في مقابلة على إحدى القنوات العربية التي تبث من بيروت، حاولت «روائية» إقناعنا بالتبصير، كادت لتستطرد في أهمية ما أسمته «علم الأبراج» وتشرعنه بكلمة أجنبية «Astrology» لولا مقاطعة المحاور لها. في الوقت الذي تشهد الرواية العربية انحطاطـًا بالغًا في السوية، قياسًا بما أنتجه نجيب محفوظ، وعبد الرحمن منيف وسواهما، بل باتت الرواية تُعد مسبقًا لتكون فيلمًا، فتختلط الرواية بالسيناريو، وتلتبس شخصية الروائي بـ«السيناريست»، وبما أن الإيمان الجدي بالتبصير يعكس السوية الثقافية المهزوزة لحاملها، يجعلنا نشك أن حاملها حكواتي أكثر منه روائي.

عصر الرداءة

هذا الواقع ليس خصوصية عربية، إذ إن هذه السقطة المزرية للثقافة بلغت أعلى مستوياتها في الغرب أيضًا. فالمثقف الغربي تغير سؤاله الثقافي، كما ينقل عبد الله الغذامي تساؤل جوناثان كولر «يلحظ المرء انصراف أساتذة الأدب عن دراسة ملتون إلى دراسة مادونا، وعن دراسة شكسبير إلى دراسة الدراما التلفزيونية، ويرى البرفسور الفرنسي يكتب عن السجائر، وزميله الأمريكي يكتب عن السمنة[1]» فحين يتحول المنتج الثقافي من كونه أداة للتعبير والتغيير إلى سلعة تدر ربحًا من فائض قيمتها الرمزية، حينها يدخل الجمهور إلى المسرح الثقافي كمستهلك. ويعد المثقف مادته العلمية لطرحها في سوق التداول ويراعي متطلبات السوق الثقافية، وبالتالي تدخل السوق كالوجبات السريعة وأفلام الإثارة، في عالم يتشيأ فيه كل ما يمكن تداوله في السوق.

كذلك ضروب الفنون الأخرى، بعضها مأساوي لدرجة الكوميديا، ففي باريس يجلس «فنان» على مجموعة بيض دجاج حتى يفقس، وآخر مستلقٍ طوال النهار، وهو وله أزيز في انتظار المصورين، بينما تعرض صخرة تبلغ أطنانًا وبأثمان باهظة. ولم يكن العالم العربي بطبيعة الحال بعيدًا عن النزعة التسويقية في الحقل الثقافي، بل أفرز أشكالًا قد لا تكون معهودة عربيًّا وقد يكون بعضها مألوفًا، من الشعبوية والالتباس وصناعة الأيديولوجية.

المثقف الشعبوي

بينما على ما يبدو أن بعض المثقفين العرب قد انشغلوا عن السوق الاستهلاكي بالسؤال الراهن المتمحور حول السلطة الصاعدة، أي سلطة الجماهير، فأدونيس تعامل معها على السياق ذاته الذي واجه به سلطة النظام الحاكم على اعتبار الحشود سلطة غاشمة جديدة، ينبغي الحد من فورتها العنفية، ومن رداءة عقائدها، ومن هنا أدان أدونيس رمزية المساجد، التي تلمح بانتماء ما قبل مدني، كما عاب على الحراك غياب الحراك الجامعي.

بينما انحدر غليون إلى الشعبوية ومغازلة سلطة الجمهور الصاعدة، والتغاضي عما يمكن وصفة بجرائم إبادة، والمثقف الشعبوي ظاهرة مهمة ينبغي التوقف عندها. فقد أفرزت الثورات العربية هذا النوع من المثقفين الذين نتوقع منهم الرزانة الأكاديمية، على خلفية المنتج العلمي في تخصصاتهم. فبدا المثقف في كثير من حالاته مروجًا للأفكار العنفية وفقًا لما تشتهيه السوق الرائجة. ومن جانب آخر تحاشى المثقف الشعبوي انتقاد سلوك الحشود. فحين ينحاز المثقف لا إلى الثورة بمعناها القيمي الأخلاقي، بل إلى الحشود فسيتعدل من الخطاب الثوري إلى الخطاب الشعبوي الما قبل الوطني إثنيًّا كان أم طائفيًّا.

المثقف الملتبس

لم تستطع دول الخليج بناء حضارة متقدمة فعملت على «تسويق البداوة[2]»، والكلمة للشاعر المغاربي أحمد عصيد، وبهذا التوصيف المتناهي في الدقة يختزل الدور الخليجي «السعودية وقطر» في قيادة الحشود، والتعبير عنها سياسيًّا وتمثيلها فكريًّا.

ومن ضمن الجيوش التي أعدتها البداوة الخليجية في بدوَنة الإقليم والعالم، أعدت جيشًا من المثقفين الملتبسين، العاملين في خدمة المشروع السياسي.

والمثقف الملتبس هو المصطلح الذي سأستخدمه للتعبير عن أولئك العاملين في الحقل الثقافي يدأبون على تغطية الجوهر اللاإنساني في المشروع البدوي، وتبييض الظلام المكتنف بكل تفاصيل المشروع الظلامي، بل تبرير أي جريمة ترتكبها الأدوات العسكرية وأذرعها السياسية، بمعنى أنهم يشكلون الواجهة التي تعد لمخاطبة الخارج وإضفاء شيء من الطمأنينة لدى الداخل، وذلك لوجود فئة ثقافية ضمن صفوفها. فالداخل لا يكترث بالثقافة ذاتها ولا بالمعاني المتعالية، فكل ما يعنيه هو أي شكل من أشكال التبرير لسلوكه العنفي الطائفي. وهو ملتبس لأن الهوية التي يحملها لا تكاد يميزها بينه وبين رجل الدين إلا بلحية حليقة وخطاب لا ديني بنكهة الثقافة، ولا أقصد رجال الدين الليبراليين، بل العاملين بالحقل الثقافي بالمعنى الحرفي للكلمة، ومن الأمثلة القريبة التي توضح التواطؤ بين رجل الدين والمثقف الملتبس، فيتوضح خلال العمل الإرهابي ضد أقباط مصر، حين غرد القرضاوي تغريدته الشهيرة، التي اقصرت على القول بأن هذه الأعمال لا تحدث إلا في ظل الأنظمة الاستبدادية، بمعنى أنه لا توجد أي إشارة لإدانة الجريمة، وهذا من جهة ومن جهة أخرى، تتضمن التغريدة خطابًا ضمنيًّا يعني التهديد بأعمال أخرى، والأكثر عجبًا استثمار الحادث المروع وأرواح الضحايا سياسيًّا، وأما من جهة المثقف الملتبس، فقد علق مدير أحد المراكز البحثية التي مقرها قطر على العمل الإرهابي في الراشدين في السادس عشر من شهر نيسان 2017، وبعد مقدمة من التجريم «جريمة الكيماوي» ثم «جريمة اتفاقية المدن الأربعة»، وفي النهاية وصف خجول لقتل المدنيين بالجريمة، ومن ثم لا يلبث أن يستثمر سياسيًّا حتى تلك الأرواح التي قضت بناء على مشروع مشغليه.

فالأقلام ذاتها وبالاستعانة بالقوى الاجتماعية ذاتها، والتي أسست للدكتاتوريات العسكرية فيما سبق لتعود اليوم لتؤسس من جديد لدكتاتوريات دينية.

صنّاع الأيديولوجية

بالرغم من أن الثورات العربية ضربت الصورة النمطية عن الجماهير وفعلها التاريخي التقدمي، من الجذور وميراث النخبة الثقافي المتعالي إلى معاني الجمهور والثورة. إلا أن خطاب المثقف العربي لا يبدو عليه التعافي من الأيديولوجيا، وتدلل عليه تلك المفارقة الأكثر خطورة، التي يكاد أن يقع فيها المثقف العربي، بأن يصب القيم الحداثية من «العلمانية، المدنية، المواطنة، الديمقراطية» في هياكل الوعي الجماهيري، بمعنى آخر إضافتها إلى خانة الأيديولوجيات العقائدية لتتناسب مع الطبيعة المجتمعية، وبالتالي إلحاقها بما سلف من الأفكار الإسعافية للعالم العربي، التي تحولت إلى أيديولوجيات جوفاء، فحين نجد مثقفًا عربيًا يناضل منذ سنوات من أجل إقناعنا بأن الفصائل المقاتلة المتطرفة دينيًّا مؤمنة بالمثل الحداثية العليا، حينها لا يمكن أن نتصور أن الخطاب التجميلي ليس موجهًا لذوي القرار السياسي، بقدر ما هو موجه أولًا إلى الفصائل نفسها في محاولة لإقناعها بالأيديولوجية الجديدة. وحين يخوض مثقف آخر داخل النص الديني ليًّا وتحويرًا، محاولًا استنباط القيم المعاصرة من النص، يصّيره فقيهًا فاشلًا من جهة، ومن جهة أخرى تضيع البوصلة الموجهة نحو تلك القيم التي ترتكز على نوعية البنى الاجتماعية ذاتها، لا على أيديولوجيتها.

فليس السؤال إذن «هل قيمة الأفكار التي ينتجها المثقف تتحدد بمقاييس الحقيقة أم بمقاييس الفائدة والفاعلية؟[3]» بل إن نقد الواقع وإجلاءه ومقاربة ماهيته بأدوات علمية هو بذاته عين الفائدة وأس الفاعلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

محمد نور الدين أفاية وآخرون، المثقفون العرب والربيع العربي، حلقة نقاشية، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2013) ص111.
عرض التعليقات
تحميل المزيد