منذ أيام قليلة قامت الحكومة المصرية ببعض الإجراءات، الهدف منها الإصلاح الاقتصادي، ومن بينها الحدث الأهم وهو تحرير سعر صرف الدولار الأمريكي أمام الجنيه المصري، وكذلك كافة العملات الأجنبية الأخرى، وما ترتب على هذا من زيادة في أسعار المحروقات؛ مما أثار غضب البعض، والذي يرى في هذا الأمر تجنيًا من الحكومة على حقوق المواطنين، خاصةً الطبقات المتوسطة والفقيرة، وما تمثله هذه الزيادة من مزيد من الضغوط المالية على هذه الأسر، والتي باتت غير قادرة على تحمل هذه الأعباء اليومية التي تلتهم أية زيادة في دخولهم -ثم تلا هذا ترويج البنوك العاملة في مصر إلى شهادات ادخارية بالعملة المحلية بأعلى معدل عائد يصل إلى 20%، والطريف في الأمر هو تصريح رئيس أحد هذه البنوك أن حصيلة هذه الشهادات والتي تم ربطها في البنك الذي يرأس إدارته فقط هي ما يقترب من الخمسة مليارات جنيه في يومين عمل داخل جميع أفرع البنك- نعم خمسة مليارات جنيه حصيلة بنك واحد وفي يومين عمل، هذا الرقم أصابني بصدمة عنيفة وسؤال مهم يجب أن أسأله لنفسي، وهو أين الفقراء إذن؟ أين تلك التقارير التي تفيد بأن أكثر من 60% من الشعب المصري تحت خط الفقر؟ ماهو خط الفقر؟

ليس من المفترض أن يتم جمع خمسة مليارات جنيه في يومين ومن بنك واحد في دولة يعد أغلب سكانها من الفقراء -وبعد حسبة بسيطة لعدد البنوك العاملة في مصر وحجم الشهادات الادخارية التي تم ربطها وجدت نفسي أمام رقم لا أستطيع ان أصدقه– أين ومتى وكيف قام هؤلاء بتوفير هذه المبالغ الطائلة؟ ما هي صفاتهم المجتمعية؟ كيف نصنف هؤلاء هل هم من الطبقة المتوسطة أم الفقراء أم الأغنياء أم ماذا؟

وبعد تفكير لم أستطع أن أتوصل إلى توصيف أصف به هؤلاء، واستبعدت أنهم من مدعي الفقر أو أغنياء الحرب، ولكن الوصف الذي استطعت أن أضع فيه الجميع هو أنهم مصريون يدخرون الكثير لتوفير عوائد سهلة شهرية أو ربع سنوية تساندهم في غلاء المعيشة، متناسون أن القيمة والقوة الشرائية للعملة تتضاءل، وتفقد يوميًّا جزءًا من قيمتها.

الغريب أن لا أحد يلتفت إلى هذا الرقم الضخم من حصيلة الادخار، ولم يسأل أحد القائمين على الأمر نفسه ماذا لو تم استثمار  هذا الرقم الهائل من حصيلة الادخار، ما هو حجم العائد وكم الوظائف الجديدة التي ستتوفر في سوق العمل؟ وكيف سينتعش الاقتصاد بمجرد أن الدولة قررت تقديم برامج استثمار مباشر بتغيير نمط التفكير للمواطنين؟

السؤال هنا: كيف؟

كيف تقوم الدولة بإقناع المصريين بأن هناك استثمارًا أفضل من ربط الأموال وتجميدها ودائع في البنوك؟

واسترجعت خطابًا للسيد الرئيس عن مشروعات تقدم جاهزة للشباب، ومخصصة لإنتاج منتج معين يخدم السوق المحلي، مع إمكانية التصدير، ووجدت هذه الفكرة عملية جدًّا، وتستطيع أن تحقق عوائد سريعة، وتستطيع أن تؤثر في تعافي الاقتصاد، وتقليل معدلات البطالة المتفشية في شبابنا.

لماذا لا تضع الدولة خطة استثمارية تشتمل على الصناعات الكبيرة التي تسعى مصر إلى توفيرها في مصر، وتقوم بإنشاء شركات مساهمة لإدارة هذه المصانع برؤوس أموال مصرية؟ كيف؟

هل تريد الدولة إنشاء مصنع لإنتاج السيارات مثلًا؟ كم يتكلف هذا المشروع؟ مثلًا 50 مليار جنيه. على الفور تقوم الدولة بإنشاء شركة مساهمة مصرية لتصنيع السيارات، وتدعو المواطنين للاكتتاب العام وشراء أسهم في هذه الشركة عوضًا عن الشهادات الادخارية والتي لا تحافظ أبدًا على قيمة العملة المحلية، وبهذا تكون الدولة حققت تقدمًا في ملف الاستثمارات، والذي نعتمد فيه على الاستثمارات الخارجية فقط، وهكذا نستطيع أن ننتج الدواء بإنشاء شركات أدوية مساهمة، وبهذا نكون قد استطعنا أن نخلق تدفقات مالية محلية دون الحاجة إلى الاستثمار الخارجي الذي نسعى وراءه، ولا أحد يبالي لأسباب كثيرة منها الضغوط السياسية وغيرها.

إن الاستثمار الشعبي في اعتقادي هو الأمر الذي سيدفع عجلة التنمية، ويصل بنا إلى مرحلة الاستقرار الاقتصادي، والذي سيعود بالنفع على المواطنين، ويتقدم بنا كثيرًا في علاج مشكلة البطالة، وتوفير فرص عمل جديدة داخل السوق المصري، وطالما أن بنكًا واحدًا قادر على تحصيل خمسة مليارات جنيه في يومين، فأعتقد أنه من السهل أن تقيم حكومة مصر شركة مساهمة كل شهر ونستطيع كل شهر أن نقدم شركة تنتج منتجًا لا نتحمل مصاريف استيراده من الخارج؛ مما سيعود على عملتنا المحلية بالنفع نتيجة زيادة الصادرات وتقليل الاستيراد.

إن هذا ليس حلمًا صعب المنال، فلدينا بالفعل بورصة عاملة في مصر، ولدينا شركات قامت بالفعل، وتتداول أسهمها بالبورصة، وبلا أدنى شك أن هناك من المواطنين من تربح كثيرًا من وراء هذه الشركات العاملة في البورصة المصرية.

نعم نستطيع إنتاج كل ما ينقصنا من خلال خطة تقدمها الدولة، ونستطيع أن نقدم شهريًّا مصنعًا أو اثنين لإنتاج ما ينقص السوق، دون أن تتكلف الدولة شيئًا، وبهذا نكون قد نجحنا في تحسين الاقتصاد -توفير فرص عمل-، وتفعيل الاستثمار الشعبي، وأن يكون بديلًا عن الاستثمار الأجنبي إلى أن تستقر الأوضاع الاقتصادية، ويصبح الاقتصاد المصري جاذبًا للاستثمارات الخارجية أيضًا؛ مما يكون له عظيم الأثر على حياة المواطنين.

ببساطة إذا كنا نستطيع توفير هذه المبالغ الطائلة لربط ودائع بالبنوك، فمن الطبيعي أن نستطيع الاستفادة من هذه المبالغ وأكثر في عمل استثمارات حقيقية من الممكن أن تغير الوضع الاقتصادي في مصر تمامًا.

خمسة مليارات جنيه– بنك واحد– يومان من العمل– من الممكن أن تكون المعادلة هكذا:

خمسة مليارات جنيه– مصنع واحد– اقتصاد أقوى– عائد أكبر– وظائف أكثر– بطالة أقل– جنيه أقوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد