هنا أنا لن أتحدث في أمر سياسي ولا موضوع تقني، بل كُل ما يهمني هو المجتمع، المجتمع الذي تفشى فيه للأسف صور التحرش بأشكالها المختلفة، فنجد من يتحرش بالأطفال، ومن يتحرش بابنته، ومن يتحرش بزميلته في العمل، فالرجل يتحرش بالرجل، والمرأة بالمرأة والطفل بالسيدة الكبيرة المُسنة، وجدنا صورًا لم تكن موجودة، كانت الأفلام الإباحية هي العامل الأساسي في خلق هذه الأفكار الشاذة والميول الغريبة، وانتشار التحرش في بلادنا وأفكار أولادنا، وقع المُجتمع ضحية للمواقع والأفلام الإباحية التي تعمل جاهدة – بشكل علمي ودقيق – على تغيير ميول المسُتقبل الجنسية.

تؤكد ورقة بحثية أن 93% من إجمالي 22484 موقعًا إباحيًّا تسرِّب معلومات المُستخدمين لجهات خارجية، هذه المواقع تعمل على دراسة سلوكك الجنسي من خلال «التفضيلات» ما هي المقاطع التي تُشاهدها تحديدًا؟ المدة الزمنية؟ المشاهد التي تقوم بإعادتها، وغيرها من الأمور التي تُساعد على فهم سلوكك الجنسي بالضبط، ما الذي تُفضله؟ هل لديك سلوك مُنحرف أو اتجهات غير طبيعية.. إلخ، وهنا تبدأ مرحلة جديدة وخطيرة نحو محاولات تغيير سلوكك الجنسي.

تبدأ هذه الجهات الخارجية بعد تحليل استخدامك وسلوكك على هذه المواقع بإعادة عرض مُحتوى «مُخصص» سواء بشكل طبيعي وعادي أو من خلال إعلانات، هنا تبدأ رويدًا رويدًا في محاولة توجيه «تفضيلاتك» إلى أن تبدأ بأول مشاهدة.

اختار الفريق موقع «Alexa» الشهير لتحليل المواقع الإباحية من خلال استخدامهم لكلمة «إباحي» مثلًا، أو غيرها من الكلمات المعروفة في عناوينهم أو بيانات التعريف الخاصة بهم، وجدوا أن من إجمالي 22484 موقعًا إباحيًّا هناك فقط 3586 موقعًا يحتوي على سياسة خصوصية، وفي هذه السياسة يُشيرون بشكل مباشر إلى مشاركتهم بيانات المُستخدمين مع أطراف خارجية أخرى، ويشير الفريق الذي يتكون من إيلينا ماريس من «مايكروسوفت»، وتيموثي ليبرت من جامعة كارنيجي ميلون، وجنيفر هنريشسن من جامعة بنسلفانيا، إلى أن متوسط عدد الكلمات في صفحات «سياسة الخصوصية» في مثل هذه المواقع الإباحية يتعدى 1750 كلمة مكتوبة بشكل صغير جدًّا وبطريقة يصعب على أي أحد قراءتها والإطلاع عليها، فضًلا عن أن المستخدمين لم يعتادوا قراءة مثل هذه الصفحات أصلًا، خصوصًا إذا كانت المواقع التي يتصفحونها «إباحية».

ربُما تجد أن الأمر «عادي» وغير مهم، ولكن إذا عرفت أن عدد مُستخدمي أحد هذه المواقع الإباحية – دون داعي لذكر اسمه – تخطى أكثر من 4 مليارات مُستخدم شهريًّا، مدة بقاء الزائر الواحد داخل هذا الموقع على الأقل 25 دقيقة، يتصفح ما يقارب من 10: 50 فيديو مُختلفًا، هذه المواقع إذن لديها قدرة كبيرة وكاملة على توجيه وتغيير سلوك مُجتمعات بالكامل، بل يعملون على ذلك بالفعل.

ما لا يقل عن 30% من جميع البيانات التي تتنقل من خلال الإنترنت تتعلق بالإباحية، تستخدم هذه المواقع والمقاطع والفيديوهات حتى الأطفال في ذلك، فاستغلال الأطفال في المواد الإباحية أحد أسرع الأعمال التجارية على الإنترنت نموًّا، فتساعد على توجيه سلوك الأكبر سنًّا وتغيير ميولهم نحو الأطفال، وقد تتساءل: هل الموضوع بهذه الخطورة فعلًا؟ إذا كانت تجاربهم بكُل تلك الأرقام وعلى كُل هؤلاء الأعداد من المُستخدمين وبهذه الميزانيات الضخمة فالإجابة نعم، الأمر أخطر مما تتخيل؛ فصناعة الأفلام الإباحية تُقدر بنحو 97 ميار دولار.

إذن أنت تُشاهد الأفلام الإباحية باستخدام موقع X مثلًا، يبدأ هذا الموقع بتحليل سلوكك وتفضيلاتك ومشاركة بياناتك مع أطراف خارجية، تعيد هذه الأطراف توجيه مواد إباحية أخرى مُخصصة لك تحمل توجيهًا معُينًا (سلوكًا شاذًا مثلاً) وتبدأ تدريجيًّا بمحاولات جذبك ولفت انتباهك نحو هذه المواد الجديدة لتستقطبك وتبدأ في المشاهدة.

أنا لا أتحدث هنا عن مدى خطورة المواد الإباحية ولا عن أثرها الجسماني عليك، ولا حتى حُرمانيتها من الناحية الدينية ولا الأخلاقية، ولا أتناول رؤية المجتمع لذلك، ولكن الأمر أخطر، أنا أتحدث عن شخص طبيعي له ميول جنسية عادية يتحول بعد فترة من المشاهدة إلى شخص مُختل شاذ له ميول للأطفال مثلًا، أو اللواط، أوالسحاق، أو إلى العنف أثناء ممارسة الجنس، أو أشياء كثيرة أخرى قد يتحول إليها الشخص تدريجيًّا، تبدأ بأمور بسيطة في البداية، إلى أن ينتهي به الأمر إلى مُتحرش مضبوط في الطرقات، فإذا أرادت الدولة – حقيقة – البدء في محاربة التحرش ومواجهته، أن تبدأ أولًا في حجب المواقع الإباحية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد