بين الحين والآخر أطالع على الفيس بوك، أو حين يثار الحديث مع بعض الأصدقاء، قضية ارتفاع نسبة الطلاق بين المتزوجين حديثَا لتصل إلى أكثر من خمسين بالمائة بين المتزوجين في عامهم الأول. ويتتالى الحديث في هذه السردية عن عدد البنات اللائي لم يتزوجن وقد اقتربن أو جاوزن الثلاثين من أعمارهن ليصل عددهن لما يجاوز العشرة ملايين في مصر، بينما يقل عدد الذكور  الذين أيضًا لم يسبق لهم الزواج قليلًا. وتختم هذه السردية عادة بضرورة إحياء ثقافة التعدد مرة أخرى بسبب المعاناة الناجمة للبنات اللائي تجاوز سنهم الثلاثين ولم يتزوجن، وما لذلك من أضرار نفسية ومجتمعية بالغة عليهن. ولقد طالعت ذات مرة منشورًا يتحدث عما إذا وجد حاكم مسلم يحكم بشريعة الإسلام عن حق، لأوجب التعدد على كل قادر عليه بناء على معطيات هذا الواقع.

وإذا ما حاولنا الولوج أكثر لفهم هذه السردية قد نجد أصواتًا معارضة تتحدث عن الواقع الاقتصادي المؤلم خاصة بعد تعويم الجنيه المصري، لتتضاعف أسعار السلع أضعافًا مضاعفة؛ فكيف لإنسان الآن أن يتزوج مرة أخرى إذا كان لا يستطيع الزواج مرة واحدة، وقد نجد حديثًا مبررًا صعوبة هذا الأمر مرده كذلك لن يخرج عن أزمة السكن أو صعوبة إيجاد وقت؛ فالرجل الآن ينام ليعمل ويأكل ليواصل عمله، فكيف له بأعباء الزواج من امرأة أخرى بما يتطلبه من تبعات اقتصادية ونفسية.

وحقيقة أجد نفسي لا أميل إلى تحليل مثل تلك الظواهر المُرَكَبة وفقًا لمنهجيات اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية لسببين أساسيين؛ أولهما أنني فقدت إيماني بقدرة تلك المنهجيات على تفسير الواقع والتعامل الحقيقي مع النفس الحية أو بتسمية أدق النفس الربانية وما يعتمل فيها من مشاعر وأفكار وما يعرض عليها من أفراح وأتراح، فتلك المناهج –حتى إن سلمنا جدلاً بقدرتها على التفسير- فإنها قد تنجح في رصد عامل بدقة في حين أنها تغفل عوامل كثيرة لرصد عامل ما؛ اقتصاديًّا  كان أو نفسيًّا، وبالتالي يقف الرصد الجزئي الكائن على غرار تلك التفسيرات حائلاً أمام فقه الظاهرة ورؤيتها على حقيقتها. يقول علي عزت بيجوفيتش ما يفيد أن المناهج النفسية لا تفسر الظاهرة النفسية، لأنها تتعامل مع النفس بوصفها نفسًا ميكانيكية قابلة للقياس المادي. وهذا الحديث عن النفس يخالف – بحسب فهمي – ما يتحدث عنه الله في كتابه الكريم بقوله تعالى متحدثًا عن النفس «ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها» (الشمس:7-9). أما عن ثاني الأسباب التي جعلتني أزهد في تحليل قضية التعدد وفقًا لتلك المنهجيات إيماني أن عملية فقه الظواهر لدي باتت لا تنفك عن مكابداتي الشخصية؛ فأنا لا أكتب في أمر ولا أقرأ في موضوع إلا ما له صله بديني وإيماني وما يبني عليه عمل بعدما أحاول رؤية الأمر على حقيقته ثم أشرع في العمل بمقتضى ما علمت، وهذا بدوره لا ينفك عن المحاولة الدائمة من استقاء الفهم من خلال مكابدة الوحي (قرآنًا وسنة) والدأب على استنباط نماذج تفسر الظواهر مستقاة من مشكاته.

وحين نحاول رؤية الظاهرة وفقًا لهذا المنظور، نجد أن مسألة التعدد في الواقع الحالي لا يمكن فهمها إلا من خلال فقه أثر الحداثة على تصور المسلم المعاصر؛ وبرغم أنني كذلك بت لا أثق في قدرة مقولات مثل (الحداثة – ما بعد الحداثة – العلمانية – العولمة…إلخ.) في بلورة حقيقة ما يجري في الواقع الحالي، لأنني أرى أن معظم تلك الكلمات قد صكت لقضايا لم تعد حقائق الواقع معبرة بشكل حقيقي عن المضامين التي من أجلها صيغت تلك الكلمات؛ ولهذا أرى أن مثل تلك الدوال أصبحت شبه خالية من مدلولاتها إذا ما كابدنا الواقع ورصدناه على حقيقته، إلا أنني سأستخدمها مؤقتًا لحين يأذن الله له في صك مصطلحات أرى أنها أكثر تعبيرًا عن الواقع وقضاياه في آخر طور استقر عليه الأمر. ينبغي على من ينظر لظاهرة التعدد ألا يراها بمعزل عن آثار الواقع الحديث في تشكيل وجدان يعادي جوانيًا التصور الإسلامي الصحيح.

يقول د. عبد الوهاب المسيري في هذا الصدد: ولنتخيل الآن إنسانًا يلبس التي شيرت، ويسكن في منزل وظيفي بُني ربما على طريقة البريفاب Prefab (الكتل الصماء سابقة الإعداد)، ويأكل طعامًا وظيفيًا (هامبورجر- تيك أواي طُبخ بطريقة نمطية)، ويشرب كوكاكولا، وينام على سرير وظيفي، ويعيش في مدينة شوارعها فسيحة، عليه أن يجري بسيارته (المستوردة) فيها بسرعة مائة ميل في الساعة، بل قد يهرول إلى المسجد (أو الكنيسة) حينما يقترب وقت الصلاة- تُرى..ألن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا توجد في حياته خصوصية أو أسرار، إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟! قد يقيم هذا الإنسان الوظيفي الصلاة في مواقيتها ولكن كل ما حوله خلق له بيئة معادية لإدراك مفهوم القيمة المتجاوزة وجدواها!

وبالتالي تضعف الفروع النامية مثل وجود فرد مسلم يعي مسئولياته الشرعية على حقيقتها، وبالتالي يصبح قادرًا على إقامة أسرة فاعلة، ومع تنامي هذا الدور يتكون مجتمع مسلم تتحرك فيه معاني الإسلام بسلاسة ويسر، وتنضبط فيه أوزان الأمور والعلاقات البينية بين مسألة وأخرى، والحجم النسبي لأمر مقارنة بأمر آخر، لأنها ببساطة أضحت تتغذى بماء آسن يحيل الشجرة الحية إلى خشب مسندة.

ومن آثار الحداثة إحداث بصائر مجتمعية مزيفة، أشبه بالمرايا في بيت الرعب؛ تضخم من الأمور ما ليس بهذا الضخامة وتصغر من الأعضاء ما هو بكبير، باختصار إنها تعطي الإنسان انطباعًا مزيفًا عن نفسه وبالتالي عن آماله وتوقعاته، وتحدث ربكة عامة في المشاعر وتنشأ وجدانًا يتمايز كلية عن وجدان المسلم الناشئ في واقع إسلامي به بصائر حقيقية مستقاه من دينه. إننا إن سألنا هؤلاء البنات اللائي قاربن الثلاثين أو تجاوزنها هل ترغبين في الزواج من شخص متزوج؟ غالبًا ما سيقابل الطلب بالرفض، فمعظم الشباب هذا الجيل لا يعوا احتياجتهم الحقيقة، وهم معذورون في هذا الأمر نسبيًا إذ كيف يعلمون ما يجب عليهم فعله في ظل ما كونته البصائر المجتمعية المزيفة وصاغت لديهم وجدانًا شائهًا.

يقول ابن مسعود رضي الله عنه «رحم الله امرأً عرف زمانه فاستقامت طريقته»، إن الحال النهائي لوجدان الشباب والبنات في هذا الجيل بحاجة إلى مكابدة فردية لمن يريد تحمل مسئولية دينه ورؤية الأمور على حقيقتها، فالمشاعر والأفكار الفاسدة الناشئة عن المنتجات الثقافية المختلفة (أفلام – مسلسلات – أغاني) وحراك مجتمعي (تربية في المنزل على يد الوالدين وتعليم في المدراس) وغيرهما بحاجة إلى وقفة جادة لمعرفة حقيقتهما وفقًا لصياغة جوانية على هدي الوحي (قرآنًا وسنة) لاكتشاف ما ضُخم وما هُمّش وما صُدّر على غير حقيقته وإنها لعملية شاقة، ولكن الموفق من وفقه الله بحسب تعبير الشيخ فريد الأنصاري.

إن التعدد بات من القضايا الجزئية التي تمس صلب تصور الإنسان لنفسه وربه والقدر أو الواقع، مثله مثل فتوى يمين المستكره عند الإمام مالك وعدم قبول القضاء عند الإمام أبو حنيفة، وفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في قضية الطلاق عند الغضب، وغيرها من القضايا التي يقدر الله تعالى في أزمنتها أن تكون مؤشرًا مهمًا يبرز حقيقة إيمان الإنسان ببداهات الإسلام الأولية، ولهذا أدعي أنه بعد صياغة الإنسان المسلم صياغة تتنافى في حقيقتها مع حقائق الإسلام وتصوراته عن الله والكون والإنسان، باتت قضية العلاقات الإنسانية كاشفة لفساد هذا التصور ومنها التعدد موضوع حديثنا.

لذا أرى أن التعامل مع هذه القضية في هذا الواقع المأزوم أضحى مسألة وثيقة الصلة بمعاني الدين الأساسية، بل إنها مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بمفهوم العبودية الذي فرغ من مضمونه بفعل الحداثة – التي تقدم ضمنًا نموذج الإنسان المتأله في منتجها الثقافي والاجتماعي – ولهذا فإن الحديث عن العفاف للمرأة بقبول الزواج من شخص متزوج وضرورة تضحية الزوجة وما إلى ذلك من دعاوى ترويجية لقضية التعدد باتت مستهلكة ولا تعبر عن الواقع، لا لأنها غير صحيحة، بل لأنها مقولات تغفل حقيقة الواقع الذي نحياه حاليًا، بل وتبتلعها التوقعات الناشئة عن البصائر المزيفة وآمال قصص الحب والعشق المتوهج المنتظر والحبيب الأوحد الأبدي…إلخ.

والحل يتأتى من فرد يعي مسئولياته على الحقيقة، حتى يعلم إذا كان أمر التعدد في حالته هو من مسئولياته الشرعية أم لا، أما دون ذلك فلن تكون سوى دعاوى حماسية لن تجد لها أرضًا لتمدد فيها. ويحضرني في النهاية الحديث الشريف «استعن بالله ولا تعجز» في ضرورة المكابدة وصولاً لمعنى حقيقي للحياة، يمكن الانفعال معه وتحديد الأدوار والمسئوليات وفقًا لحقائق الدين، وحين يعيش الإنسان بتلك الطريقة سيعلم ما يجب عليه فعله لاستقامة أمره ويجب عليه تركه وحينها إن قدر له التعدد سيكون متسقًا مع نمط حياته المؤسس على تصورات صحيحة والمستقي فاعلية وجدانه من مشاعر حقيقة لها قدرة على التأثير والانفعال مع الحياة، بنمط يتمايز عن السائد في طرح تلك القضية على أرضية حداثية  بعدما تدبج بديباجات شرعية غير واعية بالقدر الكافي لحقيقة الأرض ونوع تربتها.

والله أعلم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد