انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة ما يسمى بـ«يوتيوبرز»، وهم أشخاص ينشؤون حسابات لهم على «يوتيوب» وما شابهها من برامج، ليكون لهم منصة يتحدثون من خلالها عن اهتماماتهم وأفكارهم، وإنك إذ تجد منهم من يقدم إفادة وأفكارًا مبتكرة لدعم مشروع ما، أو مناصرة قضية محقة، ستجد في الطرف المقابل من يسيئون لأنفسهم بداية بما يقدمونه من محتوى تافه، لا يغني البشرية بشيء سوى إفساد المجتمع وتمييع قضاياه.

وباستقراء لتاريخ ظاهرة تفاهة المحتوى وتطورها مع مزامنة التطور التقني والتكنولوجي، سنجد أنها بدأت بظهور خجول في بعض المسلسلات والدعايات والفيديو كليبات، وكان المجتمع يتلقاها بشيء من المزاح، وكثير من الإهمال؛ إذ كان ما يزال يحافظ على ترابط مكوناته إلى حد ما. وكان انتشار النت محدودًا.

مع تسارع الثورة التكنولوجية والرقمية بات النت والهواتف الذكية من أساسيات الحياة، وبتسليط الضوء على مجتمعنا العربي مزامنة مع هذا التطور وما رافقه من الثورات العربية التي ساهمت في خلخلة بنيان مجتمعاتنا المتصدعة لتحرك ما كان راكدًا في قاعه، وصعود كثير من الأشخاص من الدرك الأسفل إلى السطح، وبسبب الفساد المستشري لعقود في بلادنا كان لهم الغلبة في الترويج لأفكارهم، وتبوء منصات الكلام وكان «يوتيوب» جزءًا من هذه المنصات.

لكن في حديثنا هذا سنركز على فئة من يوتيوبرز هم ما دون العشرين عامًا الذين أغرتهم سياسة النشر في هذه المنصات في استعجال الشهرة والمال بأيسر الطرق؛ إذ تقوم سياسة «يوتيوب» مثلًا على حصول المشترك على مردود مالي في حال تعدى عدد متابعيه حدًا معينًا، ليتحول هذا الشخص إلى أيقونة في العالم الافتراضي، ينشر ما بدا له دون أي رادع أخلاقي، باسثناء حالات الإبلاغ عن المحتوى السيئ.

إن ما يسوقه هؤلاء الفتية يأذن بدق ناقوس الخطر في ضياع مستقبل جيل كامل، والانجرار في وحل الشهرة الزائف مقابل الإتيان بتافه الأفعال وأخسها. تبدأ رحلة الشهرة بمشاركة المتابعين الحياة اليومية والشخصية، ثم تتطور بإشراك المحيط الضيق لليوتيوبرز للقيام بأعمال سخيفة تحت مسمى «المقلب»، مثل اتهام صديق بالسرقة، أو ادعاء فتاة أمام صديقها بأنها حامل، وفي المرحلة اللاحقة تنشأ حرب افتراضية بين اليوتيوبرز بسبب إشاعة أو تنمر، ليتحول الحوار بينهما إلى سباب وفضح الأعراض التي ستوصل أصحابها في النهاية إلى الاكتئاب وفقدان الذات، والتوغل أكثر في المستنقع، وكمثال من باب العلم بالشيء لا الحصر «الحرب» بين بيسان إسماعيل ومحمد جواني، بدأت قصتهم بشراكة يوتيوبية إن صح التعبير، لتتحول إلى حرب ضروس يتابعها قرابة 8 مليون شخص، الملفت في الموضوع أن بيسان لم تبلغ السابعة عشرة من عمرها، وقعت في فخ الشهرة لتستباح حياتها في العلن، وكانت أمها، بحسب تقديري، السبب الرئيس فيما وصلت له ابنتها، فهي كانت الداعم الأول لها للمضي قدمًا في هذا الطريق، والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان ألا يدرك الأهل خطورة ذلك؟ هل الشهرة التي تكتسب من التشهير هي النجاح الحقيقي الذي يدركه المرء بحياته؟

كثيرًا ما نقرأ خبرًا مفاده أن شابًا أو شابة قد وثق/ت وفاته/ا خلال بث مباشر لهم على النت، وذلك أثناء قيامهم بمجازفة ما ليحصد عددًا من المعجبين لقيامه بعمل خارق أو غير مألوف، كالقفز في ماء متجمد، أو التعري، أو أكل فضلات الحيوانات.

ليطالعك سؤال ملح آخر هل تستحق هذه الشهرة المغامرة بحياتك؟ هل يستحق لقب «الشاب الكوول» أن تصبح أعمى البصيرة وتهدر وقتك بما لا ينفع؟

إن تحول التفاهة من مزحة إلى صناعة بات واقعًا يستلزم منا الوقوف عنده لإدراك أسبابه والفجوة التي تسلل منها، للإجابة عن الكثير من الأسئلة العالقة.

هل باتت التفاهة هويتنا؟

أي خطر يترصد بجيل كامل يعول عليه بناء الغد؟

هل هناك من يقف وراء هذه الصناعة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد