تقول الفرضية إنه كلما استمرت موجة الغلاء ومعاناة الناس فإن ذلك سيدفعهم إلى التوجه للثورة ولأن نسبة كبيرة جدًّا من تعداد السكان في مصر مصنفون على خط الفقر أو تحته، تقودنا النتيجة المنطقية إلى أنهم سيكونون أول من ينادون بالثورة أو من سيقيمونها ولكن عند عرض هذه الفرضية على أرض الواقع نجد أنها غير صحيحة. ولكن لماذا؟!

إن الثورة تحمل في طياتها تغيرات كثيرة ولما كان التغيير لا بد أن يسبقه قدر معين من الوعي والمعرفة والإحساس بالذات، نجد أن الفقراء لا يثورون.

والسبب في ذلك هو نقص الوعي بشكل كبير في تلك الطبقة من المصريين، إذ وإنه طبقًا لول ديورانت مؤلف قصة الحضارة، لم تكن غالبًا الطبقات المطالبة بالتغيير على مر التاريخ هي الطبقات الفقيرة، إذ إن الحصول على الوعي اللازم للتفكير والقيام بهذا التغيير يعد من الرفاهية بالنسبة لتلك الطبقة، فتحت وطأة الحياة وزخمها لا تجد الكثيرين يهتمون كثيرًا بمتابعة وتحليل الواقع والأحداث من حولهم، ولذلك يكون الكثير منهم عرضة لتوجيه جهاز الإعلام وما يعرضه عليه، وطبقًا لإيريك هوفر مؤلف “المؤمن الصادق” الذي يتناول طبيعة الحركات الجماهيرية فإن الفقراء فقرًا مدقعًا “محصنون ضد الحركات الجماهيرية”.

وبرصد انطلاق ثورة يناير في الماضي نجد أن غالبية من انضموا للثورة في بادئها هم من الطبقات المتوسطة وفوق المتوسطة، إذ إن هؤلاء لديهم ما يمكنهم من الحصول على الضروريات اللازمة للحياة ومن بعدها التفرغ للتحليل والمقارنة وربما القراءة، ومن ثم تكون الحد الأساسي من الوعي للمطالبة بالتغيير، وربما حتى يمكن ملاحظة ذلك من التوزيع الجغرافي للثورة وزخمها، إذ نجد أن انطلاقها وغالبية تركزها وجد في قلب القاهرة والإسكندرية وليس خافيًا أن معظم مؤسسات الدولة وفرص العمل والمستوى المعيشي المرتفع موجود في هاتين المدينتين، بينما نجد على الطرف الآخر أن الزخم الثوري لمحافظات الأقاليم الأخرى كان في أدنى مستوياته، وخاصة في صعيد مصر، تلك المحافظات التي عانت عقودًا من الإهمال والفقر وبالتالي افتقدت الوعي اللازم للمطالبة والقيام بحدوث تغيير على الرغم من تدني المستوى المعيشي وزيادة نسبة الفقراء بها.

لكن لماذا لم يبادر الفقراء في القاهرة مثلًا بالثورة واتفقوا مع أقرانهم في المحافظات الأخرى على عدم الحركة؟

هذا لأنه ربما يكون هناك سبب آخر لكي لا يقوم الفقراء في جميع مدن مصر بالمبادرة بالمطالبة بتغيير والقيام بثورة  وهو أنه ليس الفقر وحده يكون المحرك الأساسي لكن لا بد له من رديفة أخرى تكون معه، وهنا نقتبس عن الدكتور على الوردي “أنه النقطة التي نحتاج إلى تأكيدها هنا هي أن مجرد القهر والاستغلال لا تخلق الاستياء أو المعارضة، إن السبب الحقيقي للاستياء هو الإيمان الراسخ لدى المقهورين في أنهم لا يعاملون بمساواة، وأن الظلم واقع عليهم بلا عدالة. يقول دو غريه:

إن القهر والدونية لا يقودان لوحدهما إلى الاستياء فلا بد أن يكونا مقرونين بمشاعر قوية بالأهمية الشخصية والاعتداد بالنفس”.

ذلك يبين أنه إذ لم يترافق الشعور بالظلم والإحساس بقيمة الذات بمستوى معين مطلوب لا يبدأ التحرك اللازم والمطالبة بالتغيير على الرغم من معاناة القهر والاستغلال.

يضيف أيضًا هوفر: “إن البؤس، في حد ذاته، لا يقود تلقائيًّا، إلى التذمر، كما أن درجة التذمر غير مرتبطة بدرجة البؤس. يبلغ التذمر أعلى درجاته حين يكون البؤس محتملًا، أى حين تتحسن الأوضاع على نحو يسمح بالاعتقاد بإمكان تحسنها أكثر فأكثر”، أو بمعنى آخر يتطلب الشعور بالتذمر رديفه ثالثة أيضًا وهي الشعور بالأمل وأن الأمور يمكن أن تتغير للأفضل.

حسنًا، ربما يصدق ذلك قبل ثورة يناير لكن كيف يستمر الأمر بعدها وقد ذاق الناس لبعض الوقت متنفسًا من الحرية وربما شعروا بالظلم وعدم العدالة التي كانت واقعة عليهم بعد كشف المظالم الكثيرة التي كانت واقعة عليهم. لماذا لا يتحركون الآن بعد القدر الذي حصلوا عليه من الحرية السابقة، ولماذا وقعوا مرة أخرى تحت وطأة الإعلام.

ربما يكون ذلك بسبب القصر الشديد لتلك الفترة التي تذوق فيها المصريون حريتهم، وهي فترة قصيرة مقارنة بالفترة المطلوبة لإحداث تغيير جذري في وعي الشعوب، فضلًا أن تلك الفترة لم تتعامل مع جذور المشكلة – بسبب قصرها الشديد وعدم استقراراها- فأصل المشكلة يقع في نقص الوعي والشعور بالذات والذي يتطلب جهدًا كبيرًا لتغييره على مستوى التجمعات الكبيرة والقيام بإحداث تغيرات في مستوى المعرفة والمشاركة العقلية بالحد الأدنى بالنقد والتحليل، ولما لم يحدث أي من هذا، ظلت الأمور على ما هي عليه دون تغير كبير يذكر خاصة في تلك المجموعة من الناس التي تعاني ضغوطًا حياتية شديدة في حياتهم اليومية.

وأيضًا يمكننا أن ندرك كيف خفضت الأخطاء والأحداث الماضية في الثلاث سنوات الماضية من مستوى الأمل والثقة في إمكانية وجود مستقبل أفضل يتطلب إحداث تغيير جذري ومن ثم الثورة، وبذهاب أو انخفاض الوعي والشعور بالذات متزاوجًا مع فقد الأمل نجد أن قطاعات عريضة لا تتحرك على رغم من البؤس الذي يعيشون فيه.

ومن هنا يمكن أن نغير منظورنا قليلًا لتلك الجماعة من الناس، فبدلًا من النظر إليهم ووصمهم بالسلبية، يمكن أن ننظر إليهم على أنهم جماعة من الناس كانوا ضحية نظام سياسي ومجتمعي أهملهم طويلًا، وبالتالي تكون مطالبتهم بالمبادرة والأسبقية بإحداث ثورة غير منطقية لعدم توفر ما يلزم للمطالبة بحدوث تغيير.

وفي النهاية يجب أن نضيف أنه لا يمكننا بأي حال أن نعمم حديثنا، فهناك بعض الفقراء يثورون وبعض غير الفقراء من الطبقات المتوسطة وغيرها لا يثورون بل يتماشون مع الواقع، لكن حديثنا يحاول أن ينظر للصورة الكلية وللمجموع وليس الاستثناءات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد