لثقته المتميزة في إخلاصي له فاجأني قبل عدة شهور بالبوح لي بسرٍّ رهيبٍ عجيب، لقد قرر أن يتزوج بثانية.

باركتُ له قراره وعانقتُه وأطلتُ وقت العناق لتصله رسالة حسية وسيكولوجية أن ثقته في محلها، ثم سألتُه: ومن سعيدة الحظ التي تستحق رجلًا مثلك؟

أجابني: الحقيقة ما زال الأمر مجرد قرار، لكن لم يحن بعد وقت التنفيذ، وعندما أجدها لن أتأخر في التنفيذ.

جلستُ على المقعد المواجه وقلتُ: ولكنك لم تخبرني عن مسوغات قرارك، فزوجتُك لا ينقصها شيء أبدًا.

أجاب وشفتاه تقبل الحروف: أنا أحتاج لحياة زوجية مثل كل الناس، لقد مللتُ تلك الحياة المثالية، لقد صارت سعادة روتينية، ألا توافقني أن من يأكل العسل المصفى يوميًا يمله؟

لم أفاجأ بكلماته فأنا أول الناس علمًا بصدقها، فسألتُه: إذن أنت تريد مشاكل لتستمتع بحياتك ولتخرج من روتين السعادة الذي تعيشه؟

رد على الفور: لا أحد يحب المشاكل، أنا أريد تكرار تجربة النجاح، فمن ينجح أولًا سينجح ثانيًا، وبدون شك سيتجدد كل شيء .

حلقتُ بفؤادي في عالم التعدد، فالذي شرعه هو الخالق القدير سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وتذكرتُ الآية الكريمة:
«ألا يعلمُ من خلق وهو اللطيفُ الخبيرُ» وفي عالم الصناعة من صنع شيئًا يضع له كتالوجًا لتشغيله وصيانته.
فقلتُ له:

التعدد حكمٌ فقهيٌ تنطبق عليه أحكام الفقه الخمسة؛ فيتراوح بين الواجب والمندوب والحلال والمكروه والمحرم. فالأصل أنه حلالٌ لعامة الرجال، وقد يرتفع للوجوب في حق بعض الرجال عند توفر الشروط وانتفاء الموانع .

وقد يكون التعدد مندوبًا إذا كان فعله يؤدي إلى أمر مستحب كالإكثار من النسل، أو عفة نفسه أو عفة امرأة أخرى .

كما يكون التعدد مكروهًا إذا كان فعله يؤدِّي إلى مكروه، كطلاق الزوجة الأولى أو إلحاق الضررَ بها .

ويكون التعدد محرّمًا إذا كان سببه حرامًا كأن يتزوّج بزوجة خامسة أو يجمع بين المرأة وأختها أو أن الزوج لن يستطيع العدل بين زوجاته فيما يجب عليه العدل فيه .

ثم سألتُه: فأي نوع من الأحكام السابقة يندرج قرارك تحته حسب تصورك؟

أجابني: إنني درستُ الموضوع من مختلف جوانبه وأحطتُ بجميع تفاصيله.

هنا اعتدلتُ في جلستي وارتديتُ ثيابَ الخبير الأريب وهو الدور الذي جاء من أجله، وهمستُ:

وهل كل الرجال يصلحون للتعدد؟

قال على الفور: لا.

لم أتركه يكمل وبادرته بالسؤال الآخر الأهم: إذن ما هي مواصفات الرجال الذين يصلحون للتعدد؟

أجاب: من يقدر على العدل بين الزوجتين «فيما يجب العدل فيه»، فيعدل في المبيت، ويوفر لها المسكن والمطعم والكسوة وغيره وبما يضمن الحياة الكريمة التي تليق بها .

عدتُ لجلستي الأولى: أو غير هذا؟

قال: كل الفقهاء أجمعوا على هذا .

قلتُ: إذن استمع إليَّ فلديَّ طرحٌ جديدٌ ينفعك بإذن الله.

قال: كلي آذان صاغية .

قلتُ: كل ما سبق صحيحًا، لكني أزيد شرطـًا جديدًا مهمًا نابعًا من الحال الجديد، وهو قدرة المعدد على التأقلم مع طباع زوجاته والصبر على غيرتهن، والتعامل بحكمة مع صدمة الزوجة السابقة، وكف غرور الزوجة الأخيرة .

أكملتُ: في هذا العصر تغيرت كثيرًا من طبائع البشر ولم يعد رجالُ اليوم كرجال الأمس، ولم تظل نساء اليوم كما كانت نساء الأمس .

ظهرت الثورة الصناعية، ثم ازدانت بثورة العلم، ثم تُوجت بثورة الاتصالات وتفجرت ينابيع التطور، فزاحمت النساء الرجال في كل التخصصات، بزعم مواكبة المدنية والتطور .

تغيرت المفاهيم «وإن شئت فقل انتكست»، وصارت المرأة في كثيرٍ من الأحيان ترأس الرجل في الوزارة والمستشفى والجامعة والمصنع.

أصبح لها علمٌ وفهمٌ وثقافةٌ وسلوكٌ وصولةٌ وجولةٌ وربما صار لها معجبون بأدائها، أو مرؤوسون في عملها ينشدون رضاها المهني أو العلمي أو الإداري .

لا تأتي نهاية كل شهر إلا وهي تراجع كشف حسابها بالبنك لتُعد ميزانية شهرية جديدة توزان بين راتبها ومصروفاتها المتوقعة.

سألته: هل تعرف معنى كل هذا؟

طأطأ رأسه: معناه أنها صارت تنافس الرجل في مهامه، بينما الرجل يكتفي بالمشاهدة .

ابتسمتُ لذكائه ثم قلتُ: أنا لا أقر أبدًا بصحة الوضع الحالي؛ فترأَّس المرأة للرجل مخالفٌ للفطرة، لكن حتى يحدث تصحيح لهذه الانتكاسة يجب التأقلم معها .

قاطعني بأدب شديد: ائذن لي، بتوضيح ما تقول؟

أجبتُه: سأوضح إِنْ شَاءَ اللهُ، ولكن لا تحسبنَّ أني سأتعَرض للحكم الفقهي لتعليم المرأة أو عملها فحواري معك اليوم لن يخرج عن التعدد، وربما سمح لنا المجال أن نناقش ذلك في حوارات تالية إِنْ شَاءَ اللهُ .

الوضع الحالي يساوي بين الرجل والمرأة في أمور كثيرة جدًا، لكن أكثرها يخالف الفطرة، ويناقض الفسيولوجيا والسيكولوجيا البشرية .

إذا أردتَ أن تعدد فانتظر حتى يعود الرجال لما خلقهم الله عليه من قوامة وحماية ورعاية وتأديب ونفقة وتعليم وترفيه.

قبل أن تعدد انتظر حتى تعود المرأة لوظيفتها الأساسية في رعاية زوجها وبيته وأولاده وماله.

قبل أن تعدد انتظر اليوم الذي يعود فيه القانون الأسري الرباني «وجعل بينكم مودة ورحمة» وليس قانون العلاقات النفعية، وليست مصالح تكاملية، وليس سدًا لفراغ وليس تقليدًا للآخرين.

أنت رجل والرجال مولعون بالنساء، ولا ألوم أحدًا منهم فهي غريزة من الخالق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لكن انتبه فمعظم النساء الآن يشاركن الرجال في معظم مهام الحياة.

فإن أردتَ امرأة تصلح للتعدد فاختر امرأة لا تشارك الرجال في المهام.

فإن اخترتَ إحدى المشاركات سواء في وظيفة أم علم أم مهارة أم ثقافة، فاعلم أنك ضيعتَ حقك في التعدد، «فمن تشارك في المهام لا يصح عقلًا أن تتساوى في الأحكام».

كيف لك أن تطلب منها أن تربي أطفالك وتجهز طعامك وتنظف بيتك وتغسل ثيابك، ثم تريد منها أن تساعدك براتبها في متطلبات الحياة؟

كيف لمن ترأس رجلًا في عملها وربما عاقبته على تصرفه الخاطئ، أن تنصاع ذليلةً لرجلٍ في بيتها يأمرها وينهاها وقد كانت منذ ساعة آمرة ناهية؟

كيف لمن عانت في ذهابها وإيابها لعملها من وعثاء الطريق، وتنكر الصديق، أن تكون وردة في بيتها ودرة في خدرها؟

يا عزيزي، السابقون نجحوا في التعدد لأنهم ونساؤهم استقاموا على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وقام كلٌ منهما بدوره الذي خُلق من أجله، فلما اعوجت الفطر وانتكست العقول وزاحمت النساءُ الرجالَ فسدت المعاني التي من أجلها شُرع التعدد .

أنا لا ألوم امرأة تعلمت وتثقفت وتسلمت وظيفة وصار لديها حسابٌ في البنك ولسانٌ سليطٌ من كثرة ما قرأت وعانت من صراعات الحياة، أنا لا ألومها إِنْ رفضت التعدد فلديها ما يكفيها وربما لديها ما يحميها .

عندما اختفى معنى «وقرنَّ في بُيوتكن»، وزال معنى «هُنَّ عوانٌ عندكم» فلا غرو أن ترفض تلك السيدة التعدد فالرجل هو نفسه من ساعدها على عدم «القرار» في البيت وهو أيضًا من فك قيدها الذي تحبذه الفطر السليمة .

عزيزي أنا لا أنهاك عن التعدد ولكني أسلط الضوء على الحالة الجديدة للمرأة في ظل استسلام الرجل لتلك الحالة فعليًا ثم رفضه لها معنويًا، فيكون تناقضه هذا هو شرارة النار التي تشتعل في بيت الزوجية الأول ثم تنتقل للبيت الآخر.

عزيزي، لو أردتَ التعددَ فعُد بالزمان كما كان، أو اختر امرأة تقبل التعدد؛ لأن دينها يأمرها بذلك في الوقت ذاته الذي يسمح لها المجتمع بأن تتساوى مع زوجها في الشارع والمصنع والمتجر والجامعة، لكنه لا يسمح لها بأن تتساوى معه في المنزل .

خرج من عندي، ثم مضى على ذلك الحوار عدة شهور سمعتُ بعدها أنه أمر زوجته بالمكوث في منزل الزوجية فتركت وظيفتها وتفرغت لرعايته وأولاده ومنزله وماله .

عانت زوجتُه من جدران المنزل وضجيج الأبناء بعدما فقدت لذة كانت تجدها في عملها، فصارت كثيرة الشكوى، دائمة الأنين، مبتذلة الثياب، فبدأت المشاكل الأسرية تنغص حياته ففارقته السعادة الروتينية، وخاف من تكرار التجربة فتكون أسوأ مما يعيشه فانصرف عقله عن التعدد وأقسم لزوجته أنه كره التعدد والمعددين .

#‏مُصْطَفَى_زَكِي

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد