إن تقدم الأمم والمجتمعات وبناء الدول والحضارات لا يكون إلا بالعلم، فنجاح أية عملية تنموية رهينة بمدى وعي الفرد والمجتمع بالمتطلبات العصرية وآليات تطبيقها. وذلك باعتبار أن المعرفة هي المولد الأساسي للتطور والرقي وبناء دول قادرة على تسيير شؤون رعاياها دون أي إشكال. فالعلم والمعرفة هي اللبنة الأولى لمرحلة البناء والتشييد، فمن الناحية المفاهمية يختلف مصطلح العلم عن المعرفة، فهذا الأخير أعمق من خلال مدى شموليته، في حين يعرف العلم على أنه معرفة منظمة تأتي بعد مجهود من البحث والتفكير.

يعتبر علم السياسة الأقرب لتسيير شؤون الحكم، والتخطيط لبناء برامج تنموية هادفة تساهم في معالجة الظواهر السلبية المعيقة للتنمية بجميع أشكالها. فهو من بين أهم العلوم الإنسانية، والتي تدرس الظواهر والحياة السياسية، فقد عرفتها جامعة كولومبيا أنه العلم الذي يدرس الحكومات والمؤسسات والسلوك والممارسة السياسية، في حين تعرفه المعاجم الفرنسية على أنه العلم الذي يدرس المجتمعات البشرية وحكم الدول.

ففي خضم الجدل الكبير للوصول لمفهوم موحد لعلم السياسة، والمحاولات العديدة والمتجددة للمفكرين، إلا أن علم السياسة يبقى رهينة التحولات الاجتماعية والفكرية وطرق الممارسة الفعلية والميدانية وتبرز أهمية تدريس علم السياسة في إعداد فرد سياسي واعي يتحكم في مقاليد تسير الحكم من جميع المستويات. وقد برز هذا العلم بقوة بعد استقلاليته عن باقي العلوم الأخرى.

يؤكد pierre favre على أن علم السياسة أصبح أكثر فاعلية من خلال المراحل الانفصالية كانفصاله عن الاقتصاد سنة 1776، وعلم الأخلاق منذ بداية القرن 18 خاصة بعد كتابات nicolas machiavel واللجوء إلى الانتخابات العامة منذ 1848 فقد استطاع هذا الحقل المعرفي أن ينتج مجموعة من المعارف والنماذج السياسية.

أما من الناحية الأكادمية فقد أصبح علم السياسة تخصص بحد ذاته في الجامعات الأمريكية سنة 1975، نظرًا للمساهمة الفعلية للجمعية الأمريكية للعلوم السياسية التي تأسست سنة 1903، بالرغم من التأسيس المسبق للمدرسة الحرة للعلوم السياسية في باريس سنة 1872. والتي مهدت للاهتمام الدولي من خلال دور هيئة الأمم المتحدة، والتي ساهمت في نشر مجلد متعدد المؤلفين بعنوان علم السياسة المعاصر، ورعايته من طرف الجمعية الدولية لعلم السياسة، لتحدد بعدها اليونسكو سنة 1948 القطاعات الأربعة المهمة لهذا العلم بعد لقاء علمي بباريس (النظرية السياسية، النظم السياسية، الحياة السياسية، العلاقات الدولية).

هذا المجهود العلمي على المستوى الدولي، عجل بضرورة إنشاء الجمعية الفرنسية لعلم السياسة سنة 1949 من طرف Georges Vidal، والذي ساهم بدوره في ربط علم السياسة بالمجتمع من خلال علم الاجتماع السياسي.

أما موقع علم السياسة في الوطن العربي، فيعتبر معهد العلوم السياسية بالجزائر من بين أقدم المعاهد السياسية فقد تاسس سنة 1949 في الفترة الاستعمارية، أما بخصوص علم الدراسات المستقبلية تعتبر الجزائر أول من احتضنته كان ذلك سنة 1982، وفي نفس السياق تم تأسيس الجمعية العربية للعلوم السياسية سنة 1985.

وبناءً على ما سبق، يعتبر علم السياسية أحد الحلول البديلة لتقوية مؤسسات الدولة، والاعتماد على أساليب وأنماط جديدة تساهم في بناء مجتمع قائم على السلوك الحضاري، وتكوين نخبة علمية مثقفة لا تكتفي فقط بالأطر المفاهمية والنظرية فقط، بل تشارك في الحياة السياسية من خلال انخراطها في مجمل المؤسسات، سواء الرسمية أو غير الرسمية؛ مما يستدعى الاهتمام البالغ بهذا  العلم، وفتح المجال أمام الباحثين والمتخصصين في صياغة خطط وبرامج تقدر على مواكبة الظواهر والحد منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد