لا جدال في أن الشعب المصري حينما خرج في 25 يناير 2011 كان المحرك الرئيسي وراء انتفاضته هو التعطش للحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، حيث كان الشعار الأساسي الذي رفعه الثوار هو «عيش – حرية – عدالة اجتماعية»، غير أن قطاعًا كبيرًا من الذين خرجوا في 30 يونيو 2013 كان الدافع الرئيسي وراء خروجهم هو ارتفاع الأسعار وتردي – بل وأحيانًا غياب – الخدمات العامة الأساسية مثل الكهرباء والمياه والبنزين، ناهيك عن غياب الأمن والأمان على مستوى البلاد.

خرج المصريون في 30 يونيو ويحدوهم الأمل في تغيير الأوضاع إلى الأفضل والضغط على حكومة الإخوان آنذاك من أجل تحسين الأحوال المعيشية والحصول على الخدمات الأساسية، وانفرجت أساريرهم واستبشروا خيرًا لمجرد سماعهم عبارة « لقد عانى هذا الشعب الكريم ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه» التي تضمنها بيان المتحدث العسكري للقوات المسلحة. لم يبحث المصريون – لا سيما الفقراء والطبقات الدنيا من الشعب – عن الغنى والرفاهية بل كل ما تمنوه هو تحسن الأحوال والظروف المعيشية لهم ولأسرهم.

الأمر المحزن والمحبط هو أن الفقراء والمهمشين – الذين انتظروا تحسن الأحوال منذ 30 يونيو 2013 – قد فقدوا الأمل في كل شيء، بل وضاعت ثقتهم في الجميع بلا استثناء، وأصبح حالهم يشبه تمامًا مسرحية «في انتظار غودو» للكاتب الأيرلندي صمويل بيكيت التي تدور حول شخصيات محرومة ومهمشة تنتظر شخصًا يدعى (غودو) ليغير حياتهم نحو الأفضل، وفي نهاية الأمر لن يأتي «غودو».

وفي كل مرة يشعر فيها الفقراء – البالغ عددهم حوالي 30 مليون وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (هيئة حكومية) – بالأمل والتفاؤل سرعان ما يكتشفون أنه مجرد وهم وسراب، فتارة قيل لهم إن الأمل في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي الذي قال عنه كبار المسؤولين والإعلام إنه سيجلب لمصر 200 مليار دولار قيمة استثمارات ومشروعات مشتركة، وتارة قيل لهم إن الأمل في قناة السويس الجديدة التي ستمنح مصر أكثر من 100 مليار دولار سنويًا قيمة رسوم عبور السفن، وأحيانًا كان يقال لهم إن الأمل في مشروع استصلاح 1.5 مليون فدان بمنطقة الفرافرة بمحافظة الوادي الجديد، جنوب غرب مصر، باعتبارها خطوة أولى نحو مشروع استصلاح أربعة ملايين فدان في منطقة الصحراء الغربية، ليصل الفقراء في النهاية إلى قناعة ويقين بأن الخير لن يأتِ أبدًا تمامًا مثلما لم يأت «غودو».

الاحتجاجات التي جرت في مارس الماضي، والتي أطلق عليها نشطاء التواصل الاجتماعي اسم «انتفاضة الخبر» ما هي إلا انعكاس خطير على أحوال الفقراء والمهمشين في مصر، وما يدعو للأسف حقًا هو أن الجميع قد تخلوا تمامًا عن الفقراء حتى صاروا أمام خيارات ثلاثة كلها شديدة المرارة:

الخيار الأول: أن يرضى الفقراء بحالهم وبالأوضاع والظروف المعيشية الحالية من تهميش وحرمان، وغلاء في المعيشة، وارتفاع رهيب في أسعار السلع الأساسية، وتدهور الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية – بغض النظر عن الغنى الفاحش لدى البعض، وارتفاع مرتبات ومزايا فئات بعينها – دون تذمر أو اعتراض حتى يلاقوا الموت في هدوء وبدون صخب ولا ضجيج حتى لا ينزعج الآخرون.

الخيار الثاني: أن يتخلص الفقراء من حالة اليأس والإحباط التي تملكتهم على مدار الأعوام الماضية عن طريق الإقدام على الانتحار الواحد تلو الآخر وبالوسيلة التي يرونها مناسبة لهم، وأيضا بهدوء وبدون صخب ولا ضجيج حتى لا ينزعج الآخرون.

الخيار الثالث: أن يكشر الفقراء عن أنيابهم ويخرجون إلى الشوارع والميادين فرادى وجماعات في احتجاجات ومظاهرات عارمة، وهذا الخيار سلاح ذو حدين: فإما أن يتم قتلهم على يد قوات الشرطة والجيش للحفاظ على أمن واستقرار البلاد، وإما أن تنجح محاولتهم وحينئذ ستأكل الأخضر واليابس عن طريق تدمير كافة مؤسسات ومنشآت الدولة والوصول إلى قصور وفيلات وكمباوندات الأغنياء وعلية القوم.

لا شك أن الحكومة تتحمل المسؤولية السياسية الكاملة عن دعم الفقراء والمحتاجين والعمل على تحسين أوضاعهم وظروفهم المعيشية، غير أن الأغنياء والقادرين يتحملون كذلك مسؤولية أخلاقية واجتماعية للحد والتخفيف من آلام ومعاناة الفقراء والمهمشين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد