ليس غريبًا على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس المعروف بتفرده، وسطوته في التعامل مع خصومه حتى لو كانوا ذات يوم من أقرب المقربين إليه، أن يعاقب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الفصيل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية بقطع «مصروفها» الشهري من الصندوق القومي الفلسطيني، فالقرار يؤكد المؤكد في المشهد الفلسطيني الذي يسوده ديمقراطية عباسية عمادها من صفق وُفق، ومن عارض صُفع، ولا اعتبار للمتفرجين.

كما أن القرار يعكس بوضوح المزاجية المفرطة التي تتصرف بها قيادة السلطة، ويشير إلى غياب المؤسسة الفلسطينية مقابل الحضور الطاغي لشخص رئيس السلطة واحتكاره للقرارات، فضلًا عما يكشفه القرار عن نظرة رئيس السلطة للصندوق القومي الفلسطيني، إذ يبدو في نظره وكأنه حكر عليه وعلى مواليه، أو أنه ملك خاص به يتصرف به كيفما شاء، مما يثير أسئلة بطعم العلقم عن منظومة المؤسسات الفلسطينية متعددة المسميات والمهام دون حضور حقيقي في واقع المجتمع الفلسطيني، حيث تُستدعى حين الحاجة ووفق ما يخدم توجهات محددة لرئيس السلطة، وتستخدم للاستقواء ولشرعنة بعض المواقف والقرارات الرئاسية في مواجهة خصوم الرئيس.

ويعيد قرار عباس بمعاقبة الجبهة الشعبية إلى الأذهان سلسلةً من القرارات الفردية التي تفوح منها رائحة الانتقام الشخصي، ومنها قراره المفاجئ حينها بإعفاء حليفه السابق ياسر عبد ربه من أمانة سر منظمة التحرير الفلسطينية، كتعبير واضح عن سلطة الرجل الواحد، فينبغي على فصائل العمل الوطني بكافة توجهاتها، ومؤسسات المجتمع المدني أن تتكاتف من أجل وضع حد له، وذلك لمخاطره الجمة على الصالح العام، فضلًا عما يعكسه من استخفاف بمكونات المشهد الفلسطيني، واستهتار كبير بتوجهات الرأي العام الفلسطيني في كثير من الأحيان، ومن ذلك، مواصلة التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي.

لقد آن الأوان لإعادة النظر في النظام السياسي الفلسطيني بمختلف مكوناته، وإعادة بنائه وفق طبيعة مرحلة التحرر الوطني التي يخوضها الشعب الفلسطيني، إذ أثبتت التجربة على مدار عقدين من الزمن، أن وجود سلطة فلسطينية بصلاحيات أقرب لبلدية موسعة، أعفى سلطات الاحتلال الإسرائيلي من واجباتها كسلطة احتلال، وفتح المجال أمامها للتغول أكثر على الأرض الفلسطينية، واستباحة وتهويد مدينة القدس المحتلة، فضلًا عما أسهم به من تمزيق للصف الفلسطيني الداخلي، ومس بالنسيج الاجتماعي للفلسطينيين.

لا سبيل لإنهاء الانقسام الداخلي سوى بعودة الفصائل إلى المشروع الوطني الصرف، والتوحد على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة الصراع إلى بوصلته الحقيقية كشعب ينشد الحرية وتقرير المصير أسوة بشعوب العالم، وعدا ذلك، فالأمر لا يعدو كونه مسكنات مرحلية، وإضاعة للوقت، وتضييع للأجيال، وعبث بمستقبل القضية الفلسطينية، وخلط للحابل بالنابل، إذ أحسب أن الخلاف والتناقض بين حركتي فتح وحماس أكثر حضورًا في وجدان الأجيال الفلسطينية الصاعدة من التناقض الجوهري مع الاحتلال الإسرائيلي، وتلك طامة كبرى يتحمل وزرها كل من أمد الانقسام بأسباب الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشعبية
عرض التعليقات
تحميل المزيد