كثر موخرًا الحديث عن الفقر والفقراء، واتخذه البعض مجالًا للتندر أو المعايرة والانتقاص، ولعب الآخرون على أنه مدعاة للسعادة والافتخار، فمن الصادق، ولماذا يروج كل فريق لرأي معاكس؟

فهل الفقر عيب أم مفخرة؟!

الكثيرون يروجون لفكرة أن الفقر نعمة ولعل من العجيب أن أكثر من يروج لهذه الفكرة هم الأغنياء!

فمثلًا تجد صورة فقير ملابسه ممزقة وعليه آثار الحاجة والمرض والشقاء ثم تأتي عليه لحظة معينة يضحك فيها وهذا من حقه فالضحك مجاني – وربما كان يضحك سخرية على حاله – وهنا يقنص أحدهم الصورة النادرة لضحكة الفقير، ويكتب تحتها بالخط العريض: السعادة ليست في المال!

ثم يبدأ  استنساخها عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتكريس لفكرة: ما أروع الفقر! ما اجمل ابتسامة الفقراء، دعونا نحسد الفقراء على فقرهم، وهيا بنا نشفق على الأغنياء المساكين الذين لم تزُرْهم ابتسامة واحدة.

وعلى الجانب الآخر وبعيدًا عن الصور، هناك فريق كبير من (تجار الدين) يروجون لهذه الفكرة بشكل مغاير، فتجدهم مثلًا جالسين في إستوديو ضخم، حولهم كل وسائل الرفاهية، يرتدون أرقى الملابس وتكبل معاصمهم أرقى الساعات، وكروشهم ممتدة أمامهم، ثم يقدمون سلسلة حلقات عن فضل الزهد في الدنيا!

يكرسون بين الناس أن كونوا فقراء حتى تدخلوا الجنة، فالفقراء يحبهم الله. الفقر جميل، والغنى شيء مقيت. أشفقوا على الأغنياء المساكين فالمال لعنة.

ولو كان المال لعنة فلماذا لا تتخلصون من أموالكم للفقراء لتنعموا بالفقر اللذيذ ويقاسوا هم مر الغنى؟

وجهة النظر المغايرة: لا تحاول أن ترضينا بفقرنا بل على العكس تعايرنا بفقرنا؟ 

وهؤلاء يكفيهم الرد بـ: لا تعايرونا بفقرنا بل عليكم مساءلة من تسبب في إفقارنا؟ إن لدينا من الموارد البشرية والثروات ما يكفل لنا حياة كريمة؟ فأين ذهبت أموالنا؟

 

لنرجع للسؤال الأول: هل الفقر نعمة أم نقمة؟ وهل الغنى نعمة أم نقمة؟

نفس السؤال سُئل للإمام المجدد ابن تيمية في رسالته الشهيرة: «أيهما أفضل الغني الشاكر أم الفقير الصابر».

وخلاصة قول ابن تيمية أن «النصوص الواردة في الكتاب والسنة حاكمة بالقسط؛ فإن الله في القرآن لم يفضل أحدًا بفقر ولا غنى، كما لم يفضل أحدًا بصحة ولا مرض، ولا إقامة ولا سفر، ولا إمارة ولا ائتمار، ولا إمامة ولا ائتمام، بل قال‏:‏ ‏(‏إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ‏)»‏‏‏.‏

فالفقر ليس محمودًا، والرسول صلى الله عليه وسلم استعاذ من الفقر، والصحابة كعلي بن أبي طالب قال:

«لو كان الفقر رجلًا لقتلته». 

كما أن الغنى ليس ممقوتًا فيكفيك أن المال يقيك شر السؤال والحاجة للناس.

فلماذا يصرون على تزيين الفقر؟ وإقناعنا بالرضا به؟ وإلباسه رداء الزهد والتنكس!

إن الخلاصة التي أريد تقديمها ببساطة:

لا تصدق من قال إن الفقر عيب، ولا تصدق من قال إن الفقر مفخرة؛ فالفقر ليس عيبًا ولكنه في الوقت ذاته ليس مدعاة للفخر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغنى, الفقر, رأي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد