(1)
مرَّ واحدٌ وعشرون شهراً على انتخاب البابا خورخي ماريو الذي اختار لنفسه اسم فرانسيسكوس كبابا للفاتيكان ورئيساً للدولة. ومنذ ذلك التاريخ والبابا لا ينفك يصدمنا بتصريحات نارية بين الفينة والأخرى تستفز العقل والقلب وتثير زوبعة من التساؤلات.

 

فبينما تقرأ تلك التصريحات تشعر وكأن يداً امتدت من خلال السطور عبر عينيك إلى داخل عقلك ومن ثمّ إلى أعمق نقطة في يقينك اللاشعوري لتعيد تشكيل وتعريف ما تعتقده أنت عن الله.

 

“الله ليس قاضياً يوم القيامة، بل محب للجميع على خطاياهم ولا وجود لعذاب جهنم فقد خلصنا الرب جميعاً من خطايانا. قالوا: والملحدون يا نيافة البابا؟ قال: وحتى الملحدون الذين يعلمون وجود الله وينكرونه”.

ولكن لم ينس البابا بالطبع أن ينوّه إلى ضرورة الالتزام بفعل الخير والتعامل بالمحبة مع الجميع وعدم الارتكان إلى “الحقيقة” السابقة والنتيجة النهائية لأعمال الحياة الدنيا التي استطاع البابا بحكمته أن يعلمها قبل يوم القيامة.

 

(2)
اعتدت ألا أشغل بالي كثيراً بأمور معينة عن الله، كذات الله مثلاً أو ماذا كان يفعل الله قبل خلق الكون، أو لماذا اتخذ قراراً بالخلق ابتداءً، وذلك لعدة أسباب منها أن المساحة العقلية والزمنية الممنوحة للإنسان لكي يتفكر عموماً محدودة بالشكل الذي يحتم على الإنسان أن يتفكر فقط فيما يهمه فعلاً في عاجل أمره وآجله، وعليه ألا ينشغل بغير ذلك من الأمور ضعيفة التأثير في شأن الحياة والممات.

خارت كل قواي العقلية وباءت كل محاولاتي لتجاهل تلك التصريحات بالفشل خاصة وأنها صادرة من شخص له قامته وقيمته كبابا الفاتيكان ولا يمكنني إلا أن أتناول الأمر من خلال وابل من الأسئلة بعضها استنكاري والبعض الآخر استفهامي في محاولة لاستقراء الصورة الذهنية للرب عند البابا والتي يحاول أن يمررها لنا. وأتوجه للبابا بهذه التساؤلات وسأتعمد أن تكون البواعث منطلقة من عقيدة مسيحية وليست إسلامية.

 

(3)
سيدي البابا، إن لم يكن الرب قاضياً يوم القيامة فما دوره يومها؟ منظم مرور لدخول الناس الجنة؟ ألا ترى نيافتك أن الشرور في الأرض زادت بعد “صلب المسيح” وتخليص البشر من الخطيئة الأولى؟ لماذا تستمر الحياة على الأرض طالما جميع البشر في الجنة ولن نحاسب؟ هل لكي يخلق الله المزيد من البشر لكي يدخلهم الجنة برحمته بعد مغفرته؟ فلماذا مازلنا مخيرين ونملك القدرة على فعل الشر إن كنا لن نحاسب عليه؟

 

أرسل الله لنا ابنه لكي يعذب ويصلب كطريقة وحيدة لكي يغفر الله للبشر ذنباً لم يرتكبوه هم بل ارتكبه أبوهم آدم، أما ذنوبهم التي ارتكبوها هم فلن يحاسبوا عليها؟ لو استوى عند الله من يؤمن به ومن لا يؤمن به ولو عنداً فلماذا أرسل الرسل ولماذا كانت الخطيئة الأولى وفيمَ كانت التضحية وعلى ماذا كانت المغفرة؟ لماذا خلق الله البشر سيدي البابا مخيرين بين الخير والشر ولأي غاية؟ لماذا لم يخلقهم أنعاماً غير مكلفين؟ أو ملائكة مجبولين على الطاعة؟ أو نباتات لا اختيار لهم فيما يصنعون؟ كيف يكون الرب كلّي العدل ثم يساوي بين المحسن والمسيء ويدخلهم جميعاً الجنة؟

(4)
لا استهدف فحص العقيدة المسيحية والتصور الإلهي فيها وليس هذا بحثي الآن، وأعلم جيداً أن تصور الناس عن الإله قد يختلف من دين لآخر وأحياناً من شخص لآخر في نفس الدين، ولكن معظم الأديان إن لم يكن كلها تتفق على حزمة أصلية من الصفات في الإله، فهو كلي العدل وكلي الرحمة وكلي العلم وكلي القوة إلى آخر ذلك من الصفات الكلية، ولكن كيف لي الآن أن أثق في إله تتراوح صفاته الأصلية بين الغموض تارة ومخالفة المنطق تارة أخرى؟

 

قد أتفهم رغبة البابا في تجديد الخطاب الديني للكنيسة بتصريحات كاحتواء المثليين جنسياً والمنتمين لباقي الديانات، ولكنْ هناك خيط رفيع بين تجديد الخطاب وبين تغيير الدين بالكلية في محاولة لاستمالة أطياف أخرى من الناس والذي من شأنه ربما أن يترك الكثيرُ من المتدينين فعلاً هذا الدينَ الذي لم يعد عقلانياً بالنسبة لهم.

كيف تستميل ملحداً بأن تخبره أن الله يستوي معه من علمه وآمن به ومن علمه ولم يؤمن، فسيسأل مباشرة ولماذا أؤمن بالله إذن؟

 

(5)
أما إن كان هذا ما تظنه فعلاً نيافة البابا عن الله وليست محاولة لتقديم تنازلات في الدين لتسهيل تسويقه بين الملحدين فدعني أخبرك قليلاً عما أعتقده أنا عن رب الأديان عموماً وربك خصوصاً. إذا كان ربك هو من خلق هذا الكون الفسيح بداية من الكوارك والجسيمات تحت الذرية ووصولاً إلى مئات المليارات من المجرات الحبلى بتريليونات النجوم وكل أولئك تحكمهم قوانين طبيعية غاية في الصرامة والتناسق فحتماً ربك هذا كلي القدرة.

 

وإذا كان ربك هو من خلق مخلوقات مجبولة على الخير، تعلم الشر ولا تقدر على اقترافه، ومخلوقات لا تميز خيراً ولا تفقه شراً وتجري بغرائزها لا تحيد عنها، ومخلوقات أخرى مخيرة، تعلم الخير وتعمله وتعلم الشر وتعمله، ولا وجود لمفهوم الشر المطلق في أي من المخلوقات فلا جرم أن ربك هذا كلي العلم تامّ الحكمة يعلم ما خلق ولمَ خلقه وإلى أين مصيره. فالإرادة الحرة تعني المسئولية، وحرية الاختيار تعني الثواب والعقاب واستمرار الحياة تعني استمرار الهدف ولا تعني أبداً أن النهاية محسومة للجميع.

 

مع التخيير بين الخير والشر تتأتى الحاجة الغريزية الوجدانية إلى العدل. ولن يخلق ربك من يملك قدرة الاختيار من دون أن يتصف سبحانه بتمام العدل لتحقيق التوازن وليس للانتقام أو استعراض السادية. ربك هذا لا يعقل أن يُظلم عنده أحد ولا يساوي بين الذين يعملون السيئات والذين يعملون الحسنات، ذو المغفرة والرحمة الذي يتهاون في حقوق خلقه.

 

إذا كان ربك هذا هو من نفخ في خلقه الروح من روحه لا يعقل أن يتركهم أبداً يموجون في هذا الشعور بالضياع الوجداني وعدم الاتساق، فهذه الروح هي أصلاً من روحه ووجدانهم هو منحة منه سبحانه.

 

هل هذا هو ربك نيافة البابا فرانسيس أم من هو ربك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد