عن النَّبيّ – عليه الصَّلاة والسَّلام – أنَّه قال: «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ تَطْرُدُ عنهُ جُوعًا، ولأنْ أَمْشِي مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ أعْتَكِفَ في هذا المسجدِ-  يعني مسجدَ المدينةِ- شهرًا، ومَنْ كَفَّ غضبَهُ سترَ اللهُ عَوْرَتَهُ، ومَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، ولَوْ شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قلبَهُ رَجَاءً يومَ القيامةِ، ومَنْ مَشَى مع أَخِيهِ في حاجَةٍ حتى تتَهَيَّأَ لهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يومَ تَزُولُ الأَقْدَامِ، وإِنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفْسِدُ العَمَلَ، كما يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ».

الطبيب الإنسان

 

عندما يتحول العمل إلى رسالة يظهر أمثال الدكتور محمد مشالي «طبيب الغلابة»، الذي كانت طنطا بمحافظة الغربية في مصر مُضيئة بجمال وجوده وحسن سلوكه.

لطالما تخالجني مقولته العظيمة: «الإنسان مهيأ لما خلق له ، وأنا خلقت للغلابة».

ظل الدكتور محمد مشالي طوال حياته من الذين يؤْثرون على أنفسهم ذوي الحاجة والفاقة، وما كان إلا متواضعًا بشوش الوجه جميل الخُلق. أحبه الناس حبًا شديدًا ليس لنفعه لهم فحسب؛ وإنما لحُسن معاملته وأدبه العالي ، لقد ضرب الدكتور محمد مشالي الأمثال في التواضع والعمل الطيب. وهذا الحب الشديد مع حسن السيرة والسلوك دليل على حب الله لنافع الناس كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا أحب الله العبد، نادى جبريل، إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء، إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض».

مع كونه طبيبًا كبيرًا مشهورًا ذا خبرة في تخصصه ومجاله؛ فإنه لم يكن يومًا كالأطباء الذين ينتهزون الفرصة لاستغلال المرضى؛ فقد كان كشفه لا يتجاوز العشرة جنيهات في حين أن أقرانه من الأطباء يتقاضون مئات الجنيهات مقابل الكشف الواحد على المريض!  مع العلم أن الدكتور محمد مشالي لم يكن من الأغنياء الكبار، وإنما كان بسيطًا؛ صحته وإنسانيته هي كل الثروة الحقيقية التي يعيش من أجلها.

ذات يوم، هرع الطبيب لعلاج طفل صغير مريض بالسكري أشعل النار في نفسه، لعدم قدرة والدته على دفع تكلفة علاجه.

يقول: «كان يبكي من الألم ويطلب من والدته أن تعطيه حقنة الإنسولين، فردت أم الطفل قائلة إنها لو اشترت حقنة الإنسولين فلن تستطيع شراء الطعام لباقي إخوته، ما دفعه للصعود إلى سطح المنزل وإشعال النار في نفسه».

ورُغم محاولته إنقاذ الطفل فإنه فشل، فكان لهذا الموقف بالغ الأثر في مسيرته المهنية، جعلته مؤمنًا أكثر بنبل عمله الإنساني قبل التفكير في العائد المادي.

اقض الحوائج ما استطعـت ** وكن لهمِ أخيك فارج
فلخير أيام الفتى ** يوم قضى فيه الحوائج

هذه المسيرة الحافلة بالعطاء والإيثار كانت أروع وأشرف مسيرة في حب الخير وبذل المنفعة للناس. لا شك أن الخير المكنون في نفوس الطيبين إذا وجد من يحفزه يتجسد في الحياة بالنفع، وقد كان والد الدكتور محمد مشالي من الفضلاء الذين يُراعون حالات الناس ويشفقون عليهم، وقد وصى ولده الطبيب الدكتور محمد مشالي بالفقراء والمحتاجين خيرًا ، وقد لبى الطبيب البار وصية والده العظيمة، وظل على عهده الشريف في خدمة الناس حتى مات.

أكثر من سبعين سنة في السعي الجاد بكل همة وعزيمة لرضا الله عز وجل وإغاثة المحتاجين، يسأله إنسان عن قيمة كشفه القليلة فيقول: «إن الناس غلابة، وأنا نشأت فقير، فلست أريد عربة عشرة أمتار، ولا بدلة بمليون جنيه.. إنني زاهد فيها، أقل شيء يكفيني؛ فسندوتش فول وسندوتش طعمية يكفيني». لله در هذا الإنسان النافع للناس، هذه هي مدرسة الإسلام الطيبة التي أخرجت أمثال هذا الدكتور الهُمام، نسأل الله أن يغفر له، وأن يجزيه خيرًا.

هل نأمل أن نرى كهذا الطبيب المخلص للفقراء والمحتاجين؟

في هذا الزمان المتوحش التي ملأته الشهوات وحب الأموال، هل سيخرج رجال يخدمون الناس كل في مجاله وتخصصه كما كان الدكتور محمد مشالي «طبيب الغلابة»؟

وأفضل الناس ما بين الورى رجل ** تقضى على يده للناس حاجاتُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد