لو من أول مرة تم الاعتداء فيها على الأقباط في مصر من متطرفين (إسلامجية وهم التجار بالدين)، ثار الأقباط وحملوا السلاح وقتلوا وذبحوا وخربوا وحرقوا الجوامع لصارت مصر لبنان أخرى، بل أسوأ ملايين المرات، ومات ملايين المسلمين وملايين الأقباط أيضًا، وخربت مصر وانقسمت كما انقسمت السودان الآن، وهو الهدف الجوهري الذي يسعى إليه الكثيرون منذ عقود، فبسقوطها سيسقط كافة الدول العربية والخليجية تباعًا وبسهولة، (ولكنه درس لا يعيه المسئولون بغباء وغرور وصلف تام)، ويعتمدون اعتمادًا كليًّا على قداسة البابا شنودة، والبابا تواضروس اللذين دائمًا وأبدًا يعالجان الأمور بكل حكمة وبعد نظر ووطنية نادرة، لا توجد في كثير من المسئولين السياسيين، فلولاه لتدخلت دول كثيرة جدًّا في شماتة تحلم من زمن بذلك، بل وعملت بكل قوتها على تقسيم مصر وتمزيق وحدتها وشعبها نتيجة سلسلة متعاقبة من أخطاء وجرائم فادحة من المسئولين السياسيين في مصر في معالجتها.

فالشعب القبطي وبخاصة الشباب في كل مرة تحرق له كنيسة أو تخطف له ابنة من بناته يصير في حالة غليان كامل وشامل، يتمنى كلمة واحدة فقط من قادتهم الدينيين ليقتل ويدمر كل شيء حوله، حتى يمكنه أن يدمر نفسه انتقامًا وثأرًا في لحظات انفعال في كل مرة تتهاون فيها الدولة، وتقصر في القصاص من المجرمين، بغباء نادر لمدة عشرات العقود، فالحاكم الهين فتنة والفتنة من الشيطان إذا الحاكم الهين من الشيطان.

ولكن البابا شنودة (وسار على نهجه البابا تواضروس) لولاه بحق لغرقت مصر في بحور من دماء الفتنة الطائفية منذ عشرات السنوات، ولكن كل القادة المسيحيين في كل مرة تنفيذًا لأوامر البابا كانوا يمتصون براعة غليان الشباب الذي كان يطلب القصاص بكل قوة وحماس جارف، الذي لولا حكمته ووطنيته وحبه لمصر، لتحققت بسهولة ويسر أهداف وخطط دول كثيرة تتمنى ذلك لمصر وتحلم به منذ سنوات طويلة، وهذا هو فضله التاريخي على مصر كلها وشعبها مسيحيين ومسلمين وحكومة ومسئولين وحكام، فقد نفذ تعاليم إلهه بكل صبر واحتمال كامل يفوق قدرة البشر أجمعين، وغفر لمن أساء له شخصيًّا بأفظع السباب والألفاظ، وغفر لمن قتل شعبه بطريقه بشعة، وخطف بناته واغتصبها، وهدم دور عبادته، ضحى بأغلى الأشياء على الإطلاق من أجل وحدة مصر الذي أثبت الواقع أنها تعيش فيه بكل نقطة دم فيه، رغم أن الكثيرين اعتبروه ضعف ومذلة ومهانة وإهانة لشعبه، وتهاون لا يغفر في حقوق رعيته الذي هو أمين عليها، وآخرين اعتبروه عميلًا لرجال السياسة والسلطة، وآخرين قالوا الكثير والكثير عنه ولم يفهموا على الإطلاق من أي ماء شرب وارتوى وترعرع قديس هذا العصر، قداسة البابا المعظم ضحى برئاسة مجلس الكنائس العالمي من أجل وحدة مصر، لأنه ضغطوا عليه كي يغير موقفه السلمي مع النظام السابق، ويأخذ موقفًا عنيفًا منه ويطلب الحماية الدولية، ولكنه رفض بإصرار والكل يعرف ذلك،

البابا شنودة ضحى بأبنائه من أجل وحدة مصر، أي حب أعظم من هذا؟
ولكن للأسف لم يقدر الساسة في مصر موقفه هذا على الإطلاق، وفي غطرسة كاملة وكبرياء الشيطان، افتروا عليه وعلى شعبه كل الافتراء، ليؤكدوا كلام الشاعر الذي قال أنت إذا أكرمت الكريم ملكته، وإذا أكرمت اللئيم تمرد ولغة الذئب تختلف كل الاختلاف عن لغة حمام السلام.
كل أزمات ومشكلات الشعب القبطي في مصر من صنع رجال السياسة، ويجتهدون بكل الوسائل الشيطانية لبقائها بكل قوتهم لأنها باختصار وسائل ضغط قوية للغاية على مجموع الشعب القبطي لطاعة النظام طاعة عمياء، والركوع لتنفيذ كافة مطالبه بلا استثناء واحد أو لإلهائه، نفس السياسة القديمة.

فإذا حلوا مشكلات الأقباط (وهم قادرون على ذلك) فما هي كروت الضغط عليهم، وكيف يضمنون ركوعهم وتركيعهم لأطول فترة ممكنة? ولكن في المقابل يعد منحهم جزءًا ضئيلًا للغاية من مطالبهم على فترات طويلة متباعدة، تعتبر سياسة تضمن الركوع لهم أطول وقت ممكن، لكي يساوموهم كي يمنحوهم على هذا فتاتًا ضئيلًا للغاية من حقوقهم الشرعية، هذا هو السبب الحقيقي والجوهري الوحيد في عدم وجود إرادة سياسية، أو رغبة حقيقية لحل مشاكل الأقباط التي صنعها النظام السابق بنفسه ولنفسه ليضمن تركيعهم، وهو مطمئن جدًّا لأنه يعلم أنهم فئة مسالمة، دينهم لا يدعوهم لأخذ حقوقهم بالقوة، ويؤمنون بالحلول الإلهية.
فلم يتعلموا بعد من الدروس السابقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد