انتهى «العرس» حسب وصف الإعلام الرسمي المصري، وأعلنت نتيجة الاستفتاء على تعديل الدستور، ولكي يعي المصريون ما هو هذا الدستور الذي تعرض للتجريف مرتين؛ فهو دستور عام 2012 دستور مصر الثورة، والذي عدل من قبل لجنة شكلها العسكر في 2014 بمواد تم العدول عن جلها في 2019.

وبإعلان موافقة المواطنين على التعديلات الدستورية، بحسب ما أعلنته الهيئة الوطنية للانتخابات، بنسبة تجاوزت 88% من المشاركين، تكون مصر قد فقدت آخر ما تبقى من مكتسبات ثورة يناير (كانون الثاني) في تحديد مدتين رئاسيتين فقط لرئيس الجمهورية، فأصبح من اليوم الحال كما كان عليه قبل الثورة، بقاء للرئيس في منصبه إلى وقت غير معلوم.

انتهى «العرس»، وبقيت فاتورة تكلفته، والتي يجب أن تسدد حتى لا يتنازع الفرقاء، شركاء الداخل، وهم الذين كانوا أعداء الأمس -العسكر والليبراليون الجدد- أو شركاء الخارج -العسكر والدول العربية والإقليمية الداعمة لهم- وكل له ما سيحصل عليه وفق قواعد وأنصبة متفق عليها.

أما عامة المصريين، فقد تم المراد منهم، شوهت صورتهم وظهروا بأنهم لا يريدون الديمقراطية ولا تداول السلطة بشكل سلمي، بل يريدون ما يملأ بطونهم، وأجاد إعلام النظام في صناعة هذا المشهد؛ فقد أظهروهم للعالم وهم يتسابقون على الحصول على «كرتونة الاستفتاء» وما صاحبها من أموال في بعض المناطق، وهو ما عبرت عنه التايمز البريطانية في افتتاحية الثلاثاء 23 أبريل (نيسان) بقولها: «الطعام مقابل التصويت لبقاء السيسي في حكم مصر حتى 2030».

أما الساسة ومن يدور في فلكهم، أو من يسمون أنفسهم بالنخبة، وهم في واقع الأمر «نكبة» فقد حصلوا على ثمن سكوتهم ورضائهم بالوضع الاستبدادي بأن ضمنوا المواد المعدلة بالدستور، مادة تنشئ ما يسمى «بمجلس الشيوخ» ليضمنوا وجودهم بالمشهد في ظل نظام ساهموا في إيجاده، وهم اليوم يشترطون مد مدته بمد وجودهم في مواقع شرفية يستفيدون من ورائها، فهم يعلمون أنهم لا قبول شعبي لهم، ولن يحصلوا على ثقة الناخبين مجددًا بعد أن كرسوا صلاحياتهم التشريعية والرقابية في خدمة أنفسهم وخدمة النظام المستبد.

أما النظام المستبد فلم يبد اعتراض على استحداث «مجلس الشيوخ»، فهؤلاء الساسة ليسوا خطرًا عليه بكل تأكيد، فقد أثبتوا ولاءهم له، وحتى إن هاجمه بضعهم نهارًا، فما يلبثون أن يبيتوا في أحضانه ليلًا، إما وفق اتفاق غير مكتوب، وإما لكونهم أصحاب سجلات سوداء يلوح بها النظام في وجههم من وقت لآخر ليستقيموا على الطريقة.

«وإن ضمنا لقاء آخر فسأتحدث عن «اللوبي» في مصر، الذي يضم زمرة في كل قطاع وفي كل مجال سياسي، ورياضي، وفني، وديني، وإعلامي، واقتصادي، وتعليمي… إلخ، هذا اللوبي له رأس وجسد، يخلف بعضه بعضًا بأناس مختاريت بعناية يدعمون النظام، ويضمنون له الولاء، وإقناع الناس به».

ومن جملة الفواتير المزمع دفعها، هو الوصول لتحرير أسعار كل الخدمات التي تقدم للمواطنين خلال عامي 2019  و2020 حتى يصل الدعم الذي تقدمه الدولة نسبة صفر% تحت شعار التحرر من عوائق التنمية، هي تنمية بالفعل، ولكنها تخص فئة بعينها لمن هم في محيط النظام وفلكه، ونخبته التي تدعمه ويدعمها، وتحبه ويحبها.

فواتير أخرى تتمثل في مزيد من القروض الخارجية التي تقدمها مؤسسات التمويل الدولية – التابعة للدول الكبري الحليفة لنظام العسكر– والتي تحصل على امتيازات مقابل تلك القروض، فضلًا عن الفوائد عالية النسبة، مقابل أن تخرج التصريحات من تلك المؤسسات بأن الاقتصاد المصري في تحسن، وهو ما نراه بالصف والقنوات، ولا نراه ولا نلسمه إلا في أحاديثهم فقط، وللعجب أن جميع القرارات المتعلقة برفع الأسعار وخفض الدعم تأتي أولًا على لسان مؤسسات التمويل الدولية، مثل صندوق النقد، ومثل البنك الدولي، وكأنهم هم من يديرون بلادنا بلا خجل أو مواربة من النظام المستبد في أن يجمل صورته، فهو لا يخشى أحدًا من الداخل بعد أن سدد فواتير إطالة مدة حكمه، وارتضى صمت من حوله من المنتفعين بمناخ الاستبداد، والإقصاء، والذل، بعد أن أخذوا فتات المناصب وتركوا للعامة فتات القوت.

وسواء كان المخاطبون بهذه الكلمات عامة الناس، أو الساسة، أو حتى النظام بأركانه؛ فيا ليتهم يعلمون أنهم يدمرون الحاضر ويصنعون مستقبلاً لن يجنوا فيه إلا الحسرة والندم على أجيال ميتة لا حياة فيها، تصنع مستقبلاً لشباب سقوه من ماء آسن فلن يخرج سوى الحنظل، والفاسد من الرزع.

سيظل القلم يكتب في حب بلادنا وتمني رؤيتها في حال غير هذا الحال، لن نتنازل عنها، ولن يثنينا ترهيب أو تلويح أو طول زمان، فهو حلم يأبى الاستبدال، فصححوا المسار وعودوا لجادة الطريق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد