يا حبذا مناقشة هادئة لموضوع صاخب، أما المناقشة الهادئة التي أرجوها فهي تلك التي تخلو من الغضب والفوران والتعصب للنوع وصم الآذان عن الحجة والبرهان، وأن يكون مبتغاها الوصول إلى الحق ولو خالف نوازع النفس والأهواء والأفكار المسبقة، وأما الموضوع الصاخب فهو موضوع تعدد الزوجات، وتكرار الحملات عليه في الآونة الأخيرة، والإصرار الإعلامي مع المنظمات التي يفترض أن ترعى حقوق المرأة على أنه ينتقص من المرأة، من قدرها وحقوقها، وأن الزوجة الأولى لا بد أن يكون لها حق طلب الطلاق الفوري!!

ولعل الباعث على تجدد الحديث عن هذا الموضوع الآن ومن هذا المنبر هي المقالة التي كتبها الأستاذ (عماد الدين السيد)، ونشرها الموقع يوم 23/10/2015، بعنوان (ما فعله الفقهاء بامرأة فضلت الطلاق على التعدد)، ويطرح فيها رأيًا خلاصته أن تعدد الزوجات اعتبره الفقهاء ميزة للرجل لا يحق للزوجة الأولى معها أن تطلب الطلاق، بينما يرى الكاتب أنه تشريع في حالة رغبة الزوج في زوجة ثانية مع رغبة الأولى في الاستمرار اختياريًّا، وبالتالي للزوجة الأولى الخيار، إما الاستمرار في الزواج، وإما حق (الطلاق) الذي يحفظ لها حقوقها المادية، لا (الخلع) الذي يطيح بتلك الحقوق، طالما أن الرجل هو الذي (أخل بالعلاقة).

يبدأ الكاتب طرحه بمناقشة (مفترضة) بين امرأة وشيخ، توضح فيها المرأة الضرر الذي أصابها بالتعدد، فلا يكون من الشيخ إلا الرد الجاف غير المرفق بالأسباب: التعدد (ميزة) للرجل… إما أن (تصبري) وإما أن تطلبي (الخلع) وترحلي.

ثم ينطلق الكاتب من هذه المناقشة (الموجهة) إلى ما أسماه (التبريرات) التي تقدم لتعدد الزوجات، فاستعرض (التبريرات) التي افترضها هو للموضوع، وكانت ثلاثة:

  • التبرير الأشهر هو زيادة عدد الرجال عن عدد النساء (خاصة في زمن الحروب)، ثم فند هذا (التبرير) أن التعدد مباح لكل زمان ومكان وأنه إذا كان متعلقًا بزمن الحروب فيجب أن يكون مقصورًا على أرامل الشهداء، وأن عدد الذكور مطلقًا ليس مختلفًا عن عدد الإناث.
  • التبرير الثاني، هو أن التعدد قد شُرع لاعتبار أن الزوجة قد تعاني من مشكلة كعدم القدرة على الإنجاب مثلًا، ثم فند هذا التبرير بأننا سنصطدم بنفس المشكلة، وهي أن التعدد مباح بلا شروط، فلم يأتِ مشروطًا بعقم الزوجة أو مرضها.
  • اعتبار أن الله خلق في بعض الرجال حب الاقتران بأكثر من امرأة، وبالتالي فإن الزواج من أخرى أفضل لهم من الوقوع في الزنا، ثم قال في التعليق على هذا:

وفي هذا الرأي مشكلتان:

الأولى: أنه يتجاهل المرأة تمامًا، فلو افترضنا صحة أن بعض الرجال يميلون لأكثر من امرأة في نفس الوقت، فإن المرأة تميل بطبعها للحفاظ على زوجها، وعدم مشاركة امرأة أخرى فيه. فلماذا نفترض أن الشرع جاء ليلبي رغبات بعض الرجال وطباعه، ويتجاهل تمامًا رغبات المرأة؟

والثانية: أنه يعتبر أن الشرع جاء لتلبية رغبات الناس، وليس لتنظيمها وتوجيهها، فإن كانت هناك نسبة من الرجال فعلًا تميل للحياة مع أكثر من امرأة، فهناك كذلك نسبة من الرجال ترغب مثلًا في الشذوذ؟

 

   وهكذا وبعد أن فند المبررات التي ساقها هو للتعدد أعلن ما يلي:

(هناك حكمة تائهة في هذا التشريع نحاول البحث عنها ولا نجدها، ويبدو التشريع في غيابها دون وجاهة معتبرة، ويعاني المسلمون كثيرًا في تبرير هذا التشريع لغير المسلمين، بعد فترة أدركت أن هناك جانبًا كاملًا نغفله، وهو الحق الذي كفله الشرع للزوجة كرد فعل إذا قرر زوجها التعدد؟ يعني كيف ستتصرف الزوجة إن تزوج عليها زوجها؟، لو افترضنا أن الإسلام شرع الطلاق والخلع ولم يشرع التعدد، فإن الرجل إن أحب امرأة أخرى وأراد أن يتزوجها فإن عليه أن يطلق زوجته أولًا، لكن ماذا لو كانت زوجته ستتضرر بشدة من هذا الطلاق؟، ما الحل وقتها؟، لو أجبرنا الزوج على الاستمرار معها وعدم زواجه من أخرى فإن هذا ظلم له، لأن الحب يبهت أحيانًا، ولأن الاستمرار ليس دائمًا الحل السعيد. وقد رأينا في حالات عديدة كيف أن الزواج الكاثوليكي ليس حلًّا مناسبًا.

بالتالي، قدم الإسلام حلًّا لهذه المعضلة وهو حل التعدد، أن تبقى الزوجة التي ستتضرر من الطلاق على ذمة زوجها، ويُسمح له بالزواج من أخرى مع اشتراط العدل بينهما.

صحيح أنه سيقع عليها ضرر كبير، من ناحية خصم وقتها وإعطائه لأخرى، ومن ناحية مشاعر الغيرة والوحدة والألم النفسي. لكنها هي من اختارت هذا الحل بديلًا للطلاق، لأنها ترى أن الطلاق فيه ضرر أكبر.

لكن النقطة المفصلية هي: ماذا لو كانت الزوجة تفضل الطلاق على التعدد؟

من المنطقي إذن أن تحصل على ما تريد، لأن التعدد بالنسبة لها ضرر شديد واقع عليها، بينما الطلاق ضرر أخف. وبالتالي ما دام الزوج قرر الزواج من أخرى وهي لا تقبل هذا الوضع الذي يضرها، فيجب أن يطلقها. ولهذا، كما في الحديث الشريف الذي صححه الألباني: أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة.

هل التعدد تشريع عادل؟ بالطبع لا. هناك رجل من حقه التمتع بأكثر من زوجة، والزوجة تُجبر على قبول الأمر رغم الضرر الواقع عليها، لكن عندما نعلم أن هناك تشريعًا يعطي للزوجة حق طلب الطلاق إن تزوج عليها زوجها، أو أن تستمر إن أرادت، مراعاة لظروفها، فإن هذا يجعل الصورة الكاملة أكثر عدلًا ورحمة ورأفة.

لكن اعتبار أن التعدد وحده عادل، وبالتالي حرمان المرأة من حق طلب الطلاق، يجعل الصورة الكاملة غير عادلة ومحيرة بشدة)، ثم يتحدث عن إمكانية اشتراط عدم التعدد في العقد على قول (الحنابلة وحدهم دون بقية المذاهب)!!، وكيف أن كثيرًا من النساء لا تعرف هذا الشرط.

ثم يختم الكاتب مقالته بما يلي:

(هل الله هو من منع الزوجة من حق طلب الطلاق؟ أم الفقهاء الذين هم مجرد بشرـ والذين وضعوا قواعد ومفاهيم جعلت من الضرر المذكور في حديث النبي ضررًا غير معتبر؟ إننا لا نطلب تعطيل الشرع، بل نطالب بتطبيقه كما ينبغي! نحسب الفقهاء على خير ولهم أجر المجتهد، لكن منع الزوجة من هذا الحق، في هذا الزمن تحديدًا، قد أغرق المجتمع في مشاكل اجتماعية كبيرة لم يستطع الخروج منها، وشكك كثيرًا من الناس في عدل هذا الدين ، ألا يستوجب هذا قليلًا من المراجعة الحقيقية؟)

وإذا بدأنا مناقشة الكاتب، نجد أن المشكلة هي في دعامة المقالة الأساسية الجامعة لكل أطروحته، وهي الظن بغياب وعدم وضوح الحكمة من تشريع التعدد، ومن ثم توجيه القارئ نحو الحكمة التي أفترضها هو والتي بمقتضاها كان لا بد من إعطاء الزوجة الأولى حق الطلاق مباشرة إذا استشعرت الضرر، لأن الحكمة من وجهة نظره في التعدد هي رغبة الرجل في الزواج الثاني مع رغبة الزوجة الأولى في البقاء على عصمته، فإذا انتفت تلك الرغبة انتفت مصلحة التعدد!!

والحق أن كل هذا تعسف مرده إلى عدم اهتداء الكاتب للحكمة الأساسية من تعدد الزوجات، بعد أن حصر (التبريرات) في ثلاث وأخذ يفندها، وفاتته الرابعة وهي الغرض الأساسي من التعدد.

فالحقيقة أن تعدد الزوجات هو العلاج الشرعي الوحيد لمشكلة تعاني منها (كل) المجتمعات تقريبًا، ولا علاج لها إلا بالتعدد، وهي مشكلة نقص عدد الرجال (الصالحين للزواج، القادرين عليه) مقابل عدد النساء (الصالحات للزواج، القادرات عليه)، تلك هي المشكلة الدافعة لوجوب التعدد، فليس مدار الأمر على عدد الرجال الكلي مقابل عدد النساء الكلي، ولكن في الحديث عن الزواج فإن النظر يجب أن يتوجه لعدد الرجال (الصالحين للزواج، القادرين عليه) مقابل عدد النساء (الصالحات للزواج، القادرات عليه).

ورغم أننا نعاني من ندرة الإحصائيات بخصوص مشكلة العنوسة التي هي من أعقد وأقسى المشاكل الاجتماعية في مجتمعاتنا إلا أنه يمكن القول بسهولة إنه بفرض التساوي بين أعداد الرجال والنساء فإن طبائع الأمور تجعل من عدد الرجال المستعدين للزواج أقل دائمًا من عدد النساء المستعدات لذلك، وهذا يحدث لثلاثة عوامل رئيسية:

  1. لعدم قدرة الكثير من الرجال ماديًّا على تكاليف الزواج والإنفاق على الأسرة، إذ الرجل في كل المجتمعات تقريبًا هو المكلف بأعباء الزواج وإيجاد المسكن والإنفاق المستمر على الأسرة، وكثير من الرجال لا يجدون حتى ما ينفقون على أنفسهم ناهيك عن إعالة أسرة.
  2. ولعدم قدرة فريق آخر على الأعباء الجسدية للزواج وعلى إعفاف الزوجة، والإحصائيات توضح أن نسب العجز الجنسي الكامل تتراوح بين 7% و14% من عدد الرجال، وهكذا يخرج –بعامل واحد فقط– نسبة قد تصل إلى 14% من الرجال من القدرة على الزواج، وبالتالي تظل نسبة مماثلة من النساء قادرات على الزواج دون أن يكون هناك من يتزوجهن.
  3. بينما يعزف فريق ثالث عن الزواج لعدم الرغبة في تحمل مسؤولية الزواج والتحلل من الأعباء واستمراء حياة العزوبية والخفة، وهذه الشريحة الأخيرة زادت كثيرًا في العقود الأخيرة بين شبابنا، بينما لا يماثلها شريحة مماثلة بين الإناث وذلك لرغبة المرأة في الزواج والإنجاب.

وهكذا فإن عدد الرجال المستطيعين للزواج الراغبين فيه تكون أقل دائمًا مما هي عليه بين النساء، مما يدفع إلى المجتمع بأعداد متزايدة من النساء المعرضات لواقع العنوسة، خاصة مع العراقيل الاجتماعية التي يفرضها المجتمع على تعدد الزوجات، ولا يمثل ما سبق مشكلة معقدة في الغرب وذلك لأن أساليب حياتهم تسمح للنساء بإشباع احتياجاتهن بل وإنجاب الأبناء خارج مؤسسة الزواج، ولقد ذكرت التقارير أن عدد المواليد خارج مؤسسة الزواج في فرنسا قد زاد على عدد المواليد بين المتزوجين (تقرير مراسل الأهرام في باريس 4 فبراير2007)، هذا الوضع تأباه الفطرة السليمة وتأباه مجتمعاتنا التي يشكل فيها الدين مكونًا أساسيًا للشخصية، وبالتالي فإن هذه الحلول غير مقبولة ولا مستطاعة، ولا يوجد حل شرعي واحد لمشكلة العنوسة المستعصية في مجتمعاتنا إلا بتشجيع الزواج عمومًا، سواء الزواج الأول أو تعدد الزوجات للمستطيع، فنحن إذًا في الواقع في حاجة لتشجيع تعدد الزوجات والتوعية بأهميته وليس العكس.

وعلى هذا فإن تعدد الزوجات جاء لمصلحة المرأة أكثر بكثير مما هو للرجل، فالذي يتزوج ثانية لا يتزوج رجلًا! وإنما يتزوج امرأة كانت بلا زوج وكانت في حاجة لإشباع حاجاتها المادية والنفسية، والذي يتزوج الثانية قد كان يشبع جزءًا من احتياجاته النفسية والجسدية والعاطفية، وكذلك يشبع رغبته في طلب الذرية وتحقيق الأبوة من خلال الزوجة الأولى، أما الزوجة الثانية فما كانت لتحصل شيئًا من هذا دون هذا الزواج، وقد كانت قبله تعيش حياة الحرمان المادي والنفسي والجسدي، وحرمان فوق كل هذا وهو الحرمان من أعز غريزة في حياة المرأة وهي غريزة الأمومة التي تساوي الحياة ذاتها للكثير من النساء، فكيف تحصلها دون زواج؟! وليس التعدد إرضاء لشهوة الرجل، بل لو دققنا النظر في هذا التشريع الإلهي العظيم لوجدنا أنه يحمل الرجل أعباء جمة، وما الشهوة التي يبتغيها الرجل فيما أحل الله إلا دافع فطري جعله الشرع مصيدة –إن جاز التعبير- لدفع الرجل لتحمل هذه الأعباء التي ما كان يمكن أن يتحملها دون دافع قوي، فليس التعدد هو حيلة شرعية لقضاء الشهوة بل العكس تمامًا هو الصحيح، وعلى هذا فالميل الفطري للرجل للتعدد ليست ميزة للرجل بقدر ما هي قوة ضاغطة عليه ليذهب للتعدد فيؤدي ذلك إلى تحمل مسؤوليات امرأة أخرى تحتاج إليه، وما كان ليحمل تلك المسؤوليات دون تلك القوة الضاغطة.

تلك هي الحكمة التي فاتت كاتب المقالة فجاء كل ما وراءها فواتًا!!، فتعدد الزوجات ورضا الزوجة الأولى به ليس رخصة لها يحق لها أن تحتفظ بها أو تتنازل عنها، بل التعدد في أصله وجوهره هو لحفظ حقوق النساء اللائي لا يجدن أزواجًا، فهو حق للزوجة الثانية والثالثة والرابعة، وبالتالي ما كان ليسمح بتعطيله من قبل الزوجة الأولى، وعلى هذا كان فهم الفقهاء للتشريع ومراميه، وقد أصابوا وأخطأ كاتبنا، ولو ترك الشرع لكل زوجة أولى أن ترى الضرر في التعدد وتطلب الطلاق باعتبار هذا الضرر، أو باشتراطه في العقد، لتعطل التشريع من الناحية العملية، ولكان في ذلك تضييع لتلك النسب التي ذكرنا أعلاه من النساء الصالحات للزواج القادرات عليه ولا يجدن نسبة مماثلة من الأزواج، وهي المعضلة المتواجدة في كل المجتمعات غنيها وفقيرها، بنسبة نساء بين 20% و30% وهي مجمل الثلاثة عوامل المذكورة آنفًا.

وأما القول إن طلب الطلاق لأن الزوج هو الذي (أخل) بالعلاقة الزوجية، فإن الزوج لم يخل بشيء، فطالما أنه مسلم وأن زوجته مسلمة –أو حتى كتابية- تتزوجه على شرع الإسلام فقد علم الطرفان أن تعدد الزوجات هو تشريع إسلامي مكين أصيل، فكيف يكون إخلالًا من الزوج إن طبق الشرع التي تعاهد وتعاقد الطرفان على الالتزام به؟!، بل هو يلزمهما على كل حال حتى ولو تعاقدا على خلافه!، وعلى هذا فالأصل هو التعدد، والأصل في أي زوجين هو الاعتراف به وبمشروعيته وتبعاته، تحقق أو لم يتحقق، وهو ثابت بالكتاب والسنة القولية والفعلية والتقريرية، وبإجماع وفعل الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان عبر القرون الماضية، مات العشرة المبشرون بالجنة جميعًا عن أكثر من زوجة، وكذلك جل الصحابة، لم يقيد أحد منهم التعدد بعلة ولا بمرض ولا بعقم، بل حفلت كتب بتراجم عن الأبناء التي أنجبتها لهم كل زوجة، ولم يعهد عليهن مرض ولا علة، بل كن ودودات ولودات تقيات قانتات، فلم يقيد تعدد الزوجات أبدًا ألا بقناعة الرجل بقدرته على العدل بين الزوجات في الأمور المادية من السكن والنفقة والمبيت وغير ذلك، ولقد كان الكاتب دقيقًا حين اعترف أن تشريع تعدد الزوجات غير مقيد في الإسلام إلا بالعدل، وإن فاتته حكمة التشريع، ولعل هذه المقالة قد وضحت له إحدى حكمه الأساسية، ويبقى الكثير منها، نعلم بعضه ويبقى بعضه في علم من شرعه وهو الحكيم العليم الخبير البصير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد