إن القانون الذي وضعه الله الخبير البصير لعباده، بني على أساس الاختبار، والابتلاء، والامتحان! ليعلم أيهم أحسن عملًا، وليعلم الصادقين من الكاذبين، كما جاء في كتابه العزيز «أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ. وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ» (1).

«لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ» (2).

وقضت حكمته تعالى، ورحمته بعباده جميعًا، أن يُهيئ لهم، بين الفينة والأخرى، ظروفًا طيبةً صالحةً، للإقبال عليه، والإيمان به، لإنقاذ أنفسهم من النكد، والشقاء، والبؤس الذي يعيشونه في هذه الدنيا، والتخلص من ظلم الظالمين، والتحرر من العبودية للطواغيت، والعيش في أمان وسلام، وحرية.

فهو سبحانه وتعالى حريص عليهم، ويريد لهم الخير، ويفتح لهم أبوابه على مصراعيها، للولوج منها إلى رحمته وفضله، والاغتراف من بركاته، وحسناته، ولكنه لا يُجبرهم عليه، وإنما يريدهم أن يأتوا إليه، ويعبدوه باختيارهم، ورضاهم، دون إكراه، ولا إجبار، ولا إلزام.

كما أن من رحمته سبحانه بعباده، أنه لا يريد أن يعذبهم إن آمنوا به وعبدوه، وشكروه، فهو الرؤوف الرحيم بهم. لذلك يخاطبهم قائلًا: «مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ» (3).

والذين يقبلون عليه، ويريدون الهدى، فإنه سبحانه وتعالى يساعدهم، وييسر لهم طريق الهدى، والصلاح، والفلاح. «وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ» (4). «وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ» (5).

وبناءً على هذا القانون الرباني الثابت، المستقر منذ خلق السماوات والأرض.. فقد أراد الله تعالى، أن يمنح الشعوب العربية المقهورة، والمُستْعبَدَة فرصة للتحرر من أغلال العبودية لحكامها المتجبرين، وأن يكسروا قيود الذل التي وضعها طغاتهم حول أعناقهم، رحمة منه بهم، وشفقة عليهم.

فألهم شاب تونسي يُدعى «بوعزيزي» في بداية العقد الثاني من هذا القرن أن يحرق نفسه، كتعبير عن غضبه من الأوضاع المأساوية المنتشرة في بلده، ويعلن ثورة ضد الطغيان والظلم الذي كان يعايشه، مما حدا بالشعب التونسي أجمعه أن يعلن تضامنه معه، ويحشد قواه للثورة ضد النظام الفاسد المستَبِدِ، انتقامًا له، ومن ثم انطلقت شرارة الثورة التونسية، ثم امتدت هذه الشرارة إلى مصر، فاشتعلت شرارة الثورة المصرية في ميدان التحرير، ثم الليبية، ثم اليمنية، وأخيرًا السورية.

وانطلقت الثورة السورية في منتصف مارس (أذار) 2011 بشكل عفوي، وبإلهام رباني – كما هو الحال في جميع الثورات التي سبقتها – وبدون سابق تخطيط من قبل الشعب، ولا تشكيل قيادة رشيدة، وحكيمة لقيادتها.

فقد كان الشباب الذين كانت تجري في دمائهم الحمية، والغيرة والحماسة، والذين كانوا يذوقون الهوان، والذل، والظلم، والتمييز الطائفي النتن، القبيح على أيدي مخابرات الأسد، هم وقود هذه الثورة، ومؤججو لهيبها، وهم الذين كانوا ينظمون المظاهرات الأسبوعية، الداعية إلى إسقاط النظام، وهم الذين كانوا يتلقون رصاص الجيش الأسدي، بصدورهم العارية، ويسقطون شهداء على الأرض، ليُرووا بدمائهم الطاهرة الزكية، تراب سورية، الذي سبق أن رواه أجدادهم الفاتحون بدمائهم الطاهرة الزكية، ودُفنت أجسادهم المباركة في ثراها الطيب.

واستمر الشعب الباسل، الشجاع في تظاهراته الأسبوعية، وأحيانًا اليومية أشهرًا عديدة، دون خوف ولا وجل، وهو صامد أمام النيران، التي كانت تُوَجه إليه من قبل قوات الأسد، وشبيحته، ولم يُثنه عن مواجهة الرصاص الحي، سقوط أعداد كبيرة من المتظاهرين؛ لأنه كان يملك عاطفة جياشة، وحماسة قوية، وثقة كبيرة بنصر الله له قريبًا جدًا!

ومما كان يحفزه وينشطه ويدفعه إلى الاستمرار، والصمود، توارد الأخبار عن وقوف دول كثيرة – بلغ عددها أكثر من 100 دولة – إلى جانبه مؤيدة، وداعمة له!

حيث انطلقت إلى عقد المؤتمرات العالمية في دول عديدة، باسم أصدقاء الشعب السوري، والتي كانت تعلن بشكل علني، تأييدها الكامل للثورة، وتلاحمها معها، وإصدار قرارات أممية، تندد بسلطة الأسد، وتدعو إلى تشكيل سلطة انتقالية مؤقتة، لكي يختار الشعب بعدها بإرادته الحرة، السلطة التي يريدها. مثل بيان جنيف الصادر في 30 يونيو (حزيران) 2012 والمبني على قراري مجلس الأمن رقم 2042 و2043 وخطة كوفي عنان الذي عينته الأمم المتحدة لإدارة الملف السوري، حتى أن هيلاري كلنتون وزيرة الخارجية الأمريكية صرحت: «على الأسد أن يدرك أن أيامه معدودة» (6).

ثم أصدرت الجامعة العربية قرارها رقم 5707 في 2 يونيو 2012 أدان أعمال العنف والجرائم، التي كان يرتكبها النظام الأسدي بحق المتظاهرين! كما دعت الجامعة إلى مؤتمر للمعارضة في القاهرة، في الشهر التالي، وكان الكاتب أحد الحاضرين له.

وفي 18 ديسمبر (كانون الأول) 2015 أصدر مجلس الأمن قراره رقم 2254 المؤيد لبيان جنيف وخطة كوفي عنان، في تشكيل سلطة انتقالية في سوريا.

ولكن ما الذي حدا بالثورة العظيمة، أن تتراجع القهقرى، وأن تنتكس، وتنهزم، وتصل إلى الحالة التعيسة البئيسة، التي هي عليه الآن؟

1- كانت هناك مجموعات في الشعب السوري، مريضة القلب، عديمة الضمير، خالية من الإيمان، والقيم الخلقية، لا يخافون الله، ولا يرعون له حرمة. تتقد نفوسهم بحب الدنيا، وملذاتها، ويأسرهم حب متاعها الرخيص! فركبوا موجة الثورة، وانحشروا في صفوف الثوار، زاعمين أنهم مع الثورة، وتظاهروا بأنهم يؤيدونها! ليجنوا من ورائها الأموال الطائلة، عن طريق النصب، والاحتيال، والكذب على الفقراء، والمساكين، والعوام، زاعمين أنهم سيساعدونهم، فاحتالوا عليهم، بأنهم سيقدمون لهم بعض الخدمات التي هم بأمس الحاجة إليها، فكانوا يأخذون منهم الأموال الطائلة، لقاء تقديم هذه الخدمات، ثم يولون الأدبار.

2- دخلت دول عربية وإفرنجية عديدة على الخط، وأخذت تشتري النفوس الرخيصة، الهزيلة، المغرمة بحب المال، فكونت منهم فصائل مسلحة، وأخذت تمدهم بالسلاح والمال، لتكون تابعة بشكل خاص لهم، على شرط أن تتقيد بالتعليمات، والتوجيهات الصادرة عنهم فقط!

3- والحق يقال: إن هذه الفصائل على اختلاف توجهاتها وعقائدها – وأفكارها التي كانت تنبني على الإسلام ظاهريًا – استطاعت تحقيق انتصارات باهرة على الجيش الأسدي، والميليشيات التابعة له، وتحرير المناطق العديدة التي يسكنها المسلمون، وغدت تسيطر على 60% من مساحة سورية تقريبًا، أما المناطق التي كان يسكنها أتباع طائفة النظام، فلم يكن يُسمح للفصائل بمهاجمتها، أو تحرير ولو شبر منها، أو حتى الاقتراب منها؛ مما أدى بالنظام وأتباعه، إلى الانتقام الدنيء من سكانها، بإلقاء البراميل المتفجرة عليهم، وتدمير بيوتهم فوق رؤوسهم!

4- لم يكن هدف الدول من تشكيل الفصائل إسقاط النظام – وإن كانت دائمًا تصرح في وسائل الإعلام، أن النظام قد فقد شرعيته – وتحرير سورية بالكامل. وإنما كان الهدف: إطالة أمد الحرب، وتدميرها، وقتل شعبها المتمسك بأرضه، وتهجير الباقي، وإضعاف قوة الجيش الأسدي أيضًا! بحيث لا يحقق أي طرف، الانتصار على الطرف الآخر. والدليل على صحة هذا الكلام: أنه بعد أن يتقدم الثوار تقدمًا كبيرًا، ويكادون أن يقطفوا الثمرة، ويصلوا إلى مركز المدينة، مثل حلب، وجسر الشغور، وحماة وسواها، ويقدموا أرواحهم قربانًا على مذبح الحرية، وإذا بالأوامر، تأتي إلى الفصائل بالتوقف فجأة، ثم التراجع، والانهزام! ودليل آخر: أن الفصيل الذي كان في الغوطة تحت مسمى جيش الإسلام، وكان يملك ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة، وكان يحيط بدمشق مثل السوار في المعصم، وعلى بعد عدة كيلو مترات من القصر الجمهوري، وكان بإمكانه تدمير القصر على ساكنيه، ولكن الخيانة والعمالة المتعششة، والمتجذرة في قلوب قادته، أبت إلا الانسحاب، والانهزام، وتسليم كامل الأسلحة، إلى النظام الأسدي!

5- هرولة إيران وميليشياتها الشيعية، التي أحضرتها من جميع دول العالم، بما فيها ما يُسمى حزب الله اللبناني، إلى الدخول إلى سورية، للدفاع عن النظام الأسدي، بكل قوة، وبحماسة منقطعة النظير، منذ الأيام الأولى للثورة، ثم دعمته روسيا القيصرية، فأرسلت قواتها، وأسلحتها الفتاكة، وبمباركة بابا الأرثوذكس في 30 سبتبر (أيلول) 2015؛ مما أدى إلى اختلال موازين القوى، ضد الثورة السورية!

6- ثم أخذت روسيا تسيطر على المناطق التي كان الثوار ينسحبون منها، وتشارك النظام في المعارك، وفي قصف المدنيين، بكافة أنواع أسلحتها الجبارة المدمرة، وإدخال أسلحتها الجديدة، لتجريبها في أجساد المدنيين البريئين، كما أخذت تسيطر على الحكم، وأصبحت هي الحاكم الفعلي! وهي التي تصدر القرارات الهامة، من وراء ستار، بعد فرضها على بشار.

7- وبعد أن تمكنت روسيا القيصرية من إحكام قبضتها على الحكم في سورية، طلعت بفكرة جهنمية خبيثة، لعقد مؤتمرات آستانة بين جزء من المعارضة الهزيلة الضعيفة، التي هي في الظاهر مع الثورة، ولكنها باطنيًا مع الاحتلال الروسي الإيراني، وبين النظام الأسدي، وبرعاية الضامنين الثلاثة! فعقد أول مؤتمر في 23 يناير (كانون الثاني) 2017 (7). واستمرت هذه المؤتمرات المسرحية المسخرة، أربع عشرة مرة، كان آخرها في نهاية 2019، ولم يتحقق أي شيء من وعودها الخلبية! وكان ذلك بقصد الالتفاف على بيان جنيف، وقرارات الجامعة العربية، والأمم المتحدة، التي كانت تقضي بتشكيل هيئة سياسية انتقالية، بدون وجود الأسد فيها.

8- وبعد سنة واحدة وفي 30 يناير 2018 انطلقت موجة أخرى من المؤتمرات الخداعية، تحت مسمى «سوتشي» بين الجزء الخانع المستسلم من المعارضة، وبين النظام، وبرعاية الضامنين الثلاثة! والتي كذلك استمرت تعقد إلى نهاية 2019.

9- ولكن الكارثة الكبرى، والحالقة، والمدمرة للثورة، حصلت حينما أخذت الفصائل، تنسحب من الغوطة، ومن ريف حمص، والقلمون وسواها، في أبريل (نيسان) 2018، وتسليم أسلحتها الثقيلة الكثيرة، المخزنة في المستودعات، دون أي قتال، إلا من مناوشات خداعية، مسرحية، لا تغني ولا تسمن من جوع .

الخلاصة الحاسمة

1- إن المصيبة الكبرى التي أصابت الثورة في مقتل، وطعنتها في صدرها بخنجر مسموم، أنه ركب موجة الثورة، أناس لا خلاق لهم، وليس لديهم التزام حقيقي بالدين – الذي كانوا يتظاهرون به – ولا إيمان لديهم، يخوفهم من الله العليم الحكيم، كي يردعهم عن ارتكاب المحرمات.

2- لقد كانت غاية معظم قادتها – سواء كانوا في الجانب السياسي، أو العسكري – في الدرجة الأولى، تحقيق مصالحهم الشخصية الذاتية، على حساب دماء الثوار، ومعاناة الناس من الفقر والحرمان والتشرد! فركبوا موجتها، وقاموا يتغنون بشعاراتها، وهم كاذبون!

3- وهؤلاء القادة مع جنودهم، هم الذين يتحملون الوزر الأكبر، في انتكاس الثورة، وفشلها، وعدم تحقيق أهدافها طوال عشر سنوات إلا قليلًا، من الكفاح والجهاد، أكثر مما يتحمله المحتلون على اختلاف أنواعهم!

4- 1- لأنهم لو كانوا صادقين، مخلصين في ثورتهم، ومتفانين في الدفاع عنها، ومعتمدين على الله تعالى ثم على أنفسهم، لما استطاعت قوى الاحتلال أن تهزمهم. كما قال تعالى شأنه: «لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ» (8). خاصة وأنهم كانوا يملكون أسلحة ثقيلة فتاكة! لم يستخدموها، وسلموها إلى أعدائهم، وانسحبوا منهزمين، صاغرين، أذلاء، مهانين!

5- 1- وأخيرًا، حينما تخلوا عن العطية الربانية، ونبذوا الفرصة التي أتاحها الله تعالى، وهيأها لهم، لكي يتحرروا من رجس الطاغوت، ومن أثقاله التي ناءت بها ظهورهم، تخلى الله عنهم، وتركهم لوحدهم يصارعون قوى الاحتلال! ومن يتخل الله عنه، فلن تجد له نصيرًا، وأولئك هم الخاسرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد