يبدو أن التوتر القائم بين مكونات المشهد السياسي بات جليًّا لكل متابع للشأن العام التونسي، فالتطاحن السياسي داخل مجلس نواب الشعب خلق حالة من الاحتقان ومن انعدام الثقة بما أثر في العمل الحكومي في مرحلة أولى، وسرعان ما تسرب إلى العلاقة بين رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي، ورئيس الدولة قيس سعيد في مرحلة ثانية. لم نكن نستغرب من هذا الاضطراب والارتباك في السنوات الأولى للانتقال الديمقراطي بحكم طبيعة المرحلة، إذ يجمع كل المهتمين بالشأن السياسي على أن ذلك يُعدُّ جزءًا من التدرُّب على الفعل الديمقراطي وسيرًا نحو إرساء معادلة الاستقرار بهدف الإصلاح والبناء، وكان تعثّرًا مشروعًا.

اليوم وبعد تجاوز تلك المرحلة بكل تجلياتها، نجدنا ومن جديد أمام مشهدية تكرر نفسها ويكاد هذا التخبط يصبح جزءًا من الفعل السياسي وتقليدًا يتبناه فاعلون سياسيون يحترفون إهدار الزمن السياسي، فمجلس النواب لم يعد سلطة تشرِّع القوانين وتراقب السلطة التنفيذية، بل تحوَّل لحلبة مزايدات سياسية ومعارك هامشية بين قوى التنطع الثوري وقوى الفاشية المضادة لكل نفس تحرري. ولطالما تعالت أصوات عديد الناشطين من مثقفين ومفكرين محذرين من حتمية الوصول إلــــى هذا المشهد المسيىء للثورة و من السقوط في معارك خاسرة تهدم الثقة وتضيع الوقت وتعكر مناخات الفعل الإصلاحي البنَّاء، وهو لعمري ما نحن فيه.

المعارك السياسية لم تعد تخاض بآليات سياسية وعلى أرضية توافق واسع على المشترك الوطني بما هو مبادئ ومصالح تحرك جميع الفاعلين، إنما أصبحت مناسبة لهتك الأعراض وشتم الخصوم وتشويههم والنيل منهم، فالقضايا الوطنية التي توحدنا كشعب أصبحت توظف بطرق دنيئة لتمرير رسائل سياسية مشفرة حينًا، ومدسوسة بسموم الإيديولوجيا والسمسرة أحيانًا، يراد منها تسجيل النقاط وبعثرة الأوراق لتتشكل لنا في صورة مبادرات تشريعية مفتعلة ومُسقطة، ولعل جلسة مساءلة رئيس البرلمان كآلية دستورية من آليات العمل البرلماني، وتعبير عن وعي ديمقراطي قد تحولت إلى فرصة لسب الرجل في شخصه وتاريخه، والنيل منه و من كرامته. كل آليات الفعل التي تساعدنا لخوض معاركنا الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية تحولت وللأسف إلى فسحة للعبث والتصابي السياسي.

في تقديري، أغلب المناكفات، التجاذبات،الاستقطاب والمناورات بين السياسيين في القضايا التي يختلفون حولها ناتجة عن خلل منهجي واختلال في طُرُق الطرح والتعاطي، جميعهم يبحثون عن الانتصار لأنفسهم ولأحزابهم بالسقوط المستمر في قلب المفاهيم وتلبيس الحقيقة على الناس. القضايا السياسية التي تخضع دائمًا للتنسيب في تقدير المصلحة و تقريب وجهات النظر أصبحت تناقش على قاعدة الفرز بين عدو وصديق دائمين – و هو ما ليس ثابتًا في السياسة – ه‍و بالرغم من كل محاولات التجميع وتوفر فرص الالتقاء بين الفرقاء للحوار والنقاش تحت قبة البرلمان، فإن الثقة ظلت معدومة والاصطفافات لم تتغير ملامحها كثيرًا بقدر ما اتضحت لعموم المتابعين.

اليوم وبعد أزمة كورونا التي عصفت بأكبر اقتصادات العالم، نجد أنفسنا أمام انكماش في نسبة النمو بـ6% في نهاية هذا العام ناهيك عن العجز في الميزانية الذي قد يصل إلى 6.3%، والارتفاع المتوقع في نسبة البطالة الذي قد يبلغ إلى 17.9% بالإضافة إلى الاحتقان الاجتماعي والاحتجاجات في الجنوب التونسي( تطاوين ورمادة والكامور). في ظل هذا التعقيد نجد أنفسنا أمام رئيس حكومة تحوم حوله شبهات فساد، إن جرى إثباتها ستكون سببًا في إسقاط حكومته وسيُفقدنا مسار تشكيل الحكومة الكثير من الوقت ومعه سيتعقد الوضع أكثر. في الضفة المقابلة نجد المعارضة بكل أطيافها تمارس اللهو السياسي بما هو تقاذف وسباب وتبادل للاتهامات وتساهم في مزيد التشويش، وتعكير الأجواء بمعارك قديمة متجددة وبتصفية حساباتهم الضيقة، وبالانتصار لأيديولجياتهم المقيتة.

إن سقوط هذه الحكومة والمضي نحو تشكيل حكومة جديدة في ظل هذه المناخات من التوتر، قد يعرقل مسار التشكيل ويعطِّله، بالرغم من هذا أعتقد أن حكومة ذات حزام سياسي واسع أصبح اقتضاء سياسيًّا لكن أعتبر أن جميع الاطياف السياسية حكمًا ومعارضة دفعت نحو هذا الخيار بأقدار متفاوتة، وتتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية في ما سيؤول إليه الوضع. السياسة تُفهم ضمن مساراتها وفي سياقاتها الواقعية؛ لهذا لا يمكن لأي طرف التنصل من المسؤولية من خلال صناعة الحدث السياسي أو المطالبة بتعديل المسار. الواقع السياسي هو نتاج لمراكمة فعل سياسي مشترك ضمن مسارات اختارها المشاركون في اللعبة السياسية، وعليه فإن التقييم يكون بالنظر إلى المسار السياسي بأكمله وليس للأحداث السياسية منعزلة عن سياقاتها.

إن استمرار الممارسة السياسية بهذا الشكل لن ينتج جديدًا بقدر ما سنجد أنفسنا أمام قديم مُكرر يحشرنا دائما في حلقة مُفرغة تمنعنا من التقدم وتوهمنا بالحركة، لست من دعاة اليأس أو التأييس إنما أخشى التلبيس وحجب الحقيقة، لن تتطور الممارسة السياسية ما دامت المعارك تُخاض وفقًا لأهواء الفاعلين ولرغباتهم. أتوقع أننا سنواصل في سياسية مجاراة الأحداث والانشغال بمعارك الساسة ومزيد من تعكير الأجواء.

السياسة في تونس تتشكل ملامحها علـى النحو الخاطئ والاستمرار على هذا التوجه سيظل يوهمنا بالحركة والتقدم، ففرص التغيير متوفرة لكن هذه النخب لا تحسن التقاط الإشارات واغتنام الفرص، جيل الثورة وما بعدها غادر مربعاتهم وما يرونه مجالات رحبة للفعل هي بالنسبة له أضيق مما تتخيلون، في السياسة من لا يلتقط الإشارة يضيِّع فرصًا كثيرة وهو ما يحدث مع الساسة الحاليين. الإشارات القادمة ستكون إشارات تحذير، للثورة ما بعدها و كما فاجأتكم الثورة سيفاجئكم ما بعدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد