في سنة 1988 بالجزائر العاصمة – قبلة الثوار والمناضلين – أعلن الرئيس الراحل ياسر عرفات قيام الدولة الفلسطينية بعد أشهر من انتفاضة شعبية ضد الهيمنة الاحتلالية الصهيونية، وفي تلك الفترة بالضبط أعلنت ثلة من الشباب المنتمي للصحوة الإسلامية تأسيس حركة المقاومة الإسلامية في قطاع غزة، بإيعاز من الشيخ المربي العارف بالله أحمد ياسين قدس الله روحه لتنطلق صفحة نضالية جديدة في تاريخ الشعب الفلسطيني.

إلا أن هذه الصفحة لم تكن طبيعية بالشكل الكافي الذي ينسجم مع ثوابت هذه القضية (تحرير فلسطين من البحر للنهر، عودة اللاجئين، القدس كاملة عاصمة الدولة الفلسطينية، المسجد الأقصى وقف إسلامي خالص، إطلاق سراح الأسرى) هذه هي الثوابت الأصلية للقضية الفلسطينة ببعدها الوطني التحرري، والأهم منه البعد الديني العقائدي المميز للقضية.

إلا أن مطلع التسعينيات من القرن المنصرم شهد انعطافة خطيرة لا نزال نعاني آثارها، ولعل آخرها ما حصل يوم أمس من كتابة مقالتي هذه – إقامة احتفال بمناسبة نقل السفارة الأمريكية للقدس – إنني أتحدث عن مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد سنة 1990، وما تبعه من اتفاق ترتيبات حول الحكم الذاتي الانتقالي – أوسلو – بين رئيس الكيان الغاصب إسحاق رابين وياسر عرفات الذي لم يصبح رئيس منظمة التحرير الفلسطينة فحسب، بل أضيفت له بحكم هذا الاتفاق صفة رئيس السلطة الفلسطينية، سلطة تحولت بحكم المعونات الاقتصادية والموقع الجغرافي إلى كيان أشبه – بالكنتون – أما منظمة التحرير اختزلت الحديث باسم الشرعية الفلسطينية في نفسها بدون أن تقدم أي مجهود حقيقي في عملية التحرير للأراضي الفلسطينية والذي يفترض أن المنظمة أسست من أجلها.

نبذة مختصرة عن اتفاق أوسلو: هي اتفاقية يعود تاريخها تحديدًا إلى عام 1991، حيث عقدت محادثات سرية في العاصمة النرويجية بين ممثلي الكيان ومنظمة التحرير باعتبار ذلك نتاجًا طبيعيًّا لمؤتمر مدريد للسلام أثمرت الاتفاق على بعض المبادئ منها:

1/ تنبذ منظمة التحرير الفلسطينية العنف – الجهاد – أو المقاومة ضد الكيان الصهيوني.

2/ اعتراف الحكومة الصهيونية بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتباره ممثلًا شرعيًّا ووحيدًا للشعب الفلسطيني.

3/ تعترف منظمة التحرير بأحقية الكيان بإقامة دولة على 78% من الأراضي الفلسطينية.

4/ تنسحب القوات الصهيونية من الأراضي التابعة للسلطة – الضفة غزة أريحا – مع الإقرار بحق الفلسطينيين بإقامة حكم ذاتي على الأراضي التي تنسحب منها القوات الصهيونية.

5/ إنشاء شرطة خاصة بحفظ الأمن والسيطرة على مناطق السلطة المعروفة اصطلاحًا بالأمن الوقائي، بسلاح محدود مع الاحتفاظ بحق الحماية من العدوان الخارجي للكيان، أي أن السلطة الفلسطينية لا تملك جيشًا خاصًا بها.

6/ إنشاء مجلس تشريعي بانتخابات دورية تؤسس الحكومة التابعة للسلطة على أساسه.

7/ انطلاق مفاوضات تسوية الوضع الدائم بعد ثلاث سنوات من تاريخ الاتفاق.

وقد توج هذا الاتفاق بإعلانه وتوقيعه رسميًّا تحت رعاية أمريكية أيام الرئيس الجمهوري بيل كلينتون بين الطرفين: ياسر عرفات وشمعون بيريز بعد اغتيال إسحاق رابين، لتدخل بعدها القضية الفلسطينية في دهاليز المفاوضات التي تعد تاريخيًّا أطول مفاوضات لتصفية قضية استعمار – إن صح طبعًا اعتبارها مفاوضات تصفية استعمار – وهنا ينبغي أن نقف وقفة حقيقية في استجلاء الآثار التي نكبت بها اتفاقية أوسلو المشهد الفلسطيني عمومًا.

1/ أكبر أثر سلبي في نظري أنتجته اتفاقية أوسلو هي مسخ الوعي الفلسطيني – في الغالب – حين نقلته بخبث من فكرة المقاومة إلى فكرة الدولة، تلك الدولة التي لم تستوف شرطها بعد إلا أنه بقي مرتبطًا بشيء من الأمل في إقامتها عن طريق المفاوضات، خصوصًا وأنه نال شيئًا من استحقاقاتها (حكومة، أمن، انتخابات، مؤسسات…إلخ) وهكذا بقي الوعي الفلسطيني مشتتًا بين القيمة – استرجاع الأرض – وبين المنفعة – حوافز مالية ونشاط اقتصادي وشيء من المؤسسات.

2/  تجريم الحق الطبيعي والقانوني للشعب الفلسطيني في مقاومة محتله وقد نشأ عن هذا الاتفاق سلطة دايتون نسبة للجنرال الأمريكي الذي رعى تدريب قوات – الأمن الوقائي -الذي كلف بمهمة تتبع المقاومين في المناطق التي يسيطر عليها وتسليم معلومات استخبارتية للكيان تحت ما عرف ببند – التنسيق الأمني – وقد أصبح هذا أكبر وصمة عار في تاريخ الشعب الفلسطيني، حيث تحولت ذلك الجهاز – الأمن الوقائي – إلى ما يشابه في عرفنا نحن الجزائرين الحركة أو الزواف، وهم جماعة مرتزقة خونة قاموا بحرب القبائل الثائرة ضد فرنسا أيام المقاومة الشعبية ثم حاربوا جيش التحرير أيام الثورة.

3/ رفض مبادئ أوسلو لكن الرضى بمخرجاتها – وهذا إشكال وقعت فيه حركة حماس للأسف –  فقد التزمت حماس خط المقاومة المسلحة ضد الكيان وهذا واقع لا ينكره إلا جاهل أو حاقد – هزمت جيش الكيان في ثمانية حروب، وكان جهازها العسكري، كتائب القسام، على كفاءة عالية ولا يزال ليخرج أقوى في كل حرب كاسبًا تعاطفًا شعبيًا وعربيًا ودوليًا، إلا أن الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه حركة حماس بجهازها السياسي هو دخولها في لعبة الانتخابات التشريعية بخلفيتها الحركية التي تزاوج العمل السياسي بالدعوي – وفي المشهد الفلسطيني يضاف له البعد الجهادي – إلا أننا أشرنا سابقًا إلى أن تشكيل مجلس تشريعي يعد نتاج اتفاقية أوسلو التي رسخت فكرة الدولة والمفاوضات بديلًا عن خط المقاومة المسلحة مما أدى بحركة حماس إلى الوقوع في مأزق الخيارات الصعبة، فإما دولة كاملة السيادة على أرض محررة وهذا لا تثمره إلا المقاومة المسلحة أو الرضى بالمبادئ التي طرحتها أوسلو كما رضيت مخرجاتها.

 كانت قيادة حماس السياسية على وعي بهذا المنزلق الخطير لكن بقي رهان على وضع دولي ربما يحترم شيئًا من استحقاقات الديمقراطية لكنه للأسف لم يحترمها فوقع الانفجار الذي شق المشهد الفلسطيني فيما يعرف إعلاميا بالانقسام – فتح vs حماس – والذي كان في حقيقته نتاج لعبة أوسلو الخبيثة التي أغرت الإنسان الفلسطيني بشيء من شبه الدولة مقابل الإجهاز على معنى المقاومة والجهاد للتحرير الذي ما لبث أن انحصر شيئًا فشيئًا في غزة، انتهت تجربة حماس السياسية باستقالة إسماعيل هنية من الحكومة تلك الحكومة التي لم تسيطر إلا على نطاق غزة الضيق ثم حل اللجنة الإدارية بعد أن أنهكها وضع الحصار.

على قيادة حماس السياسية في نظري – العبد الضعيف – أن لا تعود إلى خطة الانتخابات مرة أخرى في ظل هذه المعطيات، فتكرار نفس التجربة بنفس المقدمات يعد جنونًا، ولم يكن هناك دولة أصلا حتى تكون هناك انتخابات ومجالس تشريعية، والأولى في هذه المرحلة الاشتغال على لملمة الشتات الفلسطيني وتوسيع دائرة العمل المقاوم خارج حدود القطاع إن أمكن.

4/ تحييد بقية المناطق الفلسطينية وحين نتحدث عن فلسطين نتحدث 26.990 كم 2 وهي مساحة فلسطين تقريبًا من البحر للنهر تضم عدة مناطق منها الجليل وصحراء النقب والساحل الذي يضم مدنًا تاريخية وهي حيفا ويافا وعكا، هذه المناطق أصبحت تعرف حاليًّا بأراضي الثمانية وأربعين أو الأراضي الواقعة داخل الخط الأخضر، وهي تابعة مباشرة للسلطة الصهيونية، لم تعد هذه المناطق متداولة باعتبارها جزءًا من الأراضي الفلسطينية – على الأقل إعلاميًا وفي الطرح السياسي الفلسطيني – كما أن تلك المناطق تشهد تهدئة طويلة الأمد تقريبًا من وقت الانتفاضة الأولى، حيث لا يكاد تتم فيها أي عملية مقاومة مسلحة، وقد كانت السلطة الفلسطينية دائمًا تطالب بانسحاب القوات الصهيونية إلى ما بعد (يونيو) حزيران 1967 لكن ضغط الواقع والسياسة جعلها تتراجع إلى الوراء لتبقى تلك المناطق تحت الهيمنة الصهيونية وفي هذا تكريس لانقسام التراب الفلسطيني على أرض الواقع.

5/ القدس – وهي جوهر الصراع ومربط الفرس في القضية الفلسطينية – وضع القدس مدينة في القانون الدولي تحت بند المدينة المتنازع عليها لذا فان غالب السفارات للدول الأجنيبة في الكيان في مدينة تل الربيع – تل أبيب – وضواحيها إلا أن الكنيست الصهيوني صوت في 31 يونيو 1980 على مشروع قرار يجعل القدس عاصمة للكيان لكن معظم الدول الغربية بقيت محافظة على مسافة من التوازن في هذه القضية، حيث أبقت على قنصلياتها وسفاراتها بعيدة عن المدينة المتنازع عليها حتى جاء قرار الرئيس الأمريكي – السيئ الذكر – بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس نوعًا من الاعتراف الضمني بأن المفاوضات وصلت لطريق مسدود والواقع هو الذي يرسم السياسة في المرحلة القادمة، وبعد أن كان القدس المقسمة إلى شرقية وغربية جاءت ما تعرف إعلاميًا – بصفقة القرن – لتجعل القدس الشرقية بما تحويه من مقدسات إسلامية تحت الهمينة الصهيونية الكاملة وترمي عاصمة الكنتون الفلسطيني في قرية أبو ديس على أطراف القدس، ذلك الكنتون الذي لم يقم أصلا والذي يستحيل أن يقوم بسبب أن المستوطنات العشوائية تخترقه من الداخل.

6/ رغم أن أهالي القدس يبذلون جهدًا كبيرًا – أسطوريًا – في التماسك والالتفاف حول المسجد الاقصى إلا أن الحقيقة الجلية أن مشروع دولة الكيان يمشي وفق الخطوات المعدة له حيث كرس التقسيم الزماني بشكل تدريجي وفق مفهوم كسر التابوهات – ليس آخره غلق الأقصى لمدة أسابيع صيف العام الماضي – ويتم التحضير الآن للتقسيم المكاني وفق ما تتيحه المعطيات القادمة في ظل تنكر كامل للكيان الأردني الذي لا يفعل شيئًا، وهو المخول قانونيًا كون الأقصى تحت وصايته.

اكتفي بهذا القدر فالوضع يعرفه القاصي والداني ومن له أدنى متابعة بالقضية الفلسطينية يدرك خطورة الوضع الذي كرسته أوسلو على الإنسان الفلسطيني، وكيف تلاعبت تلك الخديعة الكبرى بعقله والتهمت ما تبقى من أرضه وتحاول اليوم استكمال مشروعها باغتصاب كلي للمقدسات، إلا أن الحقيقة الأخرى التي ينبغي أن تذكر حقيقة خيانة معظم أنظمة الطوق الفلسطيني للقضية منها مصر والسعودية والإمارات، وتلاعب الأخرى بالقضية منها إيران وسوريا ولبنان، لتبقى دولة مثل تركيا غير واضحة المعالم – وإن كانت طردت السفير الصهيوني مؤخرًا – إلا أنها خطوة غير كافية خصوصًا وأنها أقدمت على خطوة مماثلة بعد إيقاف سفينة مرمرة التركية، لكن ما لبثت أن عادت العلاقات طبيعية، أضف إليها بقاء  المناورات العسكرية المشتركة مع قيادة الكيان، كل هذا يجعل السؤال مطروحًا حول الموقف التركي وما عادت تلك المبررات التي كانت ولا تزال تساق كافية.

أختم مقالتي هذه بالترحم على أرواح الشهداء الذين سقطوا في غزة أول أمس أثناء مسيرات العودة، رحم الله أرواحهم الطاهرة رجالًا ونساء وشيوخًا وأطفالًا وشبابًا، وقدس الله أرواحهم وربط على قلوب مجاهدي القسام والجهاد الإسلامي وبقية المقاومين ضد مشروع اليهود، وثبت أقدامهم عند اللقاء وسدد رميهم، واللهم هيئ للقضية الفلسطينية ما يصلحها والله الموفق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

 أثر أوسلو على الدبلوماسية الفلسطينية / حسام محمود أحمد 
 اتفاقية أوسلو والسلام المستحيل / إبراهيم براش 
 دراسات في القضية الفلسطينية / عدنان أبو عامر 
دراسات منهجية في القضية الفلسطينية / محسن محمد صالح 
حل الدولتين وحل الدولة الواحدة وحقوق اللاجئين / ورقة عمل صادرة عن المركز الفلسطيني لحقوق المواطنة 
الجزائر والقضية الفلسطينية صفحات من الجهاد المشترك / أحمد شنتي 
عرض التعليقات
تحميل المزيد