ونحن على أعتاب الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، كثيرًا ما يتردد على مسامعنا مصطلح “المقاومة الشعبية/ السلمية” وأهمية ممارسة كافة الوسائل المدنية في مقاومة المحتل. وفي الحقيقة، كثير منا لا يملك تعريفًا واضحًا له. هذا المقال يسعى لتوضيح هذا المفهوم وما يلحقه من تبعات، كما ويسعى لمقاربة ممارساتنا النضالية إلى المفهوم الفعلي. لكن، قبل أن نخوض في هذا الموضوع، لا بد لنا من مقدمة توضيحية.

بعد عقود طويلة من النضال الفلسطيني ضد الاستعمار والاستيطان الإسرائيلي[1]، نقف اليوم أمام أزمة حقيقية للقضية الفلسطينية تتمثل في الانقسام الفلسطيني الداخلي بين أكبر تيارين في الساحة حركتي حماس وفتح، ومن يدور في فلك كل منهما.

الخطورة في الموضوع تتمثل في الاختلاف الحاد بينهما حول الأهداف المنوي تحقيقها من النضال الفلسطيني، وأيضًا حول المنهجيات والوسائل المتبعة في تحقيق تلك الأهداف. حيث إن التيار الأول (الذي يضم حركتي حماس والجهاد الإسلامي وبعض التنظيمات الأخرى) يهدف من نضاله إلى تحرير كافة الأرض الفلسطينية التاريخية المحتلة منذ عام 1948 وحتى الآن؛ ويستخدم في ذلك المقاومة المسلحة كخيار إستراتيجي (شبه وحيد) لمواجهة الاستعمار الإسرائيلي. وفي المقابل، فإن التيار الثاني (المتمثل بحركة فتح ومعظم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية) قرر بعد ثلاثة أو أربعة عقود من كفاحه المسلح التغيير من أهدافه ومنهجيته؛ حيث إنه تخلى عن هدف تحرير كامل الأراضي الفلسطينية وأصبح يسعى لاستعادة الأراضي المحتلة عام 1967 فقط؛ كما أنه تخلى مع مرور السنين عن الكفاح المسلح مكتفيًا بالمقاومة السلمية/ الشعبية كخيار إستراتيجي وحيد لمواجهة الكيان الغاصب.

مقاومة شعبية أم سلمية أم ماذا؟

لم يتفق الباحثون على تسمية واحدة للمقاومة الشعبية، فالبعض يفضل أن يطلق عليها المقاومة السلمية، أو اللاعنفية، أو المدنية؛ لكن هذا الاختلاف لا يعنينا كثيرًا ما دام المقصود واحدًا.

بشكل عام، مصطلح المقاومة الشعبية (أو ما يرادفه) يشمل المقاطعة الاقتصادية للمستعمر ودعم المنتجات المحلية، وعمل الإضرابات والعصيان المدني بأشكاله، وحشد الجماهير في الخطب والمظاهرات، وتكريم الشهداء بتشييعهم والحداد عليهم، ودعم كافة أشكال التراث والفن الوطني لواجهة ثقافة المستعمر، إضافة إلى عدم التعاون السياسي بمقاطعة دوائره ووكالاته[2].

إن أثر المقاومة الشعبية على المحتل كبير وحساس جدًّا، حيث إنها تفرق صف المحتل، فلا يستطيع أن يواجهها بقوة حاسمة. أما المقاومة العنيفة أو المسلحة تجمع صفه لمواجهة الخطر المباشر المتشكل ضده من العمليات المسلحة. ولكن هذا الأثر مرتبط بمدى وقوة مساهمة كافة أطياف الشعب في هذا النضال.

إذن، فالمقاومة المدنية أو الشعبية أو اللاعنفية هي نضال شاق وطويل يخوضه الشعب ضد الاحتلال. وهذا النضال السلمي يقوم على الابتكار في مواقع المواجهة وفيه القدرة على الصمود والصبر، لجعل تكاليف الاحتلال كل يوم أكثر فأكثر حتى يقتنع بزواله ونهايته.

مدى جدوى المقاومة الشعبية

هل نجحت المقاومة الشعبية في دحر الاستعمار ورفع الظلم في التاريخ الحديث؟ الإجابة هي نعم، ولكن في ظروف وبيئات متباينة. ولعل أشهر الأمثلة على ذلك تتمثل في جهاد مارتن لوثر كينغ في مواجهة التمييز العنصري الأبيض ضد الأمريكيين السود؛ ونضال المهاتما غاندي في الهند ضد المستعمر البريطاني.

كما ويعتبر البعض أيضًا أن كفاح نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا – في مواجهة نظام الفصل العنصري “الأبارتهايد”– كان مثالًا على المقاومة السلمية؛ ولكن، من الواجب ملاحظة أن مانديلا –بخلاف غاندي وكينغ– قد استخدم السلاح ورفض التخلي عنه رغم الضغوطات الدولية الهائلة عليه، ولم يمارس المقاومة السلمية إلا من قلة الحيلة، حيث كان مسجونًا في آخر سنوات نضاله. ومن الهام أيضًا ملاحظته، أنه كان هناك لاعبون آخرون[3] في الحالات السابقة اعتمدوا فقط على الكفاح المسلح، ومن الظلم والإجحاف الكبير إغفال مساهماتهم في التحرير ورفع الظلم.

ولعله من المفيد التفريق بين الحالة الفلسطينية والأمثلة الثلاثة السابقة. بداية، جهاد السود في أمريكا كان ضد العنصرية المبنية على اللون والعرق فقط، ولم يكن هناك حالة استعمار كما الأمثلة الأخرى. أما في الحالتين الهندية والجنوب إفريقية، فقد كان هناك استعمار بريطاني بالفعل، يمارس العنصرية ضد السكان الأصليين بسبب اللون والعرق. ويجب علينا أن نذكر أن في هاتين الحالتين كان الاستعمار ذا أهداف اقتصادية وسياسية بحتة– أي استعمار للمنفعة المادية فقط.

وكما يظهر جليًّا، فإن هناك فروقًا جوهرية بين الحالة الفلسطينية والحالات الأخرى. حيث إن الاحتلال/ الاستعمار الإسرائيلي، عدا عن كونه يمارس أبشع صور التمييز العنصري، فإنه أيضًا مشروع إحلالي استيطاني عقائدي (بسبب المكانة الدينية لفلسطين) يريد طرد أو حتى إبادة سكان الأرض الأصليين لإقامة دولته العنصرية المقتصرة على أتباع الدين اليهودي وحسب.

في الواقع، حتى الذين يروجون للمقاومة السلمية –على اعتبار خلوّها من العنف– لا يؤمنون بالسلمية المطلقة! بل إن غاندي نفسه –الذي يعتبره العديدون أبرز دعاة السلمية والتسامح المطلق– قال: “عندما يكون علينا أن نختار بين الجبن والعنف، يجب أن نختار الحل العنفي!”.

واقع ممارسة الفلسطينيين للمقاومة

كما تم ذكره سابقًا، فإن حالة الانقسام الداخلي الفلسطيني قد شكلت لنا تيارين اثنين، الأول يؤمن بالمقاومة العنيفة (المسلحة) كخيار إستراتيجي للتحرير، ويضم حركة حماس وأخواتها؛ والآخر يؤمن بالمقاومة الشعبية (السلمية) كخيار إستراتيجي وحيد لمواجهة الاحتلال، ويضم حركة فتح وأخواتها.

الملاحظ بشدة في واقع هذين التيارين (والجهات الرسمية التي تمثلهما) هو تركيزهما على نوع واحد فقط من النضال وإهمال النوع الآخر؛ حيث إن حركة فتح قد أسقطت فعليًّا الخيار العسكري من حساباتها (على الأقل في المرحلة الراهنة)، بل إنها أيضًا تسعى[4] لاستئصال وتجريم العمليات المسلحة ومن يقوم بها في الضفة الغربية. أما بالنسبة لحركة حماس (ومعها الجهاد الإسلامي)، فإنها تتبنى منذ تأسيسها الخيار المسلح فقط، دون أن تتطرق أدبيات الحركة إلى مفهوم المقاومة الشعبية[5]. ولكن يبدو أنها قررت تصحيح الوضع لديها بالنسبة لمفهوم وممارسة المقاومة الشعبية، حيث إن إعلامها الرسمي وكوادرها يشاركون بقوة في تأجيج الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الحالية وتهييج الشارع للمشاركة فيها.

يجدر بنا الإشارة إلى أن التصور النظري الأقرب للصواب بالنسبة للمقاومة الشعبية تتبناه الجبهات الشعبية والديمقراطية، لكن التمثيل العددي لهذه الجبهات ضعيف في الشارع الفلسطيني.

أما بالنسبة للشعب الفلسطيني ككل، فإنه يُعتبر أحد أكثر الشعوب ممارسة للمقاومة اللاعنفية في التاريخ الحديث؛ حتى أن أطول إضراب في التاريخ الحديث مسجلٌ باسم الفلسطينيين، وهو إضراب عام 1936، الذي استمر لمدة 6 شهور متواصلة. لكن في كل مرة، كان تعنت وغطرسة الاستعمار البريطاني وبعده الإسرائيلي حائلًا أمام تحقيق أهداف الفلسطينيين.

المقاومة الشعبية كخيار وحيد لتحرير فلسطين

بعد كل هذا التوضيح، فإنه من المؤكد أن الفلسطينيين بحاجة ماسة إلى الجمع بين شتى أشكال النضال الممكنة، العنيفة واللاعنيفة، المسلحة والشعبية/ المدنية. وفكرة التخلي عن إحدى هذه الوسائل هو ضرب من العبث المضيع للوقت، والمؤخر لعملية تحرير فلسطين ودحر الاحتلال.

وكما أن فكرة التخلي عن السلاح تخلو من المنطق العقلاني خصوصًا في وجه الاستخدام المفرط للسلاح من قبل الاحتلال الإسرائيلي؛ فإن التخلي عن الوسائل المدنية في مقاومة المحتل لهي أيضًا وجه من وجوه تعطيل وتأخير التحرير.

ختامًا، كيف يجب أن يكون الفلسطينيون؟

من وجهة نظر الكاتب، فإنه ينبغي على الشعب الفلسطيني ككل (في الضفة وغزة والقدس وداخل الخط الأخضر وفي الشتات) أن يمارس كافة أشكال المقاومة التي يُحسنها أو يقدر عليها. ونظرًا لحقيقة أن القادرين على استخدام السلاح هم قلة، فيتوجب على الآخرين أن يمارسوا مختلف وسائل المقاومة الشعبية؛ من نشرٍ للوعي، ومقاطعة المحتل سياسيًّا واقتصاديًّا، والعصيان لأوامره، وهكذا.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، وحسب الدراسات[6]، فإن تخفيض استهلاك البضائع الإسرائيلية في السوق الفلسطيني بنسبة 10% فقط، سيساهم في توفير 100 ألف فرصة عمل للخريجين الفلسطينيين!

ختامًا، إنه لينبغي على الفلسطينيين المزاوجة بين أشكال النضال المتعددة المسلحة والشعبية؛ ولا يتم ذلك إلا من خلال إيجاد قيادة موحدة للشعب الفلسطيني تتبنى الخيارين، وتقوم بالتنسيق بين كل الوسائل النضالية المتاحة حسب متطلبات المرحلة.

 

 

—————————————————————————————————————————————

[1] استخدمت مصطلح “الاستعمار الإسرائيلي” بدل “الاحتلال”، وذلك لما يحمله الأول من تبعات قانونية تجرم الكيان الصهيوني في المحافل الدولية. انظر مقال الباحث حسان عمران: https://www.qudsn.ps/article/77667

[2] لقد توسع الباحثون في بيان أشكال المقاومة الشعبية، ويمكنكم الاطلاع على بحث د. أحمد فارس عودة؛ “المقاومة السلمية: تاريخ وآفاق، فلسطين نموذجًا”.

[3] مثل شوبهاش تشاندرا بوشي (Bose) ومحمد علي جناح (Jinnah) في الهند؛ وجماعة “أمة الإسلام” بقيادة إليجا محمد في أمريكا.

[4] حسب تصريحات زعيمها محمود عباس. انظر: صفحة “محمود عباس” على الويكيبيديا.

[5] انظر: “المقاومة الشعبية في برنامج الفصائل الفلسطينية ومواقفها” للباحث مأمون سويدان.

[6] مفتاح: المبادرة الفلسطينية لتعميق الحوار العالمي والديمقراطية. انظر: www.miftah.org/arabic/Display.cfm?DocId=13659&CategoryId=10

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد