الأمثال الشعبية هي جزء لا يتجزأ من ثقافة أي شعب، ولمعظم الأمثال قصص، هي ـ في الغالب ـ طريفة؛ تعرفك ما سبب إطلاقها، وأحيانا: من أطلقها، ومن أهم مميزات المثل أنه ـ بكلماته المركزة ـ يجعلك تستغني عن الكثير من الكلام؛ لتعبر به عما يجول في خاطرك مباشرة.

ولكن هناك مجموعة من الأمثال، إذا أمعنت التفكير في محتواها؛ فقد تتفاجأ بأنها أمثال انهزامية أو تخريبية، دسها علينا «الاستعمار»، وروجها فينا أذنابه، وهذه الأمثال هي «مخدرات فكرية»؛ نشرها المستعمر فينا ـ جنبًا إلى جنب ـ مع المخدرات الحقيقية؛ لأنك إن قلبتها علي جميع الأوجه لا تجدها الا أمثله ضارة غير نافعة، والمثل الذي سنتناوله هنا هو مثل منتشر في أوساطنا العربية، على الرغم من عدم مواءمته للمنطق، أو روح العصر، وهو المثل القائل «تبات نار تصبح رماد!

هذا المثل يرمز في الظاهر إلى أن: كل مشكلة لها حل، مهما زادت حدتها، ولكنه في الواقع يحمل في طياته قدرًا غير عادي، و كارثي، من السلبية و«التطنيش»، التي من الواضح انها أصبحت جزء ﻻ تتجزأ من ثقافتنا، وطبعًا، مع مرور الأيام، وتوالي الظلم الواقع على عاتقنا، تزداد قيمة هذه الأمثال التي لا معنى لها، إلا التسويف والصبر على الظلم، مع احتمال أن يخبو أو يضعف هذا الضرر الواقع إلى أن يصبح رماد .

هذا المثل، لو طبق في حياة الأشخاص، فهو كفيل بأن يدمرها، فما بالك بأمة تعتبره من ضمن الحكم الأساسية فيها، الغريب في هذا المثل أنه يعج بمجموعة من الأشياء غير المنطقية، والتي لا أعرف كيف مرت على عقولنا، دون أن نستهجنها!

أول شيء غير منطقي في مثلنا: أنه يطلب منا أن نترك النار تبيت، بدلًا من أن يطالبنا بالمبادرة  إلى إطفاء هذه النار المشتعلة، ما هذه السلبية والتراخي! كيف أرى نارًا مشتعلة وأنام! كيف أرى ظالمًا يظلم وأسكت؛ بحجة أنه ـ بتركي له ـ سيكف عن ظلمه! كيف أرى مصيبة تقع وأتركها تبيت!

الشيء الأغرب، والأكثر إغراقا في اللاعقلانية، هو المصير الذي يبشرنا به المثل؛ عندما نبيت، ونترك النار على اشتعال جذوتها، المثل يعدك بالرماد؛ كنتيجة مباشرة لتطبيق نصيحته: «رماد»! وماذا يعني الرماد، إلا الخراب! تخيل بيتك! تخيل حقلك، ملابسك، سيارتك، أي شيء محيط بك! هل ترضى أن يتحول إلى رماد! هل ستترك النار تبيت فيه!

هذا المثل، وأشباهه من الأمثال، التي تحض على الاستكانة والسلبية، وعدم المبادرة إلى مقاومة الخطأ في شتي صوره؛ بحجة أن هذا الخطأ لن يستمر إلى الأبد، و أنه سيتهالك من تلقاء نفسه، فلا داعي للتعب في محاولة إصلاحه، لا يصب إلا في مصلحة الاحتلال، وما تبعه من أنظمة فاسدة، جعلت من أنفسها كهنة في معابده .

علينا أن نكف عن اتباع مثل هذه الأمثال؛ التي لا تحض، إلا على السلبية و«التسويف»؛ أطفئوا النار عند الشرارة الأولى، قبل أن يتحول كل شيء إلى خراب ورماد، وعلينا أن نتفحص كل ما نقول، ونفكر فيه جيدًا؛ لأننا تعرضنا لحملات قوية من التخدير الفكري والتغييب العقلي، وليكن المثل «أطفئوا النار، قبل أن تصبح رماد» .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد