تقوم نظرية الغرس الثقافي على الفرض الرئيسي، وتشير إلى أن: الأفراد الذين يتعرضون لمشاهدة التليفزيون بدرجة كثيفة يختلفون في إدراكهم للواقع الاجتماعي، إذ يعتقدون أن ما يشاهدونه من خلال التلفزيون من واقع، وأحداث، وشخصيات، تكون مطابقة لما يحدث في حقيقة الحياة.

كنا في الصغر نسمع القصص والحكايات من أمهاتنا وجداتنا، ومن ثم قرأنا الروايات، ونتخيلها تتجسد أمامنا بشخصياتها وشخوصها، ببيتها وبيئتها، بحياتها وحيواتها، فعقل الإنسان أجود من أحدث آلة تصوير لمصور محترف، وأمهر من أخبر ماكيير يشكل ملامح وتقاطيع أي شخصية كانت، ويخرج مشهدًا أفضل من أشهر مخرج عالمي، هذا طبعًا قبل أن نسلم عقولنا، وبكامل إرادتنا، إلى هذا الإطار الجاثم في بيوتنا، ليضعنا في إطار شخصيات فرضية تفرض علينا أداءها السقيم، وتلزمنا بتصديقها، بل تستجدينا كمشاهدين أن نتعاطف معها، ونتجاهل الشخصيات المنافسة لها.

الإشكالية أن الشخصية البطولية في الغالب، شكلها وصورتها لا تساعدنا أبدًا أن نتعاطف معها، بغض النظر عن خطها الدرامي، فهي تستفزنا مثلًا بلباسها الذي لا يتناسب مع الدور الذي تؤديه، ولا يتناسق مع الحقبة التي هي فيه، وبمكياجها الصارخ، وبكل مواضع النفخ فيها، وبطريقة حديثها الذي لا يخلو من قمة التعالي والغطرسة والغرور، أو العكس الانكسار والتذلل حتى الخنوع، وهذه الصفات إن كانت مرئية أو حسية، تلقي بفرضيتها علينا بطريقة مبالغ فيها، ويريدون منا أن تعجبنا، وأن نجد فيها ما يهمنا، ولها يشدنا.

لماذا يريدون أن تجتمع عواطفنا وأحاسيسنا، إن كانت حبًا أو كرهًا، فالناس يختلفون على كافة مشاربهم، وأذواقهم تحددها ثقافاتهم، وانتماءاتهم، تربيتهم وبيئتهم، اعتقاداتهم ومعتقداتهم، ربما يعجبني ذاك ولا يبهرني هذا، ويطربني سين ويزعجني صاد، افتراضية الجمع على ذوق واحد خطأ جلي، وهو متعمد وليس بالأمر الخفي، إذ يحاولون بأي طريقة أن نقف موقفهم، وأن نتبنى وجهة نظرهم، ونسلك مسلكهم، وأن نركب مركبهم الذي يبحر في هذا الكم الهائل من البشر، دون الأخذ بالاعتبار سلامة هذا المركب من الثقوب أو أي نوع من أنواع العيوب.

ليس الطريق الذي يسلكه السالكون هو بالتأكيد طريق الصالحين الناصحين المصلحين، وليس كل من اعتزلوا في صومعة عن الناس، عدوا من الزاهدين الناسكين، وللعبادة منكفئين، لربما كان منهم مجرمين ومن وجه العدالة فارين.

لماذا ينظرون إلينا وكأنما نحن صفحة من صحيفة بها الأخبار نفسها، وتصدر بملايين الأعداد، وأننا طبعة واحدة وعلى طباع واحد، لا نصبح اثنين، ويجب أن نتأثر مما يتأثر منه الغير، وأن نحزن من الموقف الذي يحزن الغير، ونفرح من الحدث الذي يفرح الغير، بل نضحك من النكتة السمجة التي يقهقه عليها الغير، لا ليست هذه الطرق المثلى والمناسبة للتعامل مع الناس، هذه لا تتبع سوى مع الماشية من القطيع تمشي خلف الراعي يأمرها فتطيع.

المشكلة أنهم بفهمهم يتوقعون أن هذا ما يهذي به كل الناس، وأنهم على النمط نفسه والأساس، ومن يخرج من تحت هذه العباءة المطرزة، والأطر المؤطرة، والآراء المسبقة فهو بذلك غريب الأطوار متخلف عن المسار، بطريقتهم هذه أسسوا أن هذا خير وهذا شر، هذا جميل وهذا قبيح، فرضيات ذوقية وحسية تختلف من شخص إلى آخر يلقونها في عقولنا، ويفرضون علينا أن نتبعها، ونقيم الكل على أساسها وقياسها.

موسم الغرس الثقافي

موسم الغرس المكثف اقترب لمدة شهر، يغرسون في الأطفال والمراهقين، وحتى من هم أكبر، مبادئ كاذبة وقيم متردية بالية وغير موالية، وبعد انتهاء الشهر الفضيل، نكتشف أن الغرس بدأ يثمر، وبدل أن يجني حسنات وأداء للطاعات والالتزام في الصلوات، ومجاهدة النفس بالبعد عن المحرمات، نجده بدأ يؤثر تأثيرًا عكسيًّا على ذواتهم، وطرق تعاملهم إن كان مع أولياء أمورهم، أو في مدارسهم مع معلميهم وزملائهم، الكل منهم اختار شخصية ألقت بظلالها عليه، وارتسمت ملامحها فيه، وأصبح أداء إفيهاتها أكثر ما يعنيه، فينطلق بها إلى العالم الخارجي يجسدها لهم بكل مساوئها، وعندما نمعن النظر في شخصياتهم، ونحد البصر لحركاتهم، ونصغي السمع لبعض كلماتهم، نجدها كلمات سطحية وحركات غبية، يؤديها وهي غير متعارف عليها دخيلة علينا وغريبة عنا، ليست من قيم مجتمعاتنا ولا من مفردات بيئتنا، من هنا نعرف أنه اكتسب إحدى هذه الشخصيات البالية وغير المبالية.

فرضية الدب

يعد الدب من أخطر الحيوانات وأشرس الكائنات، ولكن عند إهداء المحب لمحبوبته دبًّا يعد ذلك من البوادر الحبية، وأعلى قمة هرم الرومانسية، وهذا مما كرسته لنا الرسوم الكارتونية.

هناك أيضًا أمور كثيرة في مجال العلاقات الاجتماعية أصبحت في مجتمعاتنا الإسلامية من المسلمات، وهي من أثر الغرس الثقافي، فأصلت لصورة نمطية واحدة، وهذه من أكثر الأمور حساسية لدى المجتمع بشكل عام، والمرأة بشكل خاص، ولذلك ربما لم يتطرق إليها تطرقًا كافيًا، وهو مثلًا الرجل المعدد، فقد خرج لنا بشخصية نمطية، لا تبتعد عن شخصية الرجل الجاهل الكبير في السن المتصابي، الذي أهمل بيته، ولا يهتم لأمر أبنائه، الباحث عن شهواته، مما أدى إلى انحلالهم الأخلاقي، وفشلهم الدراسي، وإدمانهم للمخدرات، وضياعهم في عالم الجريمة، وتلك المرأة زوجته أم أبنائه المغلوبة على أمرها «مكسورة الجناح» التي تؤدي واجباتها على أكمل وجه، وتحمل على عاتقها إعادة إصلاح ما كسره، وتحاول أن تستجمع بعض مما بعثره، ذلك الزوج الذي هجر بيته ليلحق بتلك المرأة «خطافة الرجالة»، بل يذهب الغرس بالبعض إلى أبعد من هذا ليتبنى نظرية المؤامرة بأن هذه الزوجة الثانية هي المرأة اللعوب في أحد الأفلام العربية، التي ضحكت على هذا العجوز لترثه، وتستولي على أمواله وتحرم منها أبناءه، وتبعده عن أحفاده، وهو في آخر أيامه.

هذا ما صور وأُصل في ثقافتنا؛ فأصبحت هذه نظرتنا لكل معدد، وهذا هو التفكير السائد الذي غرس فينا، فأخذنا هذا القالب، والقليل منا من يستطع أن يغالب هذه الصورة النمطية، ويتجاوزها ليفكر بأبعد منها.

منذ أيام قليلة خرج هاشتاق وصل ترند بوسائل التواصل الاجتماعي #الزوجة_الثانية، نسبة كبيرة جدًّا من الإناث أتت تعليقاتهم تقريبًا متقاربة، وتدور حولها، إن لم تكن نفسها، «كيف لها أن تبني سعادتها على تعاسة غيرها»، هذه بالضبط «الكليشية» نفسها التي تتردد في أغلب الأفلام والمسلسلات العربية، عندما يتطرق إلى موضوع الزوجة الثانية، دون إعطاء فرصة للتحليل أو أي نوع من أنواع التفسير.

وهذا مما يؤكد بأن الغرس الثقافي يؤدي إلى صورة نمطية في كثير من الأحيان غير منطقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد