هل الإنسان مصدر خير أم مصدر شر على هذه الأرض! من الجاني، ومن المجني عليه؟

لم يكن تطاول وهيمنة الملوك والسلاطين واستعبادهم للبشر، وتسخيرهم لخدمة السادة ووجهاء القوم، وأعضاء العائلة المقدسة منذ فجر التاريخ وحتى الآن من باب المصادفة أبدًا؛ بل إن هناك دوافع ومقومات تجعل من الإنسان البريء التقي النقي طاغية ومتعالٍ في الأرض، تجعل من ابن آدم سليم الفطرة طيب السريرة ظالمًا ومفتريًا، تجعل من المسكين فرعونًا.

بلغ فرعون من القوة والعتاد والكِبر ما بلغ! لينتهي بتنصيب نفسه إلهًا على مصر والمصريين جميعًا، يقتّل الأبناء ويستحي النساء وسطَ غياب للمقاومة، وفتور عن الاعتراض إلى أن أرسل الله إليه نبيه وأخاه ناصحًا ونذيرًا، ومع ذلك أعطاه الله كل ما يشتهي الطاغوت من جند ومال، وأمهله، وأرسل له من يهديه ويرشده، حتى أحذه أخذةً رابية. فهو مسكين ظالم لنفسه مبين! إلا أن الآن ومع القليل من الوعي والانفتاح الفكري لا يجرؤ أحدٌ أن يدّعي ألوهيةً، بل اكتفوا بأخذ ما يمكنهم من ممارسة الفجور والطغيان في عصر التقدم والازدهار، عصر الاستعباد  التكنولوجي. فهو بمثابة الأب الروحي لكل طاغية.

 كل مولود على المعمورة يولد على الفطرة الخيرّة وعلى الإسلام القويم، لكن هذا لا ينسينا أن في الإنسان نقطة سوداء تزيد في الحجم ما دام صاحبها مصرًا على استعلائه وكبره وجحوده، تزيد في الحجم إذا اتبع هواه وشهوته المتوحشة، ونفسه الآمرة بالسوء، تزيد في الحجم بقدر بعده عن الفضيلة والعلم والدين. فقد يكون الفرد فرعونًا مع أصدقائه، وإخوانه، وأقربائه، أو بقية الناس. ويقف داعمًا له ولجبروته عنصران:

فتنة الســلطة

ملك، أمير، ولي، خليفة، رئيس، قيصر، سلطان، وزير، غفير…إلخ! كلها مسميات وألقاب بذل أصحابها في سبيلها الكثير، وضحوا بالغالي والنفيس من أجل الوصول لعرش الأسد، أو حجز كرسيٍ في بلاط السلطان. فالإنسان بطبعه يحب الزعامة والقيادة والظهور وهو شيء لا غبار عليه. إلا إذا تحولت السلطة والمكانة لقنطرة يمر عليها إلى عالم الإجرام، عالم الدماء والفجور، يتلبسه فرعونه آمرًا وناهيًا بما يهوى ويهوى شيطانه. كما أن هذا لا ينفي بالضرورة أن البشرية حظيت من قبل بإمام عادل، ووزير فاضل، وسلطان سَوي. ولنا في العُمرين خير مثال.

فرعون المسكين هو مرشح سابق تعرفه وأعرفه بادر بالخيرات، وعهد الطاعات، وقدم القربات مرائيًا ومنافقًا، حتى إذا بلغ ما أراد نسي ما كان يدعو إليه من قبل ونصب نفسه عاليًا علينا.

فرعون المسكين هو المتواضع ما دام ضعيفًا، والطالب ما دام محرومًا، والمريد ما دام صعلوكًا، حتى إذا نال السلطة والمال كشّر عن أنيابه الزرقاء، وأظهر مخالبه الجارجة، ونهش في لحم بني جلدته الأوفياء.

فرعون المسكين هو صاحبنا المنبوذ بعدما حقق هدفه، ووصل إلى حيث أراد، بث سمه وطغيانه في وجوه الناظرين.

فتنة المال

هو جندي مغوار من جنود فرعون، يجمعه ممن يشاء، ويصرفه على ما يشاء، ساعيًا في الأرض فسادًا، ناشرًا في الوطن الدناءة.

إنما أموالكم وأوﻻدكم فتنة

 فتنة المال من أعظم الفتن وأشدها على الإنسان. فالله يعطي الدنيا مَن أحب ومن ﻻ يحب وﻻ يعطي الدين إﻻ مَن أحب. هي في حقيقتها بلاء ومصيبة يقع صاحبها تحت طاولة المسائلة والاختبار الإلهي العادل.

أليس لنا في قارون وقصته العظة؟! كان المال سببًا لهلاكه كما كان سببًا لكبريائه وشِركه. حتى إذا نسي وتناسى عن عمد ما خوله ربه وما منحه إياه.. قال إنما أوتيته على علمٍ عندي!

سر العصابات، وتكوين التكتلات، وتشريد العباد، ونشوب الحروب، وتدمير الأوطان؛ المال.. بدونه لا سلاح تسلطه على الأبرياء، بدونه لا طائرات تقصف بها البلاد، بدونه لا بيع للضمائر، ولا خيانة للأوطان والأحباب.

فلا تكن فرعونًا بعد مسكنةٍ، ولا تكن طاغيةً بعد إملاق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إنسان, رأي, فرعون
عرض التعليقات
تحميل المزيد