إكمالًا للمقالة السابقة، والتي ناقشت موضوع تعدد الزوجات وهو التشريع الإسلامي الكريم الذي جاء علاجًا لمشكلات اجتماعية لا علاج لها إلا به ولا تستقيم إلا معه، وناقشتُ من خلالها المقالة التي كتبها الأستاذ (عماد الدين السيد)، ونشرها الموقع يوم 23/10/2015، بعنوان (ما فعله الفقهاء بامرأة فضلت الطلاق على التعدد)، وقد أعقب نشر مقالتي عدة نقاشات مع عدد من الأصدقاء والقراء، فأردت أن يتكامل ما طرحته من خلال هذه المقالة الثانية التي أعرض فيها للموضوع من جديد في شكل سؤال وجواب:

 

س: ما هي الحكمة من تشريع تعدد الزوجات في الإسلام؟

ج: تشريع تعدد الزوجات شأنه في ذلك شأن التشريعات الإلهية له حكم بالغة، نعرف الكثير منها، وقد يظل باقي حكمه يختص بعلمه المشرع الحكيم، ومما نعلمه من حكم تعدد الزوجات أنه العلاج الشرعي الوحيد للمشاكل التالية:

أولًا: مشكلة تعاني منها أغلب المجتمعات طوال الوقت وهي نقص نسبة الرجال الصالحين للزواج مقابلة نسبة النساء الصالحات للزواج، وذلك للأسباب الآتية:

1- أسباب مالية: لأن الرجل هو المكلف بالإنفاق على الأسرة في جل المجتمعات، فهناك نسبة من الرجال لا يستطيعون الزواج لعدم قدرتهم على الإعالة.

2- أسباب جسدية: لوجود نسبة من الرجال مصابون بالعجز الجنسي الكلي المانع لهم من الزواج، وهي نسبة موجودة ومحسوسة في كل المجتمعات وإن اختلفت من مجتمع لآخر.

3- أسباب نفسية: إعراض الكثير من الرجال عن الزواج خاصة في العصور الحديثة لعدم رغبتهم في تحمل مسؤوليات أسرية والتحرر منها، بينما لا توجد نسبة نسائية مكافئة لحرص النساء على الأمومة التي هي الغريزة الأساسية عند المرأة.

ثانيًا: مشكلة تعاني منها أغلب المجتمعات بعض الوقت وهي نقص نسبة الرجال عمومًا عن عدد النساء خاصة بعد أوقات الحروب وغيرها.

فجعل الله في تعدد الزوجات مخرجًا علاجًا لتلك المشكلات يأخذ بيد المحرومات من الزوجات ويتيح لهن الحصول على زوج.

 

 

س: هل يتوقف قناعة المسلم أو عمله بالتشريع الإلهي على معرفته للحكمة منه؟

ج: على الإطلاق، بل يجب على المسلم أن يكون التشريع هو قناعته “فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا”، ويجب أن يطرح عن نفسه ذهنيًا كل ما يضاده من تشريعات، “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيًدا”، ويجب أن يمتثل إليه عمليًا طالما علم أنه من الله، سواء أأدرك حكمة الله فيها أو غابت عنه حتى حين “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”.

 

س: هل جاء تشريع تعدد الزوجات استجابة لميل الرجل الفطري للتعدد؟

ج: بل العكس هو الصحيح، لقد جعل ميل الرجل الفطري للتعدد ورغبته في النساء مع تحريم الزنا عليه ليكون ضاغطًا عليه، فالإسلام إذًا لم يقر التعدد استجابة لشهوة الرجل، العكس تمامًا هو الصحيح، جعل شهوة الرجل سائقًا له – ومصيدة شرعية له إن جاز التعبير – تجبره على الزواج فتكون سببًا لعفة المزيد من النساء اللائي لم يتزوجن والإنفاق عليهن وإعطاءهن فرصة الإنجاب التي ما كانت لتكون بدون التعدد، فالإسلام استغل شهوة الرجل ليحمله أعباء بيت ثان وتلبية احتياجات امرأة أخرى في مقابل إشباع تلك الرغبة.

 

س: لماذا لا يعطي الرجل الغني من ماله للشباب الفقير ليتزوجوا بدلًا من أن يتزوج هو من الثانية والثالثة؟

ج: هنا تكمن عظمة الإسلام في المجال التشريعي، فهو – بخلاف المناهج الوضعية – لا يضع حلولا وردية أو نظرية لا يمكن تطبيقها، بل يضع حلولا عملية للمشكلات، فلا يوجد أحد ولن يوجد أحد يتبرع بماله ليتزوج غيره، ولكن الله حين أراد حل مشكلة هؤلاء النسوة والفتيات اللائي لا يجدن رجالًا – لنقص عدد الرجال الصالحين للزواج مقابل النساء الصالحات لذلك – وضع في طبع الرجل الميل للتعدد، فكان دافعًا له لينفق من ماله ويتحمل مسؤوليات وأعباء نفسية كلها في صالح المرأة، في مقابل هذا الميل، أما الحلول النظرية التي لا تطبق أبدًا مثل إعطاء ماله لغيره ليتزوج فهذا كلام البشر الذي لا يوجد له أثر، أما رب البشر فحلوله عملية وليست نظرية، وأنت عندما تساعد شابًّا ببعض المال ليتزوج فهي صدقة مشكورة، لكنك أبدا لا تصل لمرحلة أن تخرج من مالك ما يكفيه للزواج كما لو كنت ستفعل عندما تتزوج أنت، هذا ما لا يحدث.

 

س: ولكن مَن مِن الرجال يقبل على الزواج ليحل مشكلة مجتمعية؟! هل يتزوج من دميمة مثلًا أم يتزوج من امرأة أعجبته؟

ج: الرجل حين يتزوج مثنى وثلاث فإنه لا يفعل ذلك ليحل مشكلة مجتمع، لا أحد يقول: بسم الله نويت أتزوج لأقلل عدد العوانس، لا، هو يفعل ذلك لأن إحداهن أعجبته فقرر أن يسلك طريق الحلال ويتزوجها ليعيش معها ويسعد بها، وهو حين فعل ذلك استجابة لميله المكون داخله للتعدد قام دون شعارات بعفة امراة مسلمة والإنفاق عليها وأتاح لها قضاء وطرها وأعطاها فرصة للإنجاب، فتحققت أهداف التعدد، هكذا تسري القوانين الإلهية في المجتمع.

فقط علينا أن نفسح لها المجال لتعمل دون قيود وعندها تنحل الكثير من مشكلاتنا التي لا تنتج إلا عن تدخلنا، إذا كنت ترى في محرك سيارتك قطعة صنعها الصانع ولا تعرف فيم تستخدم فعليك فقط أن تتركها في مكانها، فإن الصانع يعرف فيم تستخدم! إذا غلبك الفضول فعليك أن تسأل، فإذا لم تعرف فاتركها في مكانها فلها دور تؤديه، علمته أم جهلته.

وهناك من الحكم الكثير، ومما خفي علينا – ولا شك – أكثر، ومحاولة إيقافه بتشجيع المرأة على الطلاق وبالتالي ينحل التعدد من الناحية العملية فإن ذلك بمثابة نزع قطعة من المحرك فقط لأننا لا نعرف فيم وضعها الصانع أو لا يعجبنا لونها! علينا أن تتوقع في هذه الحالة – حتى ولو لم تتوقف السيارة فورًا – أن خللًا كبيرًا لا ريب سيحدث عاجلًا أم آجلًا، فما وضعها الصانع عبثًا، وبقدر اختلال الوظيفة التي كانت تؤديها بقدر ما ستختل حركة السيارة كلها أو تتوقف.

 

س: هل نستطيع أن نقول أن تعدد الزوجات هو في صالح المرأة قبل الرجل؟

ج: بكل تأكيد، فالرجل الذي يتزوج الثانية قد كان يقضي بعض وطره مع الأولى، وكان يلبي بعض حاجاته النفسية والجسدية وعنده الفرصة ليكون له الأبناء، وفي مقابل إرضاء ميله للتعدد سيكون عليه:

  1. نفقات بيت جديد.
  2. أعباء إرضاء زوجة جديدة وتلبية احتياجاتها.
  3. أعباء الإنفاق على أولاد جدد وتربيتهم.

 أما بالنسبة للمرأة، فهناك امرأة في المجتمع:

  1. كانت محرومة من الإنفاق ووجدت من ينفق عليها.
  2. كانت محرومة من قضاء الوطر وتعاني من الحرمان الجسدي ووجدت من يشبع حرمانها.
  3. كانت تعاني من الوحدة والحرمان النفسي فوجدت أنيسًا.
  4. كانت محرومة من إشباع غريزة الأمومة فأصبحت عندها الفرصة لذلك.

 

س: ولكن لماذا على الزوجة الأولى أن تتقبل (التضحية)، وأن (تشارك) زوجها مع الأخريات؟

ج: منشأ هذا السؤال هو (الظن) أن الأصل هو عدم التعدد، وأن التعدد شيء (طرأ) على العلاقة الزوجية ما كان يجب أن يحدث، وعلى ذلك فالزوجة الأولى (تضحي) بقبوله، بينما الحق أن التشريع الإسلامي في التعدد وعموميته وأهدافه تجعل من التعدد (أصلًا دائمًا) يعرفه المسلم من دينه قبل الزواج وبعده، وتعرفه المسلمة وتستعد له وتتهيأ نفسيًا لاحتمالاته قبل زواجها وبعده، تتهيأ لاحتمال أن تكون زوجة أولى ثم يعدد زوجها، أو لاحتمال أن تتزوج من رجل متزوج (هكذا كانت مجتمعات قرون الخيرية، وهذا يجب أن يكون المجتمع الاسلامي الذي يريد حل المشكلة التي جاء التعدد ليحلها)، وبالتالي فالزوجة أصلًا لا تضحي بشيء، إذ أن وجودها كزوجة وحيدة في حياة زوجها كان من البداية معدًا لأن تكون حالة مؤقتة تزول بالتعدد، فالزوج ليس (ملكًا حصريًا) لها كي يقال أنها (ضحت) حين حدث التعدد.

 

س: لكن تعدد الزوجات يحمل الضرر للزوجة الأولى في مقابل الفائدة للزوجة الثانية أو الثالثة وللزوج كذلك؟

ج: إن النظر إلى المصالح والمفاسد والنظر في ميزان العدالة هو الهدف الرئيسي من تشريع تعدد الزوجات، فلا يمكن مقارنة الضرر الواقع على الزوجة الأولى من فقدانها لبعض مكتسباتها واستئثارها بزوج واحد – مع بقاء حقوقها المادية والجسدية وفرصها في الإنجاب – بالضرر الواقع على النساء الذين يعانين من فقدان ذلك كله في حالة عدم وجود تعدد الزوجات، فأي الحقوق أولى أن تصان، حقوق الزوجة الأولى التي قد تفقد شيئا من مكتسباتها لكن سيظل عندها ما يلبي حاجاتها المادية والجسدية والنفسية والحق في الأمومة، أم تظل لديها جميع مكتسباتها ولتذهب المحرومات إلى الجحيم، أو إلى الخطيئة، أو نبني لهن أديرة إسلامية للرهبنة التي كتبناها عليهن!

ولنضرب مثالًا على ذلك، لو أن هناك ما قدرناه بمائة رغيف من الخبز أردنا تقسيمها على مائة جائع في الصحراء، وبدأنا تقسيم الأرغفة حتى قاربت الانتهاء فإذا بنا نكتشف أن عدد الأرغفة الذي تخيلناه مائة هو تسعين، وأننا وقد وزعنا ثمانين رغيفًا على ثمانين شخص فإنه قد تبقى عشرة أرغفة وعشرين جائعًا، فهل يسع ضمير أحد أن نعطي العشرة المتبقين لعشرة فقط من العشرين الجوعى، ونترك الباقين يموتون جوعًا، أن نقسم العشرة أرغفة بين العشرين المتبقين، صحيح أن كل منهم أخذ نصف رغيف مقارنة بمن سبقوهم، لكن هذا أفضل من أن يعطي الرغيف كاملًا لأحدهم ويموت الآخر جوعًا.

هذا بالضبط ما نتحدث بخصوصه في موضوع تعدد الزوجات، عدد الرجال الصالحين للزواج يقل بين 20 إلى 30% عن عدد النساء الصالحات للزواج في أي مجتمع، فهل نسلم رجلًا لكل امرأة ونترك 20 إلى 30% من النساء للحرمان النفسي والجسدي والمادي ونحرمهن من الأمومة ونفرض عليهن الرهبنة؟! أم نطبق الشرع الكريم.

 

س: لكن ألم يعطِ الشرع للزوجة الأولى حق طلب الطلاق للضرر؟

ج: كقاعدة عامة فإن الشرع لا يأتي بتشريع يحمل في طياته ما يوقفه أو يعطله من الناحية العملية، قد يحدث هذا في تشريعات البشر الوضعية، أما العليم الخبير فإنه يضع التشريع ليطبق لأنه دواء وشفاء، وبالتالي لا يمكن أن يأتي تشريع إلهي وفي طياته ما يوقفه أو يعطله، ولما علم الشارع الكريم – وهو أعلم بخلقه – أن المرأة مجبولة على غلبة العاطفة عليها وتقلبها، وعلى رأسها مشاعر الحب والكره والاستئثار والغيرة، فإنه سبحانه وتعالى جعل حق الطلاق في يد الرجل دون المرأة، وهذا لحكم بالغة ليحمي المرأة من نفسها ومن غلبة العاطفة عليها ويحفظ عليها حياتها الزوجية من أن تهدمها في لحظة تقلب.

بل أكثر من ذلك وضع الشارع حماية إضافية من ضغوطها على الرجل، ففضلًا عن إبعاد حق الطلاق عن يدها، حرم عليها طلب الطلاق – مجرد الطلب – إلا بسبب ضرر يقع عليها، وجعل طلب المرأة للطلاق من غير (عذر شرعي) من الكبائر العظمى، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الألباني في “صحيح أبي داوود”.

أما أن يقال أن طلب الطلاق مباشرة لسبب أصل التعدد هو للضرر فلا يقبل لأن تشريع التعدد هو تشريع إلهي، فلا يقبل أن يقال أن أصل الضرر جاء منه، لابد أن يكون الضرر معللًا بشيء خارجي مثل أن تكون الزوجة فقدت أساسيات معيشية نتيجة عدم عدل الزوج أو مال عنها كلية إلى غير ذلك، أما طلب الطلاق لمجرد التعدد ذاته، فكأننا نتهم الله بعدم الحكمة، والشرع لم يعط حق طلب الطلاق للمرأة مطلقًا دون قيود، وإلا لأعطاها حق الطلاق مباشرة، وإنما قصره الشارع الكريم على الرجل حفظًا للبيوت، ولا يوجد امرأة لا تغار على زوجها، ولو جاز أن نعتبر التعدد في ذاته ضررًا يوجب طلب الطلاق، فكأننا نصدم شرع الله بشرع الله، ونوقف عمله من الناحية العملية، فإذا كان الرجل حين يتزوج الثانية ستطلب الأولى الطلاق، فأين هو التعدد؟!

ثم ما هي الفائدة من تشجيع المرأة على طلب الطلاق حين حدوث التعدد؟!، ما هي الفائدة؟!، هل هي النكاية في التعدد الذي هو تشريع إلهي؟! وما الذي استفادته المرأة حين طلقت، فقط أرضت شهوة أو رغبة عند الكارهين للتعدد؟ فقط أرضت الإعلام الذي يصور للمرأة التعدد على أنه أسوأ من الزنا، حتى قال قائلهم: لو أنها نزوة لقلنا تمر، لكنه زواج!

 

س: لكن ألم يمنع الرسول صلى الله عليه وسلم عليًا من الزواج على فاطمة رضي الله عنهما؟

ج: الوقائع في الفقه الإسلامي ثلاثة أنواع:

  1. وقائع عامة: وبالتالي يصح قياس غيرها عليها.
  2. وقائع حال: مرتبطة بحال معينة (موقف معين) لا يصح أن يقاس عليها إلا الوقائع التي لها نفس الحال (مثل أن الحرير محرم على عمومه، ورخص الرسول لعبد الرحمن بن عوف وبعض الصحابة في لبس الحرير لحكة جلدية عندهم من لبس غيره، فمن كان له نفس الحال يحل له ما حل لعبد الرحمن بن عوف.
  3. وقائع عين: وهي التي اختصت (بشخص معين) ولا يجوز القياس عليها مطلقًا، مثل خصوصيات بيت النبوة، ومثل شهادة الرجل الذي قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن شهادته بشهادتين.

 

وقد أجمع العلماء – فيما أعلم – أن حادثة السيدة فاطمة الزهراء ليست من الوقائع العامة، لأن الرسول عللها في الحديث، فليس لنا أن نفرض تعميمًا بعكس منطوق كلام الرسول، وهو كالتالي “إنَّ فاطمةَ مِنِّي، وإني أَتخوَّفُ أن تُفتَنَ في دينِها، وإني لستُ أُحرِّمُ حلالًا ولا أُحِلُّ حرامًا، ولكن، واللهِ! لا تجتمعُ بنتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبنتُ عدوِّ اللهِ مكانًا واحدًا أبدًا”.

لهذا أجمعوا أنها ليست واقعة عامة، واختلفوا، أهي واقعة خصوصية لبنات النبي – كما يشي النص – وبالتالي فهي (واقعة عين)، ولذلك لم يعدد عثمان وعليًا على بنات النبي في حياتهن، ثم عدد كلاهما بعد ذلك، وعلى هذا كان رأي ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري شرح صحيح البخاري وشارح الحديث، أو أنها (واقعة حال) يمكن القياس عليها لمن يريد أن يأتي لامرأته بزوجة أخرى من بيت غير مناسب فيثير عدم الكفاءة الكثير من المشاحنات والمهاترات المفسدة للدين، وعلى هذا فيكون من حق الزوجة أو الأب الاعتراض لا على أصل تعدد الزوجات، ولكن في حال كانت الزوجة الجديدة سيئة السمعة مثلًا كأن تكون راقصة أو خلافه، أو تكون من بيت سيء السمعة كأن تكون من بيت لصوص أو مهربين، أو معروفين بقلة الدين أو معروف فيهم شرب الخمر أو ضعف المروءة أو ما شابه، هذه هي الحالة التي يحق فيها للزوجة أو الأب منع التعدد، قياسا على هذا الحديث لتماثل الحال.

وعلى هذا كان فهم آلاف الصحابة وعشرات الآلاف من التابعين الذين تزوجوا مثنى وثلاث ورباع على زوجات كن أيضًا أبناء صحابة، فلم يفهم أحد من هؤلاء أن حديث فاطمة حديثًا عامًا، فها هي أسماء بنت أبي بكر كانت عند الزبير بن العوام وكان عنده أربع زوجات، فلم تطلب هي ولم يطلب أبو بكر الطلاق، وها هو عمر بن الخطاب يطلب الزواج من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وكانت بكرًا فزوجه علي منها ولم يقل له لا، ولا طلبت أزواجه ولا آبائهن الطلاق، بل وما سمعت – على حد علمي – أن طلبت حالة طلاق واحدة أو حالة خلع واحدة بسبب تعدد الزوجات، بل إن حالات الخلع القليلة التي ذكرت في عصر النبوة وما بعده لم تكن لها علاقة بالتعدد.

 

س: أليس للمرأة مخرج إن كرهت حياتها مع زوجها في وجود الزوجة الأخرى وأرادت الانفصال؟

ج: لا يجبر الإسلام المرأة أبدًا على البقاء مع زوجها إن استحالت العشرة وخشيت ألا تقيم حدود الله معه، لذلك شرع الإسلام الخلع، فلها أن تختلع.

 

س: ولماذا الخلع وليس الطلاق، وهو ما يفقدها الكثير من حقوقها المادية؟

ج: لأن الرجل لم يقم بما هو فيه ضرر شرعي لها يوجب لها أن تطلب الطلاق وتنال ما يكافئ ذلك من الحقوق المادية، ولإن إتاحة الخلع وليس الطلاق سيجعلها تفكر كثيرًا قبل أن تسارع لهدم بيتها استجابة للغيرة الطبيعية عندها، بينما إعطاء حق الطلاق فيه مسارعة لهدم البيوت وفيه إيقاف للتعدد من الناحية العملية وبالتالي تفويت ما جاء به من الحكم البالغة.

 

س: ولكن أليس الرجل هو من أخل بالعلاقة في حالة التعدد، خاصة إن كان قد وعد زوجته بالوفاء لها دومًا؟

ج: وأما القول أن الرجل قد يكون قد أخل بوعوده بعدم التعدد، فهذا الوعد أو الشرط أصلًا هو الخطأ، ولقد عاتب الله نبيه في مثل تلك الوعود ونهاه عنها، وفي هذا بيان للأمة كلها من وراءه، فكيف بمن هو دونه، قال الحق تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”، أفلا ينطبق هذا حرفيًا على مثل تلك الوعود التي تحرم ما أحل الله ابتغاء مرضاة الزوجات؟ لذلك لم تعتبر أيًا من المذاهب الإسلامية مثل هذا الشرط باستثناء الحنابلة.

والتعدد لا يناقض الوفاء للزوجة، السفاح والمخادنة هي الخيانة وليس الزواج الشرعي، فلا توجد خيانة فيمن طبق شرع الله يريد عفة نفسه وعفة امرأة مسلمة، غير مسافح ولا مخادن.

 

س: ولكن النساء في العصر الحديث يكرهون التعدد جدًا وليس مثل نساء المجتمعات الأولى تتقبله؟

ج: لابد من الغيرة وما سيصاحبها في التعدد، هذه طبيعة في المرأة جبلها الله عليها ولم تخل منها حتى نساء النبي أمهات المؤمنين رضي الله عليهن، وقد كانت السيدة عائشة تغار رغم مكانتها عند الرسول، وكذلك سائر نسائه، إنما يكمن معظم الإشكال في المجتمعات الإسلامية في العصور الحديثة – في رأيي – والذي يجعل معظم النساء اللائي يتعرض لتعدد أزواجهن يسارعن إلى طلب الطلاق خلافًا تمامًا لما كان عليه الحال في صدر الإسلام، هو وقوعنا جميعًا تحت تأثير المؤثرات الغربية للذين يهاجمون تعدد الزوجات وهم يمارسونه طوال الوقت!

فجميع الإحصائيات تشير أن نسبة الخيانة الزوجية – ولو مرة واحدة – تصل في فرنسا والبلدان المشابهة إلى ما يقارب 50%، أي أن 50% من الرجال قد مارسوا تعدد النساء ولو مرة واحدة، فلو قلنا أن نسبة العلاقات الدائمة منها ستكون الخُمس، فهذا معناه أن 10% من رجال فرنسا وغيرها يمارسون تعدد الزوجات فعلًا، ولكن في الخطيئة والعفن، فهل نلام على الطهر والنقاء والعلن؟ أم هل يجب أن نكون مثلهم، نرضي في السر والخطيئة حاجات النساء اللائي لا يجدن أزواجًا، أهذا هو المطلوب؟!

هذه نتيجة حتمية لمنع التعدد، لذلك أعتقد أن كل خطيئة من مئات الآلاف التي تحدث نتيجة لمنع التعدد هي في رقبة كل من يساهم في هذا، وأما السبب الآخر الذي يدعو النساء للمسارعة لطلب الطلاق، فضلا عن الغيرة الطبيعية، فهو الإعلام المجرم الذي أفهم المرأة عبر عشرات المسلسلات والأفلام أن رد الفعل الطبيعي عندما تسمع خبر التعدد هو اللطم والعويل وتجريس الزوج وحشد أهلها وما تستطيعه من الناس لمواجهته! وأنها لو لم تفعل ذلك فهي ناقصة الكرامة! وأنه لا تقبل بالتعدد إلا الدميمة أو الفقيرة أو الطامعة! كأن المرأة العادية عليها ألا تقبل بالحياة مع التعدد، وكأن الأصل هو طلب الطلاق فلا تمتنع عن طلب الطلاق إلا دميمة أو فقيرة أو طامعة أو مربوطة للزواج برباط حاجة، وليس مجرد الحب للزوج والرضا بتشريع الله وتفهمه وإيمانها بالله ورسوله وقناعتها بحكمة الله ولو خالفت هواها.

 

س: هل تعدد الزوجات (مباح) أم (مستحب) أم (مكروه)؟!

ج: تعدد الزوجات يدور تبعًا لكل حالة على الأحكام الخمسة للفعل في الإسلام، فتارة يكون (واجبًا) إن خشي الرجل على نفسه الوقوع في الزنا مع التي يريد الزواج منها، وتارة يكون (مكروهًا) إن خشي أن تترتب مفاسد كثيرة على التعدد، وتارة يكون (حرامًا) إن تيقن أنه لن يعدل بين زوجتيه أو أزواجه، أو سيظلم زوجة ويمنعها حقوقها الشرعية، ويبقى الأصل في التعدد أنه بين أن يكون (مباحًا) وبين أن يكون (مندوبًا إليه) أي (مستحبًا) وليس مجرد مباح، فالمستحب تعريفًا هو ما (يثاب) فاعله و(لا يعاقب) تاركه، بينما المباح هو ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، والمستحب هو ما يستحب فعله عن تركه، والمباح هو الذي يستوي فعله وتركه.

فإذا نظرنا إلى التعدد وما فيه من إحصان إمرأة مسلمة وزيادة إحصان رجل مسلم، وإقامة بيت، والإنفاق على امرأة مسلمة، ورعايتها، إيناسها والأنس بها، وقضاء حوائجها، فهل يستوي أي من هذا كله مع تركه؟!يعضد هذا أن آلاف الصحابة والتابعين تزوجوا مثنى وثلاث ورباع رغم زهد معظمهم في سائر المباحات، فدل مسارعتهم في هذا – على زهدهم – أنه من المستحبات لا من مجرد المباحات، وإلا لزهدوا فيه مثلما زهدوا في غيره من متع الحياة ومتاعها، وإنما دل مسارعتهم فيه إنه من الخيرات، فإنهم كانوا يسارعون في الخيرات بينما يتخففون من المباحات، ونقل هذه الأفضلية البخاري في صحيحه موقوفًا عن ابن عباس، وبهذا قال ابن قدامة صاحب المغني لأنه “فعل النبي وأصحابه، ولا يشتغل النبي وأصحابه إلا بالأفضل”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد