عرف المشهد السياسي في الجزائر تحولات عدة منذ بدأ الحراك الشعبي في الثاني والعشرين من شهر فبراير (شباط) الماضي المُطالب بإسقاط نظام حُكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي كان يطمح إلى خوض غمار سباق رئاسيات أبريل (نيسان) الماضي للظفر بعُهدة رئاسية خامسة، وعلى عكس الثورات العربية التي اجتاحت المنطقة العربية في إطار ما سُمي بثورات الربيع العربي التي عرفت صراعًا دمويًا بين شُعوب المنطقة وأنظمتهم الحاكمة. عرَفَ الحراك الشعبي في الجزائر تنظيمًا عفويًا كسَرَ حاجز الصمت المانع لإقامة أية مسيرات أو مظاهرات بالعاصمة الجزائرية منذ العشرية السوداء. وما يحسب للجزائريين في هذا الحراك مسيراتهم التي اتسمت بالسلمية التي أطرها بعض المتطوعين من الحراك، فضلًا عن الرقي العالي الذي طبعَ على الشعب الجزائري في هذه المسيرات، هذه الأخيرة التي عرفت توافدًا كبيرًا ومشاركةً قياسية من مختلف فئات الشعب الجزائري في كل مدن الوطن، وبمباركة مختلف النخب والمثقفين، حيث أجمعَ الكُل على ضرورة بعث القطيعة مع النظام القائم الذي طمسَ حلم الشعب الجزائري في العيش الكريم.

 

من مساوئ فترة حُكم الرئيس بوتفليقة

منذ توليه الحكم سنة 1999 عملَ الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة على تقريب معارفه وأقربائه من دوائر صُنع القرار، خُصوصًا أولئك الذين تجمعُهُ بهم صداقات إبان حرب التحرير، أو أيام كان وزيرًا للخارجية سبعينات القرن الماضي، وأسند إليهم مهام إدارة وتسيير شؤون البلاد في نية مبيتة منه لضمان ولائهم لهُ، خصوصًا أنَ بداية ولايته الرئاسية الأولى كانت تشهد اتفلاتًا أمنيًا وتدهورًا على جميع الأصعدة بسبب العشرية السوداء التي عرفتها الجزائر مطلع التسعينات من جهة، وسيطرة المؤسسة العسكرية على دواليب الحكم آنذاك من جهة أخرى.

ولعلَ أهم انتقاد يُمكن توجيههُ للرئيس بوتفليقة في هذا الشأن يكمنُ في تفضيله للولاء بدلًا عن الكفاءة التي تتطلبها مثل هذه المسؤوليات، فأسدى هذه المهام لغير أهلها، وقام بتهميش الكفاءات والأدمغة التي رأت في الهجرة السبيل الوحيد نحو مستقبل واعد في ظل الإقصاء المُتعمد لهُم من طرف النظام الحاكم.

ومن أجل شد قبضته على الحُكم عملَ بوتفليقة على تصفية المؤسسة العسكرية من أبرز خُصومه ومُعارضيه إلى جانب تمسكه الدائم بحقيبة الدفاع التي تجعلُه المسؤول الأول والمباشر على المؤسسة العسكرية.

وفي خطوة أُخرى منهُ أقدم بوتفليقة على حل جهاز المخابرات الذراع القوية للمؤسسة العسكرية واستبدل به جهازًا جديدًا أطلق عليه اسم مديرية المصالح الأمنية، أتبعها مباشرة برئاسة الجمهورية في خطوة تهدف إلى فرض سيطرته على هذا الجهاز الحساس من جهة، وكسر شوكة المؤسسة العسكرية من جهة أخرى، ناهيك عن تجريد هذا الجهاز من صفة الضبطية القضائية في خطوة تهدف إلى تكبيل حرية عمَل هذه المؤسسة.

أما أهم انتقاد وجههُ فقهاء القانون للرئيس بوتفليقة إخلاله بمبدأ الفصل بين السلطات لبسط نفوذه وقبضته على المؤسستين التنفيذية والقضائية على حد سواء، وبما أنَ الأولى تندرج ضمن اختصاصاته كونه المسؤول الأول على رأس الجهاز التنفيذي؛ فإنَ الثانية وجبَ تمتُعُها بالاستقلالية التامة من أجل الوقوف على التطبيق الصارم لقوانين الجمهورية، غير أنَ بوتفليقة منح لنفسه صفة القاضي الأول في البلاد للبت في كبرى قضايا النزاع كما فعلَ في قضية مجمع الخليفة، وكذلك في قضيتي الفساد التي عرفتها الشركة البترولية سوناطراك في إطار ما يُعرف بفضيحة (سوناطراك 1 و2).

-ورغمَ كثافة التعديلات الحكومية التي عرفتها فترة حكم الرئيس بوتفليقة التي كانت تُركز في مُجملها على الدفع بعجلة التنمية نحوَ الأمام؛ إلا أنَ جُل هذه التعديلات كانت جوفاء، ولم تحمل معها رياح التغيير الذي ناشده الشعب الجزائري خُصوصًا أنَ بوتفليقة في كثير من التغييرات الحكومية التي قام بها كانَ يُركز على تدوير الحقائب الوزارية بين الوزراء أنفسهم، وليسَ تغيير الوزراء الذين أثبتُوا فشلهُم في النهوض بقطاعاتهم بأشخاص جُدد ذَوُوا كفاءات؛ مما أدى إلى خلق عجز في التنمية مس جميع القطاعات دون استثناء.

 

مُقتطفات من السياسة الاقتصادية الفاشلة في عهد الرئيس بوتفليقة

حجم الفساد الذي نخرَ الاقتصاد الجزائري وما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في السنوات الأخيرة يطرح جدلية الإصلاحات الاقتصادية التي تبناها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة منذ توليه سُدة الحُكم سنة 1999! وفي نفس السياق يعكس الكم الهائل لقضايا الفساد التي جرت كبار المسؤولين في الدولة إبان حُكم الرئيس بوتفليقة إلى المُتابعات القضائية، وعجز ديوان مكافحة الفساد الذي أنشأهُ بوتفليقة كأداة رقابة وردع ضد كُل من تُسول لهُ نفسهُ من المسؤولين المساس غي المشروع بالمال العام، هذا إن لم نقل أنَ خلق مثل هذا الجهاز ما كان إلا خُطة استباقية ممنهجة للتعتيم على كُبرى قضايا الفساد ونهب المال العام التي كانت تحدث خلال تلك الفترة.

وقد ساعد الارتفاع القياسي لأسعار النفط في الأسواق العالمية مع بداية حكم بوتفليقة في انتعاش مداخيل الخزينة العمومية؛ مما فتح المجال لإيجاد بعض الحلول الترقيعية لسد الفجوة التي خلفتها الأزمة المالية منذ أحداث أكتوبر (تشرين الأول) 1988، غيرَ أنَ هذه الحلول لم ترق لمستوى مشاريع تنموية حقيقية تنهض بالاقتصاد الجزائري.

كما أسال احتياطي الصرف الأجنبي الكبير آنذاك لُعاب رجال المال المقربين من دوائر صُنع القرار واستغلوا نُفوذهم وعلاقاتهم بصُناع القرار للظفر بقروض بنكية خيالية وتسهيلات جباية وجمركية غير مشروعة سبَبت الضرر الكبير للخزينة العمومية.

غيرَ أنَ التراجع المُفاجئ لأسعار النفط في الأسواق العالمية منتصف العام 2014 أدخلَ البلاد في ضائقة مالية كبيرة أتت على احتياطي النقد الأجنبي، وفضحت السياسة الاقتصادية الفاشلة لنظام الرئيس بوتفليقة الذي عجزَ عن بناء اقتصاد بديل خارج قطاع المحروقات طيلة العشرين سنةً الماضية.

 

مطالب الحراك الشعبي

مع نهاية الولاية الرئاسية الرابعة للرئيس بوتفليقة وترويج الدوائر المقربة منهُ لفكرة ترشيحه لولاية رئاسية خامسة رغمَ الحالة الصحية المُتدهورة التي آل إليها في السنوات الأخيرة، تعَالَت بالمُقابل الأصوات الرافضة لهذه العُهدة، ومارسَ الشعب الجزائري ضغطًا كبيرًا على النظام الجزائري في تلك الفترة من خلال حجم المسيرات والمظاهرات، وكذلك حملة العصيان المدني والإضرابات والاضطرابات التي عرفتها الكثير من الدوائر الرسمية وغير الرسمية والتي عبرَت في مجملها عن رفض شعبي ورسمي لترشيح بوتفليقة لولاية رئاسية جديدة، ورفض إشراف النظام القائم على إقامة الانتخابات الرئاسية التي كانت مُبرمجة في شهر أبريل الماضي في مطلب شعبي صريح بضرورة تسليم السُلطة لهيئة مستقلة تحضى بالتأييد الشعبي تُشرف على الإعداد لإقامة انتخابات رئاسية نزيهة.

ورغمَ الرفض الشعبي المُتزايد توجهَ النظام إلى تأجيل الإنتخابات الرئاسية للالتفاف على مطالب الحراك في تحد واضح للإرادة الشعبية؛ ما دفعَ بالشعب الجزائري إلى تكثيف المُظاهرات والمسيرات الرافضة لهذا القرار.

غيرَ أنَ أسوأ مخاوف بوتفليقة تحققت بعد التحول في موقف المؤسسة العسكرية التي ضمنَ ولاءها هي الأخرى طيلة سنوات حُكمه، وجاء ليدعم رغبة الشعب الجزائري في التغيير على لسان نائب وزير الدفاع قائد أركان الجيش الجزائري الفريق قايد صالح الذي دعى إلى ضرورة تفعيل المادة 102 من الدستور الجزائري والتي تُشير إلى وُجوب إعلان حالة شُغور منصب رئيس الجمهورية في حالة عجز الرئيس عن أداء مهامه لسبب صحي.

هذا التحول في موقف المؤسسة العسكرية أضعفَ التيار المُؤيد لاستمرار بوتفليقة في الحُكم، وأرغم الرئيس على تقديم استقالته في الثاني من شهر أبريل الماضي، في حين أنَ مطالب الحراك الشعبي لم تتوقف عند استقالة بوتفليقة، بل تعَدت إلى تنحية جميع رموز نظامه ككُل، خُصوصًا أنَ الدستور وفي حالة شُغور منصب الرئيس يمنح لرئيس مجلس الأمة الرجل الثاني في الدولة الحق لتسيير شؤون البلاد لمدة 90 يومًا يُنظم خلالها البيت الداخلي لإجراء انتخابات رئاسية في حُدود تلك المُدة.

حالة الاحتقان التي طغت على المشهد السياسي في الجزائر وما تبعها من رفض شعبي لإجراء أي انتخابات رئاسية يقفُ على تنظيمها رمُوز النظام السابق؛ أدخلَت البلاد في حالة الفراغ الدُستوري بعد انقضاء الآجال القانونية لإجراء الانتخابات الرئاسية مطلع شهر يوليو (تموز) الجاري وفق ما تنُص عليه المادة 102 من الدستور الجزائري.

حملة الرفض الشعبي لرُموز نظام بوتفليقة تركزت أساسًا على رئيس الدولة عبد القادر بن صالح الذي كان يشغل سابقًا منصب رئيس مجلس الأمة في عهد بوتفليقة، بالإضافة إلى الوزير الأول الحالي نور الدين بدوي الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية في نفس الفترة، ويُعرف عن الرجلين وفاؤهما المُطلق للرئيس بوتفليقة، وهُنا يكمنُ سر الرفض الشعبي لهُما.

ودَعت الأصوات المُعارضة في الحراك إلى ضرورة تنحي الرجُلين والدخول مباشرةً في مرحلة انتقالية وعقد مُؤتمر تأسيسي يُؤطرهُ نخبة من الشخصيات التي تحضى بالإجماع الوطني من أجل التحضير إلى إقامة انتخابات رئاسية نزيهة تضمنُ حلًا توافُقيًا للخروج من نفق الانسداد الحاصل على مستوى المشهد السياسي الوطني.

ومن جهة أُخرى دعت أصوات الحراك السُلطات القضائية في البلاد إلى ضرورة فتح ملفات الفساد التي نخرت الاقتصاد الوطني في عهد بوتفليقة وإخضاع رُموز الفساد وكُل المُتورطين فيه إلى المُساءلة القانونية والعمل على استرجاع الأموال المنهوبة بكُل الطُرق المُتاحة، وقد كان لهذا المطلب صدى لدى الجهات المُختصة التي باشرت بفتح تحقيقات مُعمقة في ملفات الفساد أفضَت إلى اعتقال مسؤولين بارزين في عهد بوتفليقة أثبتَت التحقيقات الأولية تورطهم فيها، على غرار الوزيرين الأوليين السابقين أحمد أويحي، وعبد المالك سلال، ونخبة كبيرة من وزراء وولاة الموالاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد