا بالأحداث والتغيرات التي غلبت عليها السمة العسكرية بشكل واضح ما جعل الملف السوري يأخذ منعرجًا مختلفًا عن باقي ملفات الربيع العربي تاركًا خلفه حالة من التعجب، وبالنظر لهذا الملف فإنه يشير إلى ارتباط الأزمة السورية بعوامل داخلية وخارجية أعقد من تلك التي في الأزمات الأخرى؛ وأعتقد أن أهم هذه العوامل هي:

البيئة الداخلية

شهدت الجمهورية السورية منذ تأسيسها عام 1961 عدة انقلابات في نظام الحكم إلى أن بدأ في الاستقرار بشكل تدريجي تحت يد حافظ الأسد بدءًا بما سمي بالانقلاب الأبيض (الحركة التصحيحية) عام 1970، ( ناهيك ما حصل قبل ذلك من اضطراب في القيادة السياسية) ثم «وصول كرسي الحكم لنجله بشار بعد وفاته»، هذا من جانب، ومن جانب آخر يمثل المجتمع السوري مزيجًا من عدة فئات تختلف في تكوينها القومي والديني والمذهبي… يتصلون بتمركز جغرافي جعل من الخريطة السكانية السورية لوحة فسيفساء سهلة التحطيم في حال توافرت الظروف المناسبة لذلك، عدا عن تمركز إحدى هذه الفئات في سدة الحكم منذ عقود بنظامها الشمولي الكابت للحقوق والحريات ليعلو أمن النظام على أمن المجتمع. استقر نظام الحكم لكن جاء ذلك على حساب استقرار المجتمع.

البيئة الإقليمية

شكل هاجس البيئة الإقليمية أحد أهم الدوافع لتدخل القوى الإقليمية في الأزمة السورية، وأعرض هنا أربعة قوى إقليمية (إيران، إسرائيل، تركيا، السعودية) كان لها الأثر الأكبر في هذه الأزمة:

برز دور إيران في هذه الأزمة بالتفاهم مع الطرف الروسي وصفتها الارتباطية الحالية مع الكتلة الأوراسية، وعلاقتها المتينة بالنظام السوري منذ عام 1979، وتدخلت في بداية الأزمة دعمًا لبقاء النظام في السلطة والذي يعني بقاء إيران في الموقع الذي يمنحها إمكانية الاستمرار في دعم حزب الله في لبنان من خلال الجسر السوري، كما يمثل الساحل السوري على البحر المتوسط البوابة تجاه الخليج العربي وفلسطين.

لاقى هذا التدخل رفض إسرائيل الواقعة بين قلق دخول وبقاء القوات الإيرانية في سوريا واستمرار وصول الدعم الإيراني لحزب الله (وفي هذا الإطار عملت إسرائيل على اتباع أسلوب الضربات العسكرية الانتقائية، ودعم بعض الفصائل المسلحة دون الانخراط بدوامة الصراع)، والقلق الآخر المتمثل في «الشذوذ الوجودي» المنبثق عن عدم تطابق الحدود السياسية مع الحدود الاجتماعية لدول الإقليم، لذلك عملت إسرائيل على تقسيم سوريا كجزء من عملية إعادة تشكيل المنطقة بحيث تتطابق حدودها السياسية مع الحدود الاجتماعية (يظهر ذلك من خلال دعم الأكراد)، وبالتالي ظهور إسرائيل كدولة طبيعية في المنطقة.

وبالنسبة لتركيا تشكل النزعة الانفصالية الكردية الهاجس الأكبر لديها في الداخل والإقليم، فالأكراد في تركيا هم الأكبر من حيث عدد السكان والمساحة مقارنة بوجودهم في كل من (إيران، سوريا، العراق)، ويزداد هذا الهاجس في ظل الدعم الأمريكي-الإسرائيلي للانفصال الكردي في شمال سوريا والذي «إن تم» سيحفز الرغبة الانفصالية لأكراد تركيا ثم الأقليات الأخرى، ناهيك عن توجه تركيا للبحث عن مجال حيوي في آسيا الوسطى والوطن العربي بعد الرفض الأوروبي وبالتالي سيشكل هذا الكيان صعوبة في التحرك التركي في المجال الحيوي المنشود.

أما السعودية فجاء تدخلها في سوريا (بصفتها الحليف الأكبر لإيران) محاولة للحد من النفوذ الإيراني في المنطقة من خلال التخلص من النظام السوري، والحد من انتشار مبادئ الثورة الإيرانية في دول الخليج العربي، إلا أن الدور السعودي تراجع في سوريا نتيجة الحرب اليمنية والتي أضافت منطقة جديدة للصراع السعودي- الإيراني وحضيت باهتمام أكبر من قبل السعودية بسب عامل القرب الجغرافي.

وعند قراءة التدخلات والتفاعلات لهذه الدول فيما يتعلق بالأزمة السورية نجد وقوعهم بين هاجس الأمن من جهة والمكانة الإقليمية من جهة أخرى؛ وأرى أنها نقطة  وعامل التعقيد الإقليمي في هذه الأزمة.

البيئة الدولية

تتمحور درجة التعقيد في هذه البيئة حول موقع سوريا وارتباطها بالكتلة الأوراسية (التي دعا إليها ألكسندر دوغين بالتعاون مع الصين وإيران).

تعتبر سوريا إحدى الدول الإسلامية والمناوئة للسياسة الغربية والتي لابد من التعاون معها لتسهيل دخول وتمكين روسيا في الوطن العربي وآسيا الوسطى والساحل السوري (المياه الدافئة) الذي يشكل المنفذ البحري الوحيد لروسيا على البحر المتوسط. وعلى الجانب الآخر نجد الولايات المتحدة والدول الغربية محاولين السيطرة على سوريا بإعتبارها إحدى دول الحزام الدفاعي الثاني لروسيا، حيث أن السيطرة على هذا الحزام سيؤدي لتقدم حلف الناتو نحو الحزام الدفاعي الأول (مجموعة الدول المجاورة لروسيا كأرمينيا، وأوكرانيا….) لحصر روسيا ومنع تمددها، وهنا يبرز دور الكتلة الأوراسىية في منع الولايات المتحدة والدول الغربية من القيام بذلك. عدا عن محاولة الدول الغربية مد خطوط الطاقة من منطقة الخليج العربي باتجاه أوروبا عبر سوريا لكسر حاجة أوروبا من الغاز الروسي، لذلك جاء التدخل الروسي في سوريا والذي يمثل استمرار لنفوذ روسيا الجيواستراتيجي وحماية لأمنهم القومي.

أما الصين فسيزداد الترابط السوري معها مستقبلا مع تعمق تواجدها في المنطقة بالتوازي مع الانسحاب الأمريكي، في ظل تواجد سوريا كإحدى ممرات مبادرة الحزام والطريق.

سيغلق ملف الأزمة لكن سيبقى ملف التعقيد مفتوح.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد