كشف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عن تناقضات كبيرة؛ فبنهاية القرن العشرين، هناك قلة من البشر يتمتعون بالنصيب الأكبر من الثروة والمعرفة والإنتاج، وكثرة من البشر يعانون من سوء التغذية، أو يموت بعضهم جوعًا، ومرضًا، وجهلا.

كثير منا يتساءل عن الزيادة السكانية بل ويعتقد أنها سبب كل التخلف والجهل من حولنا، وأن الحكومات تسعى جاهدة لكي تنتشل الأمة من هذا المرض الذي أصبح يهدد حياتها وتقدمها، وكيف نحقق تنمية مستدامة وأن نسير في ركب العلوم دون أن نقتلع هذا الداء العضال (الزيادة السكانية). لقد انتبه العلماء لهذا الخطر منذ الوهلة الأولى من القرن 18 على يد مالتوس، الذي تنبه لهذا الأمر والذي حاول أن يفسره بطريقة علمية ثم يضع الحل المناسب لهذه الأزمة التي بدأت تتفاقم، وأن يجد حلا للمشكلة التي باتت تهدد البشرية، وقامت الجمعيات الدولية بوضع المصطلحات اللازمة للتنمية المستدامة، وأن الموارد من  حولنا في نقص وانحدار، وأن الأجيال الحالية لابد لها من استخدام الموارد بالقدر الذي يسمح للأجيال القادمة بالوفاء بمتطلباتها.

فهل ما ذهب إليه العلماء نتيجة لفكر سابق على إرادتهم من الحد من الزيادة السكانية، أم أنهم يدقون أجراس الخطر لداء يهدد الوجود البشري بأكمله؟ هذا ما نحاول أن نعرفه في الكلمات عن نظرية السكان، والزيادة السكانية.

 

لقد قام مالتوس في القرن 18 بنشر كتاب له بعنوان (مقال عن مبدأ السكان)، ولم يضع اسمه على هذا الكتاب في الطبعة الأولى، ولعل السبب في ذلك أن مالتوس كان قسيسًا وما قاله يناقد ما يعتقده، ولذلك لم يضع اسمه إلا في الطبعة الثانية عندما حقق الكتاب جدلًا واسعًا لا سيما في الوسط الاقتصادي، فهل ما قاله انقلاب فكري حاول أن يقتلع جذوره، أم أنها أمانة علمية ونصيحة للبشرية تحتم عليه أن لا يخفيها؟

لقد أثار هذا الكتاب جدلا بين العلماء الاقتصاديين، فلقد رحب جمع من العلماء – لا سيما الاقتصاديين الكلاسيك – بهذا الكتاب حتى قال ريكاردو: “إن ما قاله مالتوس عن العلاقة بين السكان والغذاء صحيح حتى إنه ليشبه قوانين نيوتن”.

وعلى الجانب الآخر، يقول كارل ماركس: “إن هذا الكتاب سبة في حق الإنسانية”، وقال جوزيف شومبيتر: “ما قاله مالتوس ما هو إلا إعادة صياغة لما قيل قبله وفكرته بسيطة لا تقوم على أساس علمي رصين”، والذين تكلموا في هذا الأمر قبل مالتوس ريتشارد أنتيلون عام 1755 بعنوان (بحث في طبيعة التجارة بصفة عامة)، وجميس ستيوارت في كتابه (مبادئ الاقتصاد السياسي).

لقد قامت النظرية على أن السكان يزيدون بمتوالية حسابية (1-2-4-8-…) وأن الموارد والغذاء يزيدون (1-2-3-4-…) وفي خلال قرنين ستكون نسبة السكان إلى الغذاء 256 إلى 9، وبالتالي فإن الزيادة السكانية ستؤدي إلى تخلف وانحدار في المعيشة، وفي المقابل تردي المورد ونقص الغذاء.

فلو أمعنا النظر قليلا لوجدنا النظرية تحمل في طياتها تحيزًا طبقيا وسياسا، بل انقلابا فكريًّا مضادًا.

فلقد سيطر على مالتوس التشاؤم وكان هذا التشاؤم ناتجًا عن الزيادة السكانية في عصره، والتشاؤم والتفائل لا يخضعان للقوانين العلمية، لأنه يصعب التحكم في المشاعر وقياسها، بل هي عوامل نفسية تختلف باختلاف البشر، وعلى هذه النظرة صار نادي روما سنة 1972 عندما أصدر كتابه عن حدود النمو ونظرية يوم القيامة ونقص الموارد، ومنها تفرعت نظريات التنمية التي لا تطابق إلا دول العالم الثالث.

على الجانب الآخر، نرى دافيد هوم وهو يتحدث عن هذه الزيادة بأنها مبشرة، لقد نظر إلى الزيادة نظرة مليئة بالتفاؤل، ولقد سبق ابن خلدون دافيد هوم بهذه النظرة بأربعة قرون، لقد أهمل مالتوس التقدم التنكولوجي في عصره والثورة الصناعية التي من شأنها أن تحدث تغيرًا في إنتاج الغذاء، وركز على الزيادة المصاحبة بالتشاؤم.

لقد قامت الثورة الفرنسية قبل إصدار هذا الكتاب بـ7 سنوات، الأمر الذي جعل الناس يأملون بالتغير والانقلاب على الدكتاتورية، لقد كان مالتوس من المحافظين ضد الموقف الثوري من قضية الإصلاح، الأمر الذي جعله يأخذ من الثورة موقفًا سلبيًّا، فهو يرى الثورة لا تفيد في التغير وأن البشرية ينتظرها هلاك أمام هذه الزيادة السكانية، حتى إن مؤرخي الاقتصاد ذكروا في كتبهم ما جرى من حوار بين روبرت مالتوس الأب والابن. فلقد كان أبوه يأمل بالثورة وأنها الرياح الذي يحمل بشائر الحرية والمساواة، فعارضه مالتوس بما يراه من خطر من الزيادة السكانية المنتظرة، حتى وافقه أبوه وحثه على الكتابة في هذا الأمر فكتب.

لقد كان مزاج الاقتصاديين التقليدين من ريكاردو وجيمس ميل وغيرهم يميلون إلى هذا الموقف، ولقد بنى ريكاردو نظرية الأجور على هذه النظرية كما سيأتي.

التحيز الطبقي الذي جاءت به هذه النظرية كان واضحًا، لقد أعطى القانون الذي وضعه مالتوس تبريرًا لسوء أوضاع الطبقة العاملة وبؤسها خلال المراحل الأولى من تطور الرأسمالية الصناعية، فمشاكل الفقر والجوع والبطالة وسوء الصحة وانخفاض الأجور إنما ترجع – في رأي مالتوس – ليس إلى طبيعة النظام الرأسمالي، وإنما إلى مفعول قانون السكان، لقد كانت النظرية تعطي للطبقة البرجوازية والرأسمالية سلاحًا نظريا لكل الانتهاكات التي كانت تمارسها ضد الطبقة الكادحة، وهكذا استندت الحكومات في تبرير فشلها إلى نظرية مالتوس.

لقد انعكست الوظيفة التبريرية لنظرية مالتوس في النظرية التي وضعها ريكاردو عن الأجور، وهي النظرية التي عرفت باسم (نظرية الأجر الحديدي)، حيث استند ريكاردو في صياغة نظريته إلى قانون مالتوس في السكان، رأى ريكاردو أن الأجر الطبيعي للعامل يتحدد في الأجل الطويل عند مستوى معين لا يتعداه، وهذا المستوى هو الحد الأدنى الضروري للمحافظة على العمال وتمكينهم من إعادة تحديد (جنسهم) على حد تعبير ريكاردو نفسه، ومن ثم تحدد الأجور على أساس أجر الكفاف الذي يتحدد بدوره أساسًا بمستوى أسعار الموارد الغذائية الزراعية، فإذا ارتفع أو انخفض عن هذا المستوى الطبيعي الكفافي، فإن هنالك قوى طبيعية في النظام ومن شأنها أن تعيد بطريقة تلقائية مستوى الأجر إلى مستواه الأدنى الضروري،

مثلا إذا ارتفعت أجور العمال عن هذا الحد الأدنى الكفافي لأدى ذلك حسب رأي ريكاردو إلى زيادة عدد السكان، حيث تكثر زيجات العمال وبالتالي يزيد النسل وزيادة عرض العمل في الأجل الطويل بنسبة أكبر من نسبة زيادة الطلب عليهم، ومن ثم يحدث فائض عرض في عنصر العمل، مما يؤدي إلى انخافض الأجور بشكل متتال، إلى أن تستقر عند مستوى أجر الكفاف. وإذا حدث العكس من ذلك أن انخفضت الأجور الحقيقية المدفوعة للعمال إلى مستوى أقل من مستوى أجر الكفاف، فإن ذلك يؤدي إلى سوء الأحوال الصحية للعمال فتنتشر الأمراض وترتفع معدلات الوفيات بينهم، كما تقل زيجاتهم وبالتالي: يقل نسلهم، الأمر الذي يتسبب في الأجل الطويل في حدوث نقص ملموس في عرض العمل.. ومن هنا سيوجد فائض طلب (= نقصًا في العرض) في سوق العمل في الأجل الطويل، مما يؤدي إلى ارتفاع الأجور بشكل مستمر إلى أن تستقر عند مستوى أجر الكفاف.

النظرة الدارونية والنظرة غير الإنسانية للبشر، فمالتوس ينظر للإنسان نظرة حيوانية متجردة من كل معاني الإنسانية، كما وصف ميرابو البشر (كالفئران في مخزن الحبوب)، لا نعجب عندما يقول تشارلز دارون: “إنه مدين لمالتوس في اكتشاف نظريته”، وقال شومبيتر: “القول العارض أو قليل الأهمية قد يكون سببًا في تفجير سلسلة من الأفكار، وهو يمثل الاعتقاد بالخدمة التي أداها عالم الاقتصاد إلى الدارونية لها بعض الشبه للخدمة التي أداها الأوز لروما”، إلى هذا الحد تحمل هذه النظرية كل هذا التحيز في طياتها، لقد عمدت الدول الصناعية (صندوق البنك الدولي ومنظمة اليونسكو) إلى فرض التوصيات على البلاد النامية فيما يتعلق بالزيادة السكانية من تحديد النسل وانخفاض معدلات المواليد وتأخير سن الزواج، وغير ذلك من الإملاءات التي تفرضها علينا المنظمات الدولية.

لقد كان كثير منا ولا سيما الحكومات، ينظر إلى الزيادة السكانية أنها سبب كل تخلف وفقر ولا ننظر إليها أنها نتيجة لكل ما سبق، ولعل من أخطر النظريات التي تهدد الإنسانية والتي سلبت من البشرية وجدانها الإنساني، النظرية السكانية أو النظرية المالتوسية، بل هي التي كرست للرأسمالية وحاشيتها وانحيازها الطبقي، ووجد كل انتهازي ضالته فيها، بل هي تضع الإنسان في درجة لا تتعدى الحيوانية الممقوتة، لقد عمل بهذه النظرية منذ سنوات عديدة ولا سيما في بلدنا (الدول النامية) ونحن نحاول أن نكشف القناع عن هذه النظرية لنبين أنها ما أرادت إلا خدمة طبقية غير إنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد