الاعلام

وسائط التواصل الاجتماعي والربيع العربي

تبدلت أحوال العالم في الالفية الجديدة بغزو التكنولوجيا وتعميم الصورة العابرة من كل مكان عن الأحداث التي تجري في العالم من جراء الاستخدام المكثف للإنترنت ولكل وسائل التواصل الاجتماعي من «فيسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب» و«واتس آب»، هذه الآليات قلصت من الحدود الجغرافية حتى أصبح العالم بالفعل قرية كونية صغيرة من خلال عولمة الصورة وتأثيرها في الوجدان والفكر. الهاشتاج العالمي. فكرة أو جملة أو تعبير مختصر يرسل من هنا إلى الكل، ويصبح معممًا في دقائق معدودة، وينتهي بنتائج معينة في استمالة الجمهور العريض، والتحسيس بقضية ما، واللعب على أوتار النفسي والثقافي والكوني. فمن أهداف وسائل التواصل انتزاع الحقوق، ومراقبة الفاعل السياسي، والعمل على تغيير السلوك السياسي وإلزام الكل بالممارسة المعقولة دون الخوف من تسريب فيديوهات في وضعيات بهدف التشهير والإساءة، وهذا يدفع للتساؤل عن القوانين المتحكمة في ضبط شبكات التواصل الاجتماعي قانونيًا، والتمييز بين الممكن والممنوع.

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي آلية للرقابة ووسيلة للضغط، وتقنية في جلب المنافع دون الدخول في الجانب الآخر من المساوئ والسلبيات. في العالم العربي نقلت هذه الوسائل صورًا وتعليقات من الميادين، وساهمت الصورة في خروج الملايين إلى الساحات العمومية للرفض والتنديد بالفساد والأوضاع الاجتماعية، وسوء تدبير الحياة السياسية، ومطالبة الحاكم والأنظمة الحاكمة بالكف عن احتكار السلطة وتوريثها وتمديد الحكم في عهدة جديدة، وإطالة هذا الحكم بتخويف الناس من الحرب الأهلية وغياب الأمن. بدأ الحراك الشعبي من سيدي بوزيد بتونس واختفاء الرئيس بن علي، ومن مصر لعب «فيسبوك» دورًا مهمًا في التواصل بين شباب 25 يناير (كانون الثاني)، وانتهى ذلك إلى اكتساح ميدان التحرير، ونقلت الصور مباشرة بواسطة القنوات الفضائية، واعتمادًا على الصور المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي. خرج الجيش للميادين وشاهد الناس في العالم الصورة البليغة للثورة المضادة ومطالبة الجماهير بالرحيل للرئيس مبارك التي انتهت بالإعلان المباشر عن التنحية وتسليم السلطة للمجلس العسكري.

استمر الحراك في أماكن اخرى من العالم العربي، من اليمن والسودان والجزائر ولبنان. ولعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورًا مركزيًا في انتشار الفكرة، ووعي شريحة كبيرة من الناس بالحاجة للنزول وتغيير الأوضاع، الجمهور الواسع في الجزائر لا زال يخاطب الحاكم العسكري بالتنازل عن الحكم، والدعوة لانتخابات حرة ونزيهة في أجل محدد، ويخرج الحراك في مظاهرات سلمية في كل يوم جمعة لتكسير هاجس الخوف ومطالبة الجيش والقائمين على الشأن السياسي بمرحلة انتقالية لإقامة الدولة المدنية. يترنح الجيش ويخشى القائمون من هذه التحولات أن تفضي إلى تلاشي الامتيازات، ويختفي الريع وتصبح الكفاءة والاستحقاق من علامات الترقي في المجتمع. وتتحول العائدات النفطية من صفقات التسلح إلى التنمية وتوزيع الخيرات بالمناصفة بين كل فئات الشعب. هذا الطموح الأساسي للجماهير مستمر لأجل حق الشعب في السيادة وإقامة دولة للكل.

نلمس تأثير هذه الوسائل في تحييد الإعلام الرسمي والخطاب الواحد عن الحقيقة، حيث تبلور وعي مضاد للقنوات الرسمية التي ظلت تهلل للحاكم وللعقدة الخامسة. هناك تحليلات وتعليقات التي تعني يقظة الشعوب وإعلان نهاية الحكم الدائم والنظام الشمولي الذي انتهى بنهاية الأيديولوجيات المنغلقة والأحزاب الشمولية وسقوط جدار برلين، وبداية عصر جديدة بثقافة مغايرة ترتكز على الحق والقانون وبناء دولة ديمقراطية، وبذلك فإن خروج الناس بالمئات في حراك شعبي بدون زعامة وقيادات واضحة لا يخرج عن هذه الغايات المحددة سلفًا. فالفكرة قائمة في الأذهان والوعي الاجتماعي يعني درجة عالية في الاستيعاب والفهم للواقع، أما وسائط التواصل الاجتماعي فهي مجرد أدوات ساهمت في العبور السلس للأفكار والصور من عين المكان، وسائل سخرها الإنسان لإرغام الفاعل السياسي على الفعل والتنازل عن السلطة، وضخ دمام جديدة في هذا الجسد المريض بأمراض الحكم والتفرد.

وجد الناس في الإعلام الجديد وفي الوسائط ما يلبي طموحات الأجيال في الثورات الناعمة والسلمية، حتى ينتهي الحاكم إلى لاعتراف بالحاجة للتغيير الذي يبدأ من الدساتير والقوانين، ومن عدم الاستفراد بالقرار والعودة للمؤسسات الفاعلة، والتفاني في خدمة المواطن.. ثورة «فيسبوك» في العالم العربي أخرجت الشعب المصري للشوارع، ونقلت الأخبار الواردة من عين المكان، فأصبح للإنسان الهواتف الذكية في التصوير والنقل المباشر بدون رقابة أو مقص المنع، لأن الصور العابرة والمباشرة تزيد في لهيب الحراك، وتقنع الناس للنزول إلى الشوارع طواعية للتعبير عن مواقفهم، فيحس الناس بسلمية المظاهرة ومشروعية الاحتجاج من قناعات ذاتية وموضوعية.

شبكات التواصل سيف ذو حدين

تشكل شبكات التواصل الاجتماعي نقطة تأجيج أحيانًا على العنف في فبركة الصور المزيفة لأغراض تحريضية وانتقامية من أطراف معينة، تخرج الحراك الشعبي عن مساره، وتشكك الناس في النوايا الصادقة للتغيير نحو الأفضل، ويمكن أن تكون الصور المزيفة من الثورة المضادة، ومن نشطاء ضد سلمية الحراك. فالنشطاء في الحراك انطلقوا من التغيير السلمي ومن القوة الناعمة في توصيل الأخبار واستمالة الجمهور، وظل التواصل على مواقع التواصل الاجتماعي تعبيرًا عن ذلك الرفض الواضح للسياسة الحالية بمعيارها القديم التي أصبحت عائقًا في التحول الديمقراطي وبناء الأوطان. سلمية الحراك وقوته في انتزاع السلطة من الأنظمة الديكتاتورية دون الحاجة للمفاهيم النابعة من الأيديولوجيات السابقة، سواء في الفكر الماركسي أو الطرح القومي أو حتى المنظور الليبرالي، حراك يؤمن أولًا بالتدرج والتخلص من الحرس القديم للسلطة وتأمين العبور نحو العدالة الاجتماعية، فالخروج للساحات العمومية في العالم العربي وحد القوى المتنافسة والمتصارعة في أهداف بذاتها، من قوى اليسار واليمين، ومن الشباب اللامنتمي سياسيًا ومن فعاليات المجتمع المدني.

رواد شبكات التواصل الاجتماعي يقدرون بالملايين، جيش إلكتروني كبير يزحف على المواقع بالتعليقات، وينتشر في الساحات العمومية، ويترك الانطباع عن حقيقة التأثير البالغ للوسائط في تشكيل الوعي الاجتماعي دون الحاجة للفكر الأيديولوجي السائد في أدبيات الثورات العالمية، منطلق الحراك الشعبي أفكار معقولة عن الجمود الذي يطبع الحياة الاجتماعية والسياسية، وهذا الشرخ الطبقي والهوة التي تتسع بفعل قلة الخدمات وتراجع مستوى العيش. فالشعب اللبناني في خروجه للساحات العمومية أدرك أن السياسة جاءت بالطائفية والخدمات الاجتماعية الهزيلة، وقسمت المجتمع إلى كيانات وهويات مختلفة على أسس دينية ومذهبية، وتركت العنصر البشري بدون أولوية في ميدان الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، فجاءت صيحة الجماهير ضد رموز الفساد والمحاصصة الطائفية، وتعالت هتافات الجماهير، لا سبيل للبناء المتين للدولة والمجتمع إلا عندما تكون الدولة للكل، وإزالة هذا النظام الطائفي نحو تحقيق السيادة للشعب، وإقامة دولة مدنية حديثة، يفصل فيها المجال العام عن المجال الخاص، ويحاسب السياسي عن الفعل والأداء والخدمة في الحكومة، ولا يوزن بالطائفة والمذهب.

فعندما قالت الجماهير للسيد حسن نصر الله نحن الذين نمول الحراك، يعني لسنا في حاجة للتمويل الخارجي والدعم من اطراف خارجية، نظرية المؤامرة سقطت من زمن بعيد، والشعوب حرة في اختيار أنماط الحكم المناسبة، والكل مطالب أن يقول كلمة حق في الفساد. ففي غمار الحراك الشعبي يقال إن «واتس آب» ساهم في التفاف الشعب اللبناني وخروجه للتنديد والرفض، نقلت هذه الشبكات أدق التفاصيل من الساحات العمومية، ولم تعد هذه الوسائل تعني الترفيه والتسلية وخلق التعارف بين الناس، بل أصبحت أدوات لإعداد الحراك الشعبي ورصد حركات الجمهور وصناعة الخبر، كما تلتف على الصور والتعليقات من المكان، ولا تكترث للتحليل السياسي العميق الذي يبقى حكرًا على القنوات الفضائية المتمرسة، فتحولت الوسائط إلى وسائل للتوعية وبناء وعي سياسي واجتماعي من قلب الحدث، وكذلك وسائل للدعاية وتمرير الخطاب، ومجال للتحريض والتعبئة، هذا الفضاء الذي يستنطق الأشياء ويمنح فرصة للكلام للشرائح الواسعة من المجتمع بلغة بسيطة وأقرب إلى اللغة المتداولة التي يفهمها الكل. الخبر الجزئي واللغة الواضحة أبلغ دلالة في توصيل الحقائق إلى الناس بدون الحاجة للأخبار العاجلة، والإعلام المرئي من خلال القنوات الفضائية يخصص حيزًا مهمًا في قراءة مستجدات الحراك الشعبي بناء على مصادر شبكات التواصل الاجتماعي، وتعليقات الناشط السياسي والحقوقي وتوجهات الحراك العامة من خلال مطالب معقولة.

يغرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على «تويتر»، وكبار السياسيين لهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، شبكات تتضمن ملايين المنخرطين الذين يعبرون عن مواقفهم أو على الأقل يتبلور الرأي من خلال التواصل بينهم، والتعليقات التي تشتعل وتتحول إلى حرب في العالم الافتراضي، وتتشكل الرؤى وينزل الناس للشوارع من خلال المطالبة بالحق والعدالة الاجتماعية، فالتوعية الجديدة لا تأتي من فراغ لأن هناك بالفعل قصور في السياسات العمومية، وحاجة المجتمعات إلى أفكار جديدة، ضيق الحكومات من شبكات التواصل الاجتماعي في تعبئة الناس للنزول للشوارع مخاوف مبررة بدعوى الانزلاق للحرب والفوضى عند نقل الأخبار وتمرير الصور، وتمكين الناس من مشاهدة الحراك الشعبي عبر «يوتيوب».

تقوم هذه الوسائل بتقاسم الصور والفيديوهات لأجل نسبة أكبر من المتابعة، وهذا لا يعني بالضرورة كل ما ينقل من وسائل التواصل الاجتماعي يصب في صالح الحراك الشعبي وفي مصلحة الشعوب، بل يمكن القول إن وسائل التواصل سيف ذو حدين، شبكات للدعاية والتعبئة والنوايا الصادقة في تصحيح اختلال السياسة والعمل على محاربة الفساد، ويمكن أن تتحول هذه الوسائل للتحريض على الحكومات وإثارة الصراعات عندما تحركها دوافع خفية، وتبقى وسائط التواصل أدوات مهمة في عالم اليوم للتقليص من العنف والقوة ومراقبة المجال الفعل السياسي والحياة الاجتماعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد